تقرير: زينب حيدر
على مقربةٍ من العدوّ، وفي بلدة يظنّ المحتلّ أنّه أخضعها بخطّ أصفر واهن، أصرّ أهل برعشيت على أن يعيدوا الحياة إلى قريتهم. فبعد جولة الحرب في العام الجاري (2026م)، وبمبادرة من بلديّة برعشيت وبالتعاون مع مؤسّسة جهاد البناء، انطلق «مهرجان برعشيت الزراعيّ – التراثيّ – الحرفيّ» في حديقة البلدة لمدّة ثلاثة أيّام، ليُثبت أنّ الحياة أقوى من كلّ الدمار، وأنّ بيئة المقاومة ستظلّ متضافرة ومتماسكة مهما بلغت الصعوبات.
*هدف المهرجان وبرنامجه
يتحدّث رئيس بلديّة برعشيت عبّاس فرحات عن فكرة المهرجان مبتدئاً بخطط البلديّة لتطوير الزراعة وأهدافها: «من بين هذه الأهداف إيجاد مساحة للمزارعين لعرض منتجاتهم الدائمة، سواء أكانت محاصيل طازجة تُباع من الأرض مباشرة، أم منتجات مصنّعة ومجهّزة مثل المواد الغذائيّة والمؤونة وغيرها. وإلى جانب المنتجات الزراعيّة، يستهدف المهرجان أصحاب الحرف والمشاريع الصغيرة من أجل تقديم أفضل سُبل الدعم والمساعدة". ويضيف: "لقد نظّمنا أيضاً فقرات وفعاليّات متنوّعة تهدف إلى جذب الزوّار والمنتجين على حدّ سواء، والأهمّ من ذلك أنّ مشاركة البائعين كانت مجّانيّة تماماً ومن دون أيّ رسوم".
بدأ المهرجان بافتتاحيّة رسميّة وفقرات متنوّعة، مع تخصيص زاوية مرح دائمة للأطفال؛ وكان لعائلة "كراكيب"(1) دور في إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال. أمّا ما لفت الأنظار، فهو حجم المشاركة، إذ غصّت الحديقة بأكثر من ألفي زائرٍ في اليوم الأوّل، إضافة إلى المشاركين الذين وصل عددهم إلى 51 مشاركاً خلال الأيّام الثلاثة. أمّا في اليوم الثاني، فقد وصل عدد الزائرين إلى ما يقرب الـ4 آلاف في بقعةٍ صغيرة يحيط بها خطر العدوّ الصهيونيّ. وبالمجمل، وصل عدد الزائرين خلال الأيّام الثلاثة، بحسب فرحات، إلى «ما يقارب 15 ألف زائر للمهرجان، وهو ما تجاوز التوقّعات، لدرجة أنّ الحديقة عجّت بالأهالي من مختلف القرى، وامتلأت الخيم كلّها، حتّى اضطرّ بعضهم ليقضي وقته جالساً على العشب؛ فبدا المكان وكأنّه مُلتقى لهؤلاء الناس المغمورين بالبهجة".
*شهادات صمود ورسالة تحدٍّ
على الرغم من أنّ التحدّي الذي واجهه بعض المنظّمين والراغبين بالمشاركة، والمتمثّل بالوضع الأمنيّ وما تتعرّض له برعشيت من عدوان صهيونيّ متواصل، إلّا أنّ المهرجان نُظّم على الرغم من التهديدات والخطر؛ فالهدف لم يقتصر على الجانب الماديّ فقط، بل الأهمّ أنّه حمل رسالة مقاومة وعزم على إحياء الأرض. هنا، تروي بعض المشاركات تجربتهنّ في هذا المهرجان:
- سنبقى صامدين: تقول رزان شعبان، شابّة جنوبيّة شاركت في عرض منتجاتها الطبيعيّة للعناية بالبشرة والشعر، إنّها تردّدت في البداية بالمشاركة، لكن ما رأته من أجواء الحياة شجّعها لحجز مكانها: "لا شيء يمكن أن يقف في وجهنا، نحن أهل الجنوب شعب مقاوم... نحن صامدون، وسنظلّ صامدين حتّى آخر نفس".
