أبو علي الطبطبائي: 40 عاماً في الظلّ (1) قراءة في كتاب | المتاهة اللبنانيّة: أطماع متجذّرة في الأرض والمياه (1) العودة إلى الحياة: برعشيت تتحدّى العدوان (1) الربا: طريق نحو الانتحار(1) التعبويّون الشهداء: شجرة طيّبة وعطاء بلا حدود شهيدٌ مثل أبي... فـاطمة عليها السلام: النموذج الإلهيّ للخلق (1) السيّد الهاشميّ: الأثر الذي يتجاوز الغياب العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال (2) أجيال السيّد على العهد

الربا: طريق نحو الانتحار(1)

تحقيق: نقاء شيت
 

تخيّل أن تخسر منزلاً عمّرته بجهد العمر، أو أن تفقد عائلتك وأمانك وتُحرم من العيش مع أبنائك، والسبب: قرض ربويّ استقرضته عند الحاجة من دون أن تدرك عواقبه! نعم، هذه حال من يستسهل طريقاً ملغماً حرّمته الشريعة وحذّر منه القرآن الكريم تحذيرات شديدة اللّهجة، وصرّح بأنّ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: 275).

فمن منّا لا يعيش ضائقة ماليّة صعبة، ويفتش عن حلول جذريّة ليرتاح من أعباء الحياة؟ ولكن، هل كان الدَّين الربويّ يوماً هو الحلّ؟

في هذا التحقيق، سنعرض حالة واقعيّة لشابّ خسر مقوّمات الحياة كلّها لسبب واحد هو الربا، وما تبعه من تخبّط في القلق والتوتّر والكذب والتبرير، وصولاً إلى مشكلات اجتماعيّة وعائليّة.

*كوابيس الربا
حسين، شابّ في الثامنة والعشرين، يعمل في النجارة بشكل مستقلّ، يعيش مع زوجته وابنه في منزل متواضع حياة راضية قانعة. ذات يوم، كُلّف بورشة جديدة، لكنّ البضاعة تعرّضت للتلف، فتأخّر عن موعد التسليم. وبحسب العقد المبرم، يتحمّل هو تبعات التأخير. ولأنّ حسين لم يحتفظ برأس مال ثابت، لجأ إلى استدانة 600$ لمدّة شهر واحد، متجاهلاً شرط الدائن بفرض غرامة تأخير عن التسديد بنسبة محدّدة. ولكي يتمكّن من إنهاء العمل بسرعة أكبر وتسليمه، كان لا بدّ من استئجار عمّال يعاونونه بسبب ارتباطه بمواعيد أخرى. ولتغطية تكاليفهم، استدان مبلغاً آخر من جهة أخرى بفائدة وغرامة تأخير. لكنّه لم يتوقّع أن تسوء الأحوال ويتغيّر وضع البلد، ما أربك تقديراته الزمنيّة لإنجاز الأعمال وسداد الديون، ليتضاعف المبلغ الذي ينبغي سداده مع كلّ شهر تأخير. بقي على هذه الحال حتّى جاء اليوم الذي كان فيه خارج المنزل يبحث عن مصدر ثالث يستدين منه، وإذ بالمقرضين يداهمون منزله، لتتفاجأ زوجته بهم وهم يصادرون أثاث منزلهم مقابل جزء من الدين، مهدّدين بخطف الطفل مقابل باقي المبلغ، بمهلة أقصاها أسبوع!

هنا، بدأت كوابيس حسين الحقيقيّة؛ أوّلها طلب الزوجة الطلاق، وهي التي ما لبثت أن انتهت من سداد دَين قديم عنه، وقد سئمت من العيش في خوف دائم من الديون المتراكمة، وقرّرت حماية ابنها من عواقب استسهال الاستدانة مع الفائدة.

أمّا كابوسه الثاني فتمثّل بهروبه إلى بلدة أخرى بعيداً عن أنظار المقرضين. وقد تفاقمت أزمة البلد، ولم يتمكّن من سداد دولار واحد من دين تجاوز الخمسة عشر ألف دولار.

وكابوسه الثالث أنّه صار يخشى لقاء ابنه، خوفاً من أن يستخدمه المقرضون طعماً ليعرفوا مكانه. فصار مشرّداً لا مأوى له، ولا بيت، ولا عائلة، يلاحقه شبح الدَّين وتهمة الكذب وانعدام الثقة أينما ذهب.

هذه حالة من آلاف الحالات التي يواجهها الأشخاص الذين يستسهلون الدين بالفائدة، وهو الربا الصريح. لذلك، حرّمه ديننا الحنيف لمخاطره الدنيويّة التي توصل المتعامل به إلى الهاوية والإفلاس، وربّما تدفعه إلى الانتحار هرباً من الدين. ولمعرفة التداعيات النفسيّة والاجتماعيّة التي يسبّبها الربا لمن يظنّون أنّه «مرّة وبتمرق»، توجّهنا إلى الدكتور فضل شحيمي(1) ليكشف لنا حجم المعاناة النفسيّة الكامنة وراء ذلك.

*أوّل الضغوطات: الغرق في الديون
يرى الدكتور فضل أنّ مشاكل الإنسان المتعامل بالربا تبدأ بسبب انزلاقات سلوكيّة ونفسيّة، تنطلق من التبرير باستعمال الدَّين أو الربا لفترة قصيرة على أن يتخلّص منه لاحقاً، ولكنّه لا يلبث أنّ يعتاد الأمر مع الوقت، ليجد نفسه غارقاً في ديون تفوق قدرته على السداد؛ فيزداد قلقه وتوتّره، ما يؤدّي إلى اضطراب نومه وانشغاله الدائم بحساباته الماليّة لمحاولة سداد فواتيره المتراكمة.

*ضغط التبرير والكذب
إضافة إلى ذلك، يذكر د. شحيمي: «المقترض بالربا تزداد سرعة انفعاله وإحساسه بالعجز، ويدخل في حلقة مفرغة من الهروب من واقعه، فيبدأ باختراع مبرّرات وهميّة وأعذار». ففي قصّة حسين مثلاً، بدأ بتأليف قصص وأعذار كلّما طالبه أصحاب المال بأموالهم، حتّى أنّه لا يتردّد في جعل أفراد عائلته أبطالاً لهذه الأكاذيب؛ فيدّعي مرّة أنّ ابنه مريض وبحاجة إلى الدواء ودخول المستشفى، وأخرى أنّ زوجته تعاني من أزمة صحيّة، وأحياناً يخترع قصّة وفاة وهميّة لأحد أقاربه وهو متيقّن أنّ الدائنين لن يبحثوا في سجلّ عائلته للتأكّد. وهكذا يعتاد الكذب للتهرب من السداد وإطالة الأمد. كما أكّد د. شحيمي أنّ محاولات حسين كلّها وغيره في سداد الديون عبر ديون جديدة، أو بيع ممتلكات، أو اعتماد سياسة الرهن، هي في الواقع إجراءات تغرقهم في الديون أكثر فأكثر.

*الشعور بالعجز
كيف تتفاقم تبعات الربا؟ يلخّص الدكتور شحيمي المشهد قائلاً: «الربا يبدأ من الحاجة، ثمّ الاقتراض الربويّ، ما يمنح راحة مؤقّتة يتبعها نظام سداد فائدة تتضخّم باستمرار، فينتج عن ذلك الشعور بالأرق، والقلق النفسيّ، والاضطراب الهلعيّ. هذا الواقع يدفع المقترض إلى اتّخاذ قرارات ماليّة اندفاعيّة خاطئة في معظم الأحيان، ليعود ويقترض من جديد، فيزداد الدَّين الذي يوصله في نهاية المطاف إلى الشعور بالعجز».

*عقدة «الذنب والعار» والعزلة

يضيف د. شحيمي: «قد يلجأ المقترض بالربا إلى سوء استخدام الأدوية أو الإدمان، وغالباً ما يصل إلى مرحلة اليأس من الحياة، في ظلّ خشية من أن تراوده أفكار انتحاريّة. كما أنّه يعيش في ما يسمّى بعقدة الذنب والعار، فلا يعود يثق بنفسه أو قراراته أو تصرّفاته. لذا، ينعزل عن لقاء الناس ويمتنع عن التواصل معهم هاتفيّاً خوفاً من أن يطالبه أحد بأمواله». وهذا ما حصل مع حسين عندما ازدادت ديونه، إذ كان يطفئ هاتفه كلّما دخل إلى المنزل كي لا تكتشف زوجته الأمر. كما أنّه في الفترة الأخيرة قطع علاقته بأصدقائه المقرّبين خوفاً من أن يزوروه على غفلة، وأن يزلّ لسان أحدهم عن الموضوع أمام زوجته.

*اجتماعيّاً: خسارة كبيرة
لا تقتصر العواقب على الجانب النفسيّ، وإنّما قد تدفع بالمقترض إلى خسارة ملكيّة منزل أو عقار أو مؤسّسة، وقد يصل به الأمر إلى الإفلاس؛ ذلك أنّ المرابين يعمدون إلى إثبات أموالهم وفوائدها بإيصالات ملزمة قانوناً للسداد. هنا، تبدأ المشاكل العائليّة أيضاً، إذ تتفكّك الأسرة، وصولاً إلى الطلاق. والأخطر من ذلك كلّه، عندما يصبح الأبناء أو أحد أفراد العائلة في دائرة الخطر والتهديد، بسبب استعانة بعض المرابين برجال خارجين على القانون لخطفهم بهدف الضغط على المقترض!

*في طريق الحلّ
من المعلوم أنّ الربا محرّم شرعاً، ولكنّ الفرد قد يقع في شباكه لسبب أو لآخر. هنا، يؤكّد د. شحيمي على ضرورة فصل المشكلة الماليّة عن تلك النفسيّة، وذلك عبر خطوتين واضحتين:

1. المسار الماليّ: يجب إيقاف الاستنزاف الماليّ للفوائد، وإبلاغ المقرضين بعدم إمكانيّة سداد الديون كلّها دفعة واحدة. ومن ثمّ يبدأ المقترض بترتيب ديونه حسب حجمها وأولويّتها، لسدادها على دفعات تتناسب مع قدرته وحاجته.

2. المسار النفسيّ: يتطلّب تجاوز مشاعر الذلّ والعار، والحالة النفسيّة المترديّة، تقييماً دقيقاً لأفكار المقترض وتحليلها، إضافة إلى ضرورة اللجوء إلى شخص مختصّ يرشده في تصرّفاته، وربّما يرافقه لحمايته من قرارات نفسه، لا سيّما الأفكار الانتحاريّة إن وجدت. وفي بعض الأحيان، قد يتطلّب الأمر بقاءه في المستشفى لتلقّي العلاج بطريقة سليمة تحت مراقبة طبّيّة كاملة لضمان تجاوزه هذه المحنة.

تعرّفنا في هذا المقال إلى أنّ الربا ليس مجرّد عبء ماديّ عابر، بل مشكلة حقيقيّة تحمل أعباءً نفسيّة وماديّة واجتماعيّة خطيرة يجب الحذر من الوقوع فيها. انتظرونا في التحقيق القادم لنوضح الموقف الإسلاميّ من هذه المسألة.

(١) طبيب نفسيّ مختصّ بعلاج الإدمان، ورئيس قسم الصحّة النفسيّة في مستشفى بشامون التخصصيّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع