تحقيق: ملاك اسكندر
«التعبويّ يعني عليّاً عليه السلام»(1)؛ أي الذي وقف بوجوده كلّه في سبيل الإسلام، ووضع كلّ ما يملك من القدرات والطاقات والإمكانات في خدمته. والتعبويّون هم الذين قدّموا كلّ ما لديهم في خدمة مجتمعهم، حبّاً وصبراً وإخلاصاً.
من هذه الشجرة الطيّبة، نقتطف سيراً لشهداء تعبويّين جسّدوا معاني البذل والتضحية.
*مُجهّز الشهداء
عاش كريم المقهور (سراج) بقلب يفيض طهراً، وكان يحبّ لغيره ما يحبّه لنفسه، ولا يرى في البذل فضلاً يستحقّ الثناء.
كانت روحه وثيقة الصلة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكان يعيش انتظاره عشقاً وسلوكاً، يترجمهما في تفاصيل أيّامه. هذا التعلّق بنور الحجّة، صبغ روحه بالطمأنينة والإصرار على السير في خطّ الحقّ والمقاومة، فكان يجاهد وعينه على عين غائبه المنتظر.
كان للشهيد سراج مراسمه الخاصّة مع قوافل الرحيل؛ إذ كان يجهّز كلّ شهيد يسبقه، من كلّ قلبه، وبكلّ حبّ وعناية. وعلى كفن كلّ شهيد، كان يكتب اسمه بخطّ يده، ظنّاً منه ورجاءً أن تكون هذه الكتابة تذكرة عبور، وأن يشفع له الراحلون عند الله ليكون هو الشهيد التالي. وفعلاً، نال ما تمنّاه بلهفة العاشق.
*صاحب القلب القويّ
للشهيد كريم صديقٌ في الدنيا وشريكٌ في الجنان، هو الشهيد محمّد الحسينيّ (كرّار) الذي استُشهد معه يوم الأربعاء الأسود، عندما استهدف العدوّ الصهيونيّ الهيئة الصحيّة في مدينة الهرمل، حيث كانا يعملان معاً.
كان كرّار شابّاً حيويّاً ومبادراً؛ فمنذ صباه، اعتاد مساعدة والدته في عملها، والمواظبة على الدورات الثقافيّة، إلى جانب حفظ القرآن الكريم. تطوّع في الهيئة الصحيّة في سنّ مبكرة جدّاً، وحافظ على مشاركته في دوام منتظم كأيّ متفرّغ. كان يهرع إلى المساعدة من تلقاء نفسه، من دون انتظار الأوامر، ولا يقبل أن يحلّ أحد مكانه؛ فقد كان حريصاً على أن يكون في المقدّمة. برز عمله خلال حرب 2024م، حيث كان الشباب في الهيئة الصحيّة يتسابقون لتلبية أيّ نداء. كان يبقى على جهوزيّة وترقّب، ويرفع جثامين الشهداء ويجلي الجرحى، إضافةً إلى تطوّعه في فوج الإطفاء، إذ شارك في إطفاء عدد من الحرائق.
أينما حلّ كرّار، برز بوصفه أصغر شابّ مندفع، وصاحب القلب القويّ الذي لا يخشى الموت. أحبّ عمله حتّى جعل منه طريقاً للبذل والعطاء، وارتقى شهيداً وهو يؤدّي واجبه.
*لن أقضي إلّا شهيداً
للشهيد عبد الله الحسينيّ (نور) قصّة مختلفة. تعرّض لحادث سير أدخله في غيبوبة طويلة، ولم يستفق منها إلّا بعد انتهاء الحرب الأولى. وحين استعاد وعيه، قال: «لن أموت بحادث عابر، فقد بُشِّرتُ بأنّني لن أموت إلّا شهيداً». لم يكن نور على علم بما جرى خلال الحرب. وحين عرف بشهادة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وبالأحداث التي تلتها، شعر بحسرة عميقة، وظلّ يردّد: «يا ليتني كنت معهم». عندها، عزم على الالتحاق بالمسيرة، وقدّم طلبه، وحين جاءته الموافقة، أخبر عائلته وودّعها، ثمّ مضى في طريقه، ليعود شهيداً.
*تعبويّ وطالب ثمّ شهيد
تُجسّد هذه السِّيَر جانباً من معاني التعبئة القائمة على البذل والخدمة والتضحية. غير أنّ للتعبئة الجامعيّة عالماً آخر، تتعدّد فيه الحكايات، وتتنوّع فيه وجوه العطاء.
فحين نقول «تعبئة»، نعني بذلك مجموعة من الأفراد الحاضرين في ساحة الجهاد، والمستعدّين للعمل والعطاء، وصولاً إلى التضحية بأنفسهم. وهذا كلّه ليس بشكل رسميّ وظيفيّ، بل تطوّعاً ورغبةً واقتناعاً.
وكذلك، فإنّ عبارة «الطالب الجامعيّ»، تحمل معنىً جذّاباً ومهمّاً جدّاً؛ فهو ذاك الشابّ الطالب للعلم، المتطلّع إلى بناء مستقبل واعد.
