أبو علي الطبطبائي: 40 عاماً في الظلّ (1) قراءة في كتاب | المتاهة اللبنانيّة: أطماع متجذّرة في الأرض والمياه (1) العودة إلى الحياة: برعشيت تتحدّى العدوان (1) الربا: طريق نحو الانتحار(1) التعبويّون الشهداء: شجرة طيّبة وعطاء بلا حدود شهيدٌ مثل أبي... فـاطمة عليها السلام: النموذج الإلهيّ للخلق (1) السيّد الهاشميّ: الأثر الذي يتجاوز الغياب العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال (2) أجيال السيّد على العهد

قراءة في كتاب | المتاهة اللبنانيّة: أطماع متجذّرة في الأرض والمياه (1)

بثينة علّيق


يعدّ كتاب «المتاهة اللبنانيّة» (ترجمة محمّد بدير) مرجعاً تاريخيّاً وأمنيّاً بالغ الأهميّة، إذ يستند إلى وثائق أرشيفيّة إسرائيليّة رسميّة ومقابلات مع صنّاع القرار، ما يمنحه مصداقيّة استثنائيّة تعزّزها خلفيّة مؤلّفه رؤوفين أرليخ، وهو ضابط استخبارات إسرائيليّ سابق أمضى ثلاثين عاماً متخصّصاً في الشؤون اللبنانيّة. يغطّي الكتاب فترة 1918م - 1958م، ويكشف عن محورين جوهريّين يتكرّران عبر العقود: الأوّل، ثبات ووضوح الأطماع الإسرائيليّة التي تستهدف الأراضي اللبنانيّة ومياهها ونظامها السياسيّ. والثاني، الأنماط المتكرّرة لشبكة العلاقات والتعاون التي نسجتها الحركة الصهيونيّة والعدوّ الإسرائيليّ مع بعض الأطراف السياسيّة اللبنانيّة لخدمة مصالحها.

تكتسب هذه المعطيات أهميّة خاصّة اليوم؛ بحيث يعمل الكتاب كجرس إنذار يفنّد أيّ أوهام أو تصريحات سياسيّة داخليّة تروّج لخيارات «السلام» بناءً على افتراض خاطئ بانتفاء الأطماع الإسرائيليّة. فالوثائق تثبت أنّ المشاريع الإسرائيليّة لم تتخلَّ عن أهدافها، بل جُمّدت أو تعثّرت مؤقّتاً فقط، ما يجعل هذا الكتاب مدخلاً أساسيّاً لفهم الحاضر اللبنانيّ من خلال حقائق الماضي، ويستحقّ أن يكون مرجعاً تاريخيّاً يُدرَّس للأجيال الشابّة لتحصين الوعي الوطنيّ.

*ما يُظهره الكتاب
تُظهر الوقائع التي يعرضها الكتاب عدداً من الاستنتاجات المهمّة، أبرزها:

1. أنّ المصالح الإسرائيليّة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والاستيطانيّة، المستندة على أطماع في الأرض اللبنانيّة ومياهها، شكّلت المحرّك الأساسيّ للعلاقات التي سعت الحركة الصهيونيّة ثمّ الكيان الإسرائيليّ إلى إقامتها مع أطراف لبنانيّة.

2. أنّ الجهات اللبنانيّة المتعاونة، من أحزاب وشخصيّات وزعامات محلّيّة، قد جرى التعامل معها وفقاً للمقاربة الإسرائيليّة بوصفها قنوات وأدوات يمكن الاستفادة منها لتحقيق تلك المصالح.

3. أنّ المشاريع الإسرائيليّة وحسابات الأرض والمياه والأمن والنفوذ السياسيّ في لبنان سبقت ظهور المقاومة المسلّحة، سواء الفلسطينيّة أو اللبنانيّة؛ وهذا ما يدحض فكرة أنّ السياسة الإسرائيليّة تجاه لبنان هي مجرّد ردّ فعل على وجود المقاومة.

4. أنّ التباينات بين «صقور» إسرائيل و«حمائمها»، كما تكشفها النقاشات بين ديفيد بن غوريون (موسّس الكيان الصهيونيّ)، صاحب النهج الأمنيّ والعسكريّ المتشدّد، وموشيه شاريت (من مؤسّسي الكيان)، الأكثر ميلاً إلى الدبلوماسيّة والحذر من المغامرات العسكريّة، لم تكن تعني اختلافاً جذريّاً في المصالح الإسرائيليّة تجاه لبنان بقدر ما عكست اختلافاً في تقدير الوسائل والظروف والكلفة المترتّبة على تحقيقها.

فكيف تجلّت هذه الأطماع في الوثائق الإسرائيليّة؟ وما الوسائل التي اعتُمدت لتحقيقها، وأيّ دور أُنيط بالأطراف اللبنانيّة في خدمتها؟

*أطماع الامتداد
تكشف الوثائق التي يعرضها رؤوفين أرليخ أنّ ثمّة حالة من الإجماع داخل الكيان على فكرة محدّدة، وهي أنّ حدوده تصل إلى نهر الليطانيّ، إضافة إلى فكرة أخرى طرحها بن غوريون في مذكّراته، وهي إقامة دولة مسيحيّة حليفة للكيان الإسرائيليّ.

