تحقيق: لطيفة الحسيني
هو السيّد هيثم الطبطبائي، المعروف بـ»أبو علي»، القائد الذي آثر العمل في الظلّ طوال مسيرته. سيرة جهاد ممتدّة على مدى أكثر من أربعين عاماً، انطلقت من الأيّام التأسيسيّة للمقاومة، حين اجتمع المجاهدون على دفع المحتلّ، متنقّلاً بين المواقع وعواصم محور المقاومة، وحاضراً في صلب العمليّات العسكريّة والمهام الميدانيّة، مؤدّياً التكليف على أكمل وجه. وصولاً إلى 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025م، حين نال الوسام الأعلى، ليلتحق بركب من سبقه من شهداء.
*على جبهات عدّة
تستحضر ابنة السيّد هيثم الطبطبائي أباها شخصيّة استثنائيّة في العاطفة والشجاعة والمسؤوليّة. تقول: «عندما كنّا صغاراً، لم نكن ندرك شيئاً عن مكانة الوالد وحيثيّته الجهاديّة، لكنّ غيابه المتكرّر، وأحياناً الطويل، كان أكثر المؤشّرات وضوحاً بالنسبة إلينا لمعرفة حساسيّة عمله».
تضيف: «بين عامَي 2000م و2006م، كنّا نعيش في الجنوب بسبب ظروف عمله. وفي مرحلة ما بعد التحرير، كان يبقى مشغولاً دائماً، ما دفعنا لاستنتاج أنّ المهام التي تُلقى على عاتقه تتضاعف».
كان الشهيد مكلّفاً بمهام جهاديّة استثنائيّة، وما اجتماعاته مع كلّ من القائدَين الشهيدَين عماد مغنيّة وقاسم سليماني إلّا خير دليل على ذلك. ففي حرب تمّوز/ يوليو 2006م، كان مسؤولاً عن محور الخيام. وبعد العام 2008م، انتقل من الجنوب إلى مهمّة تأسيس قوّة الرضوان. استقرّ في بيروت، قبل أن يكلّفه سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في العام 2011م بمتابعة جبهة سوريا.
*اليمن: المحطّة المفصليّة
كان العام 2015م مرحلة انتقاليّة ومفصليّة في حياة العائلة، بحسب ما تقول ابنته، إذ عاشت فيها تجربة مُختلفة لم تعهدها من قبل، خصوصاً على صعيد اللقاء والتواصل. عن ذلك تشرح: «أخبرنا الوالد أنّه سينتقل إلى اليمن من أجل العمل. لم تكن الرحلة سهلة، فقد استغرقت نحو 22 يوماً منذ انطلاقه إلى وجهته الجديدة، قبل أن نتلقّى أوّل اتّصال به بعد 4 أشهر. كانت الاتّصالات صعبة للغاية في البداية، ثمّ جرى لاحقاً ترتيب وسائل خاصّة للتواصل».
وتستعيد ذكريات الغياب الطويل في تلك المرحلة قائلة: «استغرق سفره الأوّل عاماً وشهراً واحداً، فيما امتدّ سفره الثاني لثمانية أشهر، إلى أنّ استقرّ بعدها في لبنان. وظلّ، على الرغم من ذلك، مواكباً للجبهة اليمنيّة حتّى آخر يوم في حياته».
* أبعد من علاقة عمل
ترى ابنة الشهيد أنّ تجربة العمل في اليمن كانت بالنسبة إليه من أكثر الجبهات التي تجسّد نموذجاً للإخلاص الكامل للمهمّة، وللروح التي تنهض بالعمل قبل أن تنهض به الإمكانات.
وتنقل عنه قوله إنّ المقاومة اليمنيّة كانت موجودة في اليمن قبل وصول حزب الله إلى هناك، ليس هو من أسّسها، بل ذهب أفراد من حزب الله لأداء فقط مهمّة محدّدة، تتمثّل في تعزيز قدراتها على مستويات التدريب والمناورات والتجهيزات والتنظيم.
بالإضافة إلى ذلك، كان السيّد أبو علي يؤمن بأنّ الإخلاص في العمل هو مفتاح النصر، وأنّ السلاح وحده ليس أساس القتال؛ فثمّة روح وإرادة والتزام، ولا يمكن اختزال هذه التجربة من دون فهم عميق لما يحمله أصحابها من قناعة واستعداد.
كما تشير الابنة إلى أنّ علاقة والدها باليمن لم تقتصر على إطار العمل، بل كانت تربطه صلة مباشرة وشخصيّة بقائد حركة أنصار الله السيّد عبد الملك الحوثي، وكذلك بالحاجّ قاسم سليماني.