- من أشكال المقاومة: افتتحت الشابّة بتول عطوي، مشروع الكروشيه خاصّتها في المهرجان نفسه، وهو ما عدّته رسالة للعدوّ المحتلِّ، مسوِّغة مشاركتها: "لأنّنا نؤمن أنّ البقاء على أرضنا والاستمرار في الإنتاج هو شكل من أشكال المقاومة". وقد عبّرت عن فخرها بالمشاركة وبتكاتف أصحاب المشاريع، مشيرةً إلى أنّ دعم الناس أعاد الشغف إليها. وتحدّثت أيضاً عن ما وصفته بـ»الأثر المستدام في النفوس» بعد المهرجان؛ فقد خرج الأهالي بروح معنويّة عالية.
- إعادة الحياة: تؤكّد فاطمة مشي، التي انضمّت إلى المهرجان بخطوات سريعة، أنّها طالبت ببقائه دائماً لما حمله من خير، "فهكذا مهرجانات تحرِّك المشاريع الصغيرة، وتعيد الحياة ولو جزئيّاً إلى بلدات تعاني القصف والتدمير". وذكرت أنّ رؤية الثبات قد تجدّدت عند الناس بفضل هذا النشاط، «وأصبح الجميع أكثر إصراراً على البقاء والصمود لنشر الأمل والفرح».
كما تتّفق آراء المشاركين على أنّهم حقّقوا مكاسب ماديّة ملموسة؛ وذلك بفضل المزج بين الحضور على منصّات التواصل الاجتماعيّ، والتفاعل المباشر مع الناس على أرض الواقع، ما أسهم في تعزيز الثقة ونموّ أعمالهم وتطوّرها.
*بلديّة برعشيت تؤازر الأهالي
بالإضافة إلى تنظيم المهرجان، تعمل البلديّة على تقديم مساعدات ماديّة وعينيّة بشكلٍ مستمرّ، ما أسهم في إحياء البلدة وصمود أهلها والنازحين فيها أيضاً، وهم الذين يبلغ عددهم الإجماليّ 722 عائلة. يستعرض رئيس البلديّة المساعدات المقدّمة للأهالي، وقد شملت 3 آلاف حصّة غذائيّة، و2800 حصّة من مستلزمات نظافة، بالإضافة إلى 900 حصّة من الأدوية والحفّاضات المخصّصة للأطفال وكبار السنّ. كما تضمّنت المساعدات توزيع الثياب، وحليب الأطفال، واللوازم المنزليّة على نحو 500 شخص، فضلاً عن إيصال المياه إلى المنازل عبر صهريج البلديّة. كذلك، دعمت البلديّة الأسر في استئجار للمنازل، وأعادت تأهيل المدرسة الرسميّة لاستئناف التعليم الحضوريّ، وسدّدت رسوم تسجيل طلّاب المرحلة الثانويّة والمعاهد الرسميّة، ووفّرت 350 حقيبة مدرسيّة تشمل القرطاسيّة لطلاب المدارس الابتدائيّة والمتوسّطة. كما أمّنت 42 خزّان مياه للمنازل المتضرّرة، وشغّلت فلاتر المياه للشرب مجّاناً للأهالي. هذا عدا عن تقديمها مساعدات ماليّة وطبيّة للشريحة الأكثر فقراً، وتعاونها مع جمعيّاتٍ لتنظيم عيادات نقّالة أسبوعيّاً.
هكذا، تُرسم في برعشيت لوحة حيّة للصمود، بحيث يتكامل مهرجان تحدّى العدوّ الصهيونيّ مع بلديّة لم تتخلَّ عن أهلها. مشهد يُثبت أنّ القرى الجنوبيّة، على الرغم من جراحها، لا تعرف الاستسلام، وأنّ الحياة فيها تعود دائماً أقوى ممّا كانت!
(1) كراكيب هