تحقيق: د. حياة الرهاوي
في العدد الماضي، استعرضنا نشأة سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) مع الكتاب، وكيف شكّلت المطالعة وعيه منذ طفولته في البازوريّة إلى فترة دراسته في النجف الأشرف. لكن ما لم نكشفه بعد، هو كيف تطوّرت هذه العلاقة مع مرور السنوات، واتّسعت دائرة قراءاته لتشمل عوالم متعدّدة: من فكر العدوّ إلى الحركات التكفيريّة، وصولاً إلى الأدب والشعر. كلّ ذلك بشهادات مجموعة من الزملاء والمقرّبين الذين رافقوه في مراحل مختلفة من حياته، وعرفوا عن قُرب شغفه بالمعرفة وتواضعه مع العلماء(1).
*مكتبة السيّد... متجدّدة
كانت مكتبته تحوي صنوفاً متعدّدة من المعرفة. فقد قرأ الروايات المترجمة، والأدب اللبنانيّ، والشعر، والفكر من بيئات مختلفة. كان يريد أن يعرف كيف يفكّر الآخر، وكيف تشكّلت المجتمعات والأفكار بعيداً عن الدائرة التي يتحرّك فيها.
وهنا، تظهر واحدة من أهمّ خصائص طريقته في القراءة: لم يكن يبحث عن الإجابة التي توافق ما يعرفه، بل عن الصورة الكاملة.
احتلّت القراءة عن العدوّ الإسرائيليّ جانباً أساسيّاً من اهتماماته. كان يتابع ما يصدر في الكيان الصهيونيّ، عبر متابعة إعلام العدوّ، ودراسات المراكز البحثيّة العبريّة ومناقشاتها.
ومع صعود تنظيم داعش وسيطرته على أجزاء من العراق وسوريا، دخلت إلى دائرة قراءاته اهتمامات جديدة. اتّجه نحو دراسة الحركات السلفيّة والجهاديّة والتكفيريّة والأصوليّة؛ أراد أن يقرأ أدبيّاتها، وما كُتب عنها، ويفهم البنية الفكريّة التي تقف خلفها.
ومن المصادر التي طلبها في هذا السياق: «المذكّرة الاستراتيجيّة: المنهج الأساس لعمل القاعدة»، بما تتضمّنه من تصوّرات استراتيجيّة حول انتشار الحركة ونطاق عملها. لم يكن يكتفي بقراءة النصّ، بل حاول الوصول إلى المنظومة الفكريّة التي أنتجته. وأهمّ ما في الأمر هو تسييل كلّ معرفة جناها، ليقدّمها للناس عبر المنبر ومحاضراته التي كان تحضيرها يستهلك جزءاً مهمّاً من وقته وعمله البحثيّ، إذ تعامل معها كملفّات بحثيّة رصينة.
*اهتمامه بالشعر واحترامه الشعراء
لم تكن علاقته بالكلمة تقف عند حدود الكتب الفكريّة والدينيّة والسياسيّة؛ بل كان للشعر مكانٌ في دائرة اهتماماته أيضاً. حين أهداه الشاعر الدكتور إيهاب حمادة كتابه «ما سكت عنه الفراهيدي» في علم العَروض، ومعه كتاب «في أثر الموسيقى في مسارات اللغة العربيّة الصوتيّة والصرفيّة والنحويّة»، دار بينهما حديث انتقل من العَروض إلى الشعر نفسه.
أخبره السيّد حينها إنّه كان يكتب الشعر. ثمّ مازحَه قائلاً إنّه والشيخ محمّد خاتون يشكّلان معاً شاعراً واحداً: هو يؤلّف الكلمات، والشيخ خاتون يضبط الوزن. وقد جمعتهما بالفعل قصيدة من سبعة أبيات.
أحبّ سماحته مجالس الشعراء، وخصّص لبعضهم لقاءات خاصّة، ومنهم الشاعر السوريّ عمر الفرا. وكان حريصاً على احترام أصحاب الكلمة ومكانة الشعر.
*«من أنا لأكرّم عالماً؟!»
رغم كلّ ما حمله من علمٍ وتجربةٍ وموقعٍ كبير، بقي فيه شيء من ذلك الشابّ الذي كان يجلس بين الكتب ولا يرى في نفسه أكثر من طالبٍ يبحث عن المعرفة. كان يبتعد عن كلّ ما يُشعره أن الأضواء تتّجه نحوه، وكأنّ الشهرة بالنسبة إليه كانت عبئاً لا مكسباً.
في أحد الاحتفالات التي أُعدّت لتكريمه، كان الشاعر الدكتور إيهاب حمادة قد كتب نشيداً خاصّاً للمناسبة، يبدأ بقوله: «حسن كالبدر إذا يظهر، وضياؤه من شفق أمطر، يضفي أنواراً ساحرة من وجه نوّار يسحر...». كان النصّ يحمل محبّة الشاعر لسماحته وتقديره له، لكنّ السيّد حسن لم يرغب أن يُلقى النشيد في الاحتفال؛ لأنّه لا يحبّ أن تُقال فيه عبارات المدح، أو أن تتحوّل المناسبة إلى احتفاء بشخصه.
وفي العام 1997م، دُعي إلى الهرمل للمشاركة في احتفال تكريميّ للشيخ الراحل موسى شرارة، وطُلب منه أن يكون راعي المناسبة ويلقي كلمة فيها. وبينما كان في الطريق، تلقّى خبراً أمنيّاً يستدعي عودته إلى بيروت، فاضطرّ إلى إلغاء مشاركته. وقد حزن منظّمو الاحتفال، ليس فقط لعدم حضور السيّد، بل لأنّ شخصيّة علميّة كبيرة مثل الشيخ موسى شرارة كانت تستحقّ أن تُكرّم في حضوره.
وفي اليوم التالي، حين التقى أحد منظّمي الاحتفال بسماحته وسأله عن سبب غيابه، لم يتحدّث عن الظروف الأمنيّة ولا عن إلغاء مشاركته، بل قال له شيئاً يكشف عمق تواضعه: «كنت طوال الطريق أحدّث نفسي: (من أنا حتّى أكرّم الشيخ موسى شرارة؟)»!
ربّما تختصر هذه الجملة شيئاً من علاقته بنفسه وبالعلماء؛ فكلّما اتّسعت دائرة الذين يرونه قائداً، بقي يرى نفسه طالباً أمام أهل العلم الذين سبقوه، ولم يعتبر نفسه يوماً أعلى منهم مكانة.
لم تكن قراءات سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) جامدةً أبداً؛ بل كانت تتجدّد مع كلّ تحوّل في حياته. فكلّما اتّسع دوره، اتّسعت أسئلته، وفتح في مكتبته رفّاً جديداً لتاريخ أو فكرة أو خصم أراد أن يفهم منطقه.
كان السيّد، ببساطة، ذلك القارئ الذي كانت ظروف الحياة تطرح عليه سؤالاً جديداً في كلّ مرحلة، وكان يعود في كلّ مرّة إلى الكتاب باحثاً عن جواب، ليبقى القائد الكبير في أعين الناس، والطالب المتواضع في نظر نفسه.