وتستحضر في هذا السياق زيارة الشهيد سليماني إلى منزل العائلة للاطمئنان عليهم، بعد نحو عشرة أيّام من سفر والدها إلى اليمن. وهي ذكرى بقيت حاضرة في وجدان الأسرة، بما تحمله من دلالة على الاهتمام بها في ظلّ غياب الشهيد الطويل والظروف الاستثنائيّة التي تعيشها.
*تعلّم وتطوّر مستمرّان
لم تكن المكانة التي بلغها السيّد أبو علي، كما تروي ابنته، مُنفصلة عن خصاله الشخصيّة، ولا عن إصراره المتواصل على التطوّر والتعلّم. فمنذ تسعينيّات القرن الماضي، ثمّ في مرحلة ما بعد التحرير، استطاع أن يُثبت حضوره على الرغم من صغر سنّه، كما كلّ القادة الجهاديّين في تلك المرحلة، وأن يتقدّم في تولّي زمام المسؤوليّات بفضل ما أظهره من كفاءة وقدرة على التعامل مع التحدّيات.
كذلك، تلفت إلى تميّزه في الجانبيْن التكتيكيّ والميدانيّ، وإلى أنّ شهادات من عملوا معه لم تكن تتوقّف عند كفاءته المهنيّة، بل كانت تتناول أيضاً طريقته في التعامل مع الآخرين. فقد كان، بحسب ما نقلته عن رفاقه في الميادين المختلفة، يسعى إلى حلّ المشاكل، ويُصغي كثيراً إلى من يُجالسهم، ويتشارك معهم المسؤوليّات. لم يكن الإصغاء عنده تفصيلاً عابراً، بل سمةً في شخصيّته وطريقته في التعامل مع المُحيطين به.
كما أنّ أثره في الناس ظلّ حاضراً في ابتسامة من عرفه عن قُرب، وهي صورة تختصر جانباً من شخصيّته؛ إذ تجتمع الجدّيّة في أداء المسؤوليّة مع البشاشة في اللقاء، والقدرة على تحمّل الأعباء مع الاحتفاظ بمساحة إنسانيّة في علاقته بالآخرين.
*التواصل عبر الرسائل الخطيّة
بعد حرب العام 2024م، وما حملته من تحوّلات، ازداد تواصله بعائلته صعوبة، إذ أصبح الاعتماد على الرسائل المكتوبة الوسيلة الأساسيّة للاطمئنان وتبادل الأخبار بينهما.
بعد الأسبوع الثالث من الحرب، وصلت إلى العائلة أوّل رسالة خطيّة من الشهيد، مؤلّفة من ثلاث صفحات، أراد من خلالها الاطمئنان عن أحوال أفراد أسرته، وتوصيتهم بالإكثار من الصبر والدعاء.
طلب من ابنته أن تُواظب على الدعاء، قائلاً إنّ دعاءها له يؤنسه في وحشته. ثمّ ذكر أنّه مرّ بأيّام صعبة لن يتحدّث عنها، لأنّ المرحلة لا تحتمل الضعف، وأنّ المطلوب التحلّي بالقوّة، في ظلّ ما يحمله من مسؤوليّة كبيرة.
في رسالته أيضاً، عبّر عن أمله في أن ينصر الله المستضعفين، في عبارة تكشف عن حضور هذا الهمّ في وجدانه، حتّى وهو يكتب إلى عائلته في ظروف بالغة الصعوبة.
لم تكن الرسالة موجّهة إلى أسرته وحدها، فقد حملت أيضاً اهتماماً بالآخرين. سأل عن أحوال المعارف، وطلب أن يقدّم أبناؤه الشباب المساعدة إلى أيّ عائلة تمرّ بظروف مادّيّة صعبة. كما سأل عن عائلة القائد الشهيد «أبو حسن سلامة»، الشهيد علي ديب.
هذا الاهتمام كلّه ما كان سوى امتدادٍ لطبيعته في تحمّل المسؤوليّة بما يتجاوز دائرته الخاصّة.
رحل الشهيد أبو علي، لكنّ إرثه الجهاديّ سيبقى حيّاً في كلّ من تعلّم منه معنى الإخلاص في العمل، ومن اقتدى به في العزيمة والإصرار. فهنيئاً له ما صنعه لدنياه وآخرته.لم تنتهِ الحكاية بعد، التتمّة في العدد القادم.