وتتجلّى أهميّة الجمع بين المفهومين «التعبويّ والطالب» في أنّ التعبئة عمل تطوّعيّ مخلص يقوم به مجموعة من الشباب في سبيل تحقيق الأهداف الكبرى وصناعة المستقبل من خلال علمهم وعملهم الفعّال. إضافةً إلى تيسير أمور بعضهم بعضاً. وكان لهؤلاء الشبّان التعبويّين طريقهم إلى الله. من هؤلاء الشهداء:
1. صاحب الابتسامة: كان التعبويّ الشهيد مصطفى الحاجّ (خميني)، صاحب ابتسامة دائمة. كلّما سألت عنه، تأتيك الإجابة نفسها: «خدوم جدّاً، يساعد جميع الطلّاب على اختلاف حاجاتهم، ومتواضع للغاية، لا يكلّ من تلبية الجميع».
2. الطيبة صفة ملازمة: كانت الطيبة سمة ملازمة للشهيد أحمد حنجول (حيدر)، وكان دائم التفقّد لزملائه. شابّ شجاع، فَقَد أخاه شهيداً، ولم يتراجع أمام واجب التضحية. وعلى الرغم من إصابته في الحرب الأولى على لبنان، عاد ليشارك في حرب العام 2026م، مقدّماً روحه في سبيل ما آمن به.
3. السؤال عن الزملاء: أمّا الشهيد فضل سحمراني (كُميل)، صاحب روح تعبويّة حاضرة، لا يكفّ عن السؤال عن أحوال زملائه ومستواهم العلميّ. وكان أباً مسؤولاً وسنداً لعائلته وأخواته، إلى جانب عمله مع والده في محلّه.
عُرف كُميل بقدرته على شحذ الهمم؛ فعندما استُشهد سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، نادى أصدقاءه قائلاً: «شهادة السيّد تقوّينا، لا تضعفنا». وكان صاحب بصيرة وإيمان راسخ، قدّم نفسه وروحه قرباناً لوطنه.
4. المعين في الدرس: ثمّة شاب كان يتأثّر بشدّة بالمصاب الحسينيّ وبمصاب السيدة الزهراء عليها السلام، وهو الشهيد هيثم نايف (حيدر)، إذ تحمرّ عيناه كلّما ذكر مصابها. هيثم المتميّز، حسن المعشر الذي كان زملاؤه في الجامعة يستعينون به على الدوام للدرس في أيّ مادة، والشجاع كإمامه عليّ عليه السلام، طلب بنفسه أن يكون في الخطوط الأماميّة ليبذل مهجته في سبيل سيّدته فاطمة عليها السلام.
5. متعدّد النشاطات: للشهيد علي عاشور (السيّد ميثم) قصّة أخرى، وهو مندوب كلّيّة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة، إذ لا توفيه الكلمات حقّه. كان ملمّاً بعلمه، وكريماً، وميسور الحال، فلم ينقصه شيء في هذه الحياة، وعلى الرغم من ذلك، لم تلوّثه بملذّاتها، ولم يسعَ وراءها. تميّز السيّد ميثم بكثرة إنجازاته اليوميّة، تراه في العلم والرياضة والعمل يساعد زملاءه. وكان شابّاً رياضيّاً يرى في تدرّبه المستمرّ حاجة لخدمة هذا المجتمع، وواجباً لشكر نِعم الخالق.
كان أيضاً صاحب شِعر جميل، وحسّ مرهف، وصدقة جارية، وقد سعى جاهداً لإنشاء مصلّى في حرم الكلّيّة، فشكّل في البداية فريقاً لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، إلى أن وصل هذا العدد بعد ثلاث سنوات إلى ما يفوق الأربعين شابّاً، ممّن اجتمعوا باكراً بدعوة منه في ذاك المصلّى صباح كلّ يوم جمعة لقراءة دعاء الندبة. ومن قصص الشهيد أيضاً، أنّه عندما علم بأنّ أحد أصدقائه يريد أن يشتري درّاجة لكنّه غير قادر على تسديد ثمنها، طلب من صاحبها أن يقدّمها له، على أن يقوم هو بتسديد الثمن على دفعات شهريّة. وبقي كذلك إلى أن استشهد؛ حيث وُجد مغلّف فيه مبلغ من المال، كُتب عليه اسم صاحب المبلغ، لتكون هذه الدفعة الأخيرة من ثمن الدرّاجة!
هؤلاء هم التعبويّون، وهكذا تُروى حكاياتهم؛ فهم شباب لم ينتظروا أن يكبروا ليصنعوا أثراً، بل جعلوا من أعمارهم القصيرة مساحات واسعة للعطاء، ومن علمهم وخدمتهم وتضحياتهم، جسوراً نحو الله. اختلفت حكاياتهم، لكنّ أرواحهم التقت عند معنى واحد: أن يكون الإنسان في خدمة دينه، ومجتمعه، ووطنه، وأن يبذل ما استطاع، بكلّ حبّ وإخلاص.
(1) عبارة أطلقها الإمام الشهيد السيّد علي الخامنئي قدس سره، بتاريخ: 24/11/1999م.