تقرير: مصطفى عواضة
كيف يمكن أن تُروى حياة رجل لم تقل الصور كلّ شيء عنه؟ من هذا السؤال ينطلق فيلم «السيّد الهاشميّ»، الذي أنتجته قناة المنار، وعرضته في قاعة رسالات، في استعادة سيرة الأمين العام السابق لحزب الله سماحة السيّد الشهيد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليه)، متجاوزاً البدء من موقعه السياسيّ والتنظيميّ أو لحظة شهادته، ليغوص في جوهر الإنسان الذي سبق كلّ تلك العناوين، ومن الطريق الطويل الذي صنع شخصيّته قبل أن يعرفه الناس في مواقع المسؤوليّة.
*من جبل عامل تبدأ الحكاية
يعود الفيلم أوّلاً إلى جبل عامل، إلى البيئة التي احتضنت نشأة السيّد هاشم وشكّلت وعيه الأوّل. في هذه الأرض التي امتزج فيها العلم بالدين، والحياة اليوميّة بالتجربة التاريخيّة، تبدأ ملامح الشخصيّة التي ستكبر لاحقاً تحت أعباء متزايدة.
ومن البدايات ينتقل السرد إلى سنوات التكوين، حيث اختار طريق العلم والتبليغ، وكان قريباً من الدور الذي أحبّه وأراد أن يؤدّيه بين الناس. في تلك المرحلة، تأثّر بالإمام السيّد موسى الصدر (أعاده الله ورفيقَيه) وانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران ونهج الإمام الخمينيّ {. وبدأت تتبلور رؤيته للدين والمجتمع والقضيّة، قبل أن تتّسع دائرة حضوره من المجال العلميّ والتبليغيّ إلى ميادين أوسع.
*من التكوين إلى المسؤوليّة
لم يبقَ السيّد هاشم طويلاً في حدود الدور الذي انطلق منه. مع مرور السنوات، اتسّعت مهامه، وانتقل إلى العمل في مجالات دينيّة وفكريّة وتربويّة وإعلاميّة واجتماعيّة وتنظيميّة وإداريّة. كما تكاثرت الملفّات والمؤسّسات التي كان يتابعها، وتحوّل العمل بالنسبة إليه من مسؤوليّة محدّدة إلى شبكة واسعة من الأدوار المتداخلة.
هنا، يبدأ الفيلم في متابعة الرجل داخل تفاصيل عمله، متجاوزاً التركيز على المناصب وحدها، ليعتمد على روايات من عايشوا تلك المرحلة. يستعيد رفاقه وزملاؤه مواقف من سنوات العمل، فيظهر المسؤول الذي يعرف تفاصيل المؤسّسة، ورجل الدين الذي بقي قريباً من الناس، والشخص الذي استطاع أن يجمع بين الحزم في القرار والمرونة في التعامل.
ولا تكون الذكريات كلّها مرتبطة بمحطّات كبيرة. أحياناً، يكشف موقف بسيط جانباً من شخصيّته أكثر ممّا تكشفه المناسبات الرسميّة؛ طريقة إصغائه، أو اهتمامه بشخص أمامه، أو حرصه على متابعة تفصيل قد يبدو صغيراً في سياق مسؤوليّات كبيرة.
*السيّد حسن نصر الله... سنوات مشتركة
في منتصف هذا المسار، تبرز العلاقة بسماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) بوصفها محطّة أساسيّة في حياة السيّد هاشم. فالعلاقة بين الرجلين امتدّت على مدى سنوات طويلة من العمل المشترك، وتداخلت فيها المسؤوليّة الشخصيّة مع تلك العامّة، إذ إنّها لم تكن عابرة أو مرتبطة بمرحلة واحدة.
يستعيد الفيلم هذه السنوات عبر الصور والتسجيلات وشهادات من عرفوا الرجلَين، فتظهر خلف المشاهد الرسميّة علاقة قامت على الثقة والوفاء والمحبّة، وعلى أعباء ومسؤوليّات حملها السيّدان.
ومن خلال هذه العلاقة، يقترب الفيلم أكثر من شخصيّة السيّد هاشم؛ بوصفه رجلاً استمدّ حضوره من الدور الذي أدّاه داخل مسار طويل، ومن طريقة تعامله مع من شاركهم العمل والحياة التنظيميّة، من دون التركيز على موقعه فحسب.
*حين تصبح المسؤوليّة بناءً للمستقبل
مع تقدّم السنوات، ينتقل الفيلم من متابعة أدوار السيّد هاشم إلى قراءة ما تركه في المؤسّسات التي رافقها. فالمسؤوليّة بالنسبة إليه كانت بناء عمل مؤسّسيّ يضمن الديمومة، ويظلّ فاعلاً عبر الزمن، من دون أن يرتبط بشخص محدّد.
من هنا، تظهر السنوات التي أمضاها في متابعة المؤسّسات وتطويرها ورعاية العاملين فيها، وما رافق ذلك من جهد يوميّ بعيد في كثير من الأحيان عن الأضواء. وتصبح المؤسّسة نفسها جزءاً من سيرته، لأنّها تكشف عن طبيعة العمل الذي أراده أن يظلّ فاعلاً بعد غيابه.
وفي شهادات الذين عملوا معه، تبرز صفات أخرى لا تظهر في الهيكل الإداريّ: التواضع، والزهد، والإخلاص، والقرب من الناس، والتعامل مع المسؤوليّة بوصفها خدمة لا امتيازاً.
*البحث عن رجل خلف الأرشيف
إنّ استعادة هذه الرحلة لم تكن سهلة. فحين بدأ فريق العمل بجمع المواد، وجد أنّ كثيراً من مراحل حياة السيّد هاشم موزّع بين صور ووثائق وتسجيلات يحتفظ بها أفراد ومؤسّسات، فيما بقي جزء من الماضي بعيداً عن الأرشيف المنظّم.
لذلك، أصبح البحث عن المادة جزءاً من صناعة الفيلم نفسه؛ صورة قديمة تعيد الفريق إلى مرحلة بعيدة، وتسجيل نادر يفتح باباً على محطّة من حياته، ووثيقة تكمل تاريخاً لم يكن ظاهراً في المصادر المتاحة. ثمّ تأتي شهادة شخص عاش تلك الفترة لتمنح المادة سياقها وتفسّر ما لا تستطيع الصورة وحدها قوله.
وبهذا، تتقاطع الذاكرة الشخصيّة مع التاريخ الموثّق. فيتجاوز الأرشيف كونه مجرّد مادة للعرض، ليصبح وسيلة للانتقال بين مراحل السيرة، آخذاً بنا من مرحلة إلى أخرى، ومن وجه ظهر في صورة إلى حياة كاملة كانت تنبض خلفها.
*الإنسان في التفاصيل
مع تراكم هذه المواد، يتراجع حضور العنوان الرسميّ لمصلحة الإنسان. فالشهادات تتخطّى صورة المسؤول الذي حمل الملفات، لتبرز رجلاً كان حاضراً في تفاصيل الحياة اليوميّة لمن حوله.
تظهر شخصيّته من خلال مواقف عاشها المقرّبون منه، ومن خلال طريقة تعامله مع الناس، وحرصه على العلاقات الإنسانيّة إلى جانب صرامة العمل. وهنا، تتّضح إحدى الأفكار الأساسيّة في الفيلم: أنّ معرفة السيّد هاشم تمتدّ إلى ما هو أبعد من المواقع التي شغلها، لتكتمل بالتفاصيل التي عاشها مع من رافقوه.
*السنوات الأخيرة... الطريق إلى الشهادة
يصل الفيلم بعد ذلك إلى السنوات الأخيرة من حياته، بعدما تراكمت التجربة واتّسعت المسؤوليّات. يبقى السيّد هاشم في موقعه، متابعاً الملفّات والمؤسّسات التي ارتبط بها، إلى أن تنتهي الرحلة بالشهادة.
لكنّ الفيلم لا يعامل هذه اللحظة بوصفها خاتمة منفصلة، فحين يصل إليها، يعيد النظر في المراحل التي سبقتها؛ النشأة، والعلم، والتبليغ، والعمل، والعلاقات، والمؤسّسات. فجميعها تصبح أجزاء من حياة واحدة تنتهي هنا بعد عقود من الحركة والمسؤوليّة.
*ما يبقى بعد الغياب
بعد الشهادة، يتغيّر اتّجاه السرد، متجاوزاً التساؤل الأساسيّ عن كيفيّة عيش السيّد هاشم، وينصبّ على ما خلّفته تلك الحياة من إرث باقٍ؛ مؤسّسات تستمرّ، وأشخاص يحملون تجاربهم، وصور ووثائق وشهادات أصبحت وسيلة لحفظ مراحل لم يعد صاحبها قادراً على روايتها بنفسه.
من هنا، يكتمل المسار الذي اختاره «السيّد الهاشميّ»: يبدأ من جبل عامل، ويتقدّم مع سنوات التكوين والعلم والتبليغ، ثمّ يتابع اتّساع المسؤوليّات والعلاقة بالسيّد حسن نصر الله والعمل المؤسّساتيّ، قبل أن يصل إلى السنوات الأخيرة والشهادة، ثمّ يعود إلى ما تركه وراءه.
في هذا التسلسل، يقدّم الفيلم السيّد هاشم كمسيرة متّصلة تتغيّر ملامحها مع الزمن، فلا يحصره في شخصيّة تختصرها المناصب فحسب؛ طفل من جبل عامل، وشابّ في طريق العلم والتبليغ، ومسؤول تتّسع أمامه المهام، ورفيق درب في سنوات طويلة من العمل، ثمّ رجل يترك وراءه مؤسّسات وذكريات ووثائق تحفظ أجزاء من حياته.
وهكذا، يفتح «السيّد الهاشميّ» الإطار على حياة لم تنتهِ عند الصورة الأخيرة؛ حياة بدأت من الجذور، ومرّت بمحطّات متعاقبة من التكوين والعمل والمسؤوليّة، وانتهت بالشهادة، فيما بقيت تفاصيلها موزّعة بين من عرفوه وما تركه خلفه.