تبدأ الحكاية مع الخريطة التي قدّمتها المنظّمة الصهيونيّة إلى مؤتمر الصلح في باريس العام 1919م، والتي امتدّت فيها حدود «الوطن القوميّ اليهوديّ» المقترح شمالاً لتشمل مجرى الليطانيّ الأدنى وسفوح جبل الشيخ. وفي العام نفسه، كتب رئيس الكيان حاييم وايزمن إلى رئيس الوزراء البريطانيّ ديفيد لويد جورج أنّ الليطانيّ بلا قيمة تُذكر للبنان، لكنّه شرطٌ لحياة «الوطن القوميّ اليهوديّ”.

صحيح أنّ ترسيم الحدود في العام 1923م لم يمنح الحركة الصهيونيّة ما سعت إليه، لكنّ ذلك لم يُنهِ التطلّعات إلى تعديل الحدود. فقد بقيت فكرة السيطرة على أراضٍ وموارد مائيّة لبنانيّة حاضرة في تصوّرات عدد من القادة الصهاينة، ووُضعت الخريطة في الدرج بانتظار ظروف سياسيّة وعسكريّة تتيح إعادة طرحها.

وقد شكّلت حرب العام 1948م الفرصة المناسبة لإعادة هذه المشاريع إلى الواجهة؛ ففي عمليّة «حيرام» في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1948م، احتلّت القوّات الصهيونيّة نحو خمس عشرة قرية لبنانيّة، وارتكبت في بلدة حولا واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها تلك المرحلة. ولم تنسحب من الأراضي التي احتلّتها إلّا في سياق تنفيذ اتّفاقيّة الهدنة الموقّعة في 23 آذار/ مارس 1949م.

وتُظهر الوثائق التي يعرضها أرليخ أنّ الانسحاب كان تكتيكاً سياسيّاً؛ فلبنان لم يكن في ذلك الوقت على رأس أولويّات القيادة الصهيونيّة التي فضّلت تركيز جهودها على جبهات أخرى، ولا سيّما مصر والأردن.

*كيان حليف للعدوّ الإسرائيليّ
أمّا مشروع إقامة كيان مسيحيّ حليف للكيان الإسرائيليّ، فقد عاد إلى الواجهة في منتصف الخمسينيّات، وأثار نقاشاً حادّاً بين بن غوريون وشاريت. فقد طرح الأوّل أكثر من مرّة فكرة تقوم على إنشاء دولة مارونيّة ضمن حدود مقلّصة، وضمّ الجنوب حتّى الليطانيّ إلى «إسرائيل»، وتحويل لبنان إلى رافعة لتغيير وجه الشرق الأوسط كلّه.

وفي رسالة وجّهها إلى شاريت في شباط/ فبراير 1954م، قدّم بن غوريون حججاً تاريخيّة وسياسيّة لتبرير إقامة دولة مسيحيّة في لبنان، قائلاً: إنّ المشروع يمكن أن يجد أنصاراً في الأوساط المسيحيّة». لكنّ شاريت ردّ عليه بعد أسابيع مشكّكاً في واقعيّة الفكرة، ومبرّراً أنّ دعاة الانفصال المسيحيّ لا يمتلكون القوّة أو الجرأة اللازمتين لتنفيذها.

ثمّ جاء رئيس الأركان الإسرائيليّ موشيه دايان ليطرح تصوّراً أكثر مباشرة، كما دوّنه شاريت في يوميّاته في أيّار/ مايو 1954م: العثور على ضابط لبنانيّ ولو برتبة رائد يمكن استمالته أو شراؤه بالمال ليعلن نفسه منقذاً للموارنة؛ عندها، يدخل الجيش الإسرائيليّ ويحتلّ ما يلزم، ويقيم نظاماً مسيحيّاً حليفاً، ويُضمّ الجنوب حتّى الليطانيّ.

وحين تفجّرت الأزمة اللبنانيّة في عامَي 1957م–1958م على خلفيّة الانقسام الداخليّ بشأن سياسة الرئيس كميل شمعون المؤيّدة للغرب، ولا سيّما انحيازه إلى واشنطن في مواجهة تصاعد المدّ القوميّ العربيّ، عادت احتمالات التدخّل الإسرائيليّ إلى التداول. غير أنّ الكتاب يبيّن أنّ القيادة الإسرائيليّة اختارت في النهاية مقاربة حذرة، اقتصرت على تقديم مساعدة محدودة لنظام شمعون، مع الامتناع عن التدخّل العسكريّ المباشر وتفضيل القنوات الأميركيّة.

ويربط أرليخ هذا الموقف بحسابات استراتيجيّة متعدّدة، بينها تداعيات حرب السويس في العام 1956م، وانشغال «إسرائيل» بتعزيز علاقاتها الإقليميّة، ولا سيّما ما عُرف بـ«حلف الأطراف» مع تركيا وإيران وإثيوبيا، فضلاً عن المخاطر التي كان يمكن أن يرتّبها التدخّل المباشر في لبنان.

إلى جانب المشاريع المتعلّقة بالأرض والمياه والحدود، يكشف الكتاب صفحات من تاريخ العلاقات التي نسجتها الحركة الصهيونيّة ثمّ الكيان الإسرائيليّ مع شخصيّات سياسيّة ودينيّة وأحزاب وزعامات محلّيّة لبنانيّة خدمةً لأهدافه. أمّا تفصيل ذلك ففي العدد المقبل بإذن الله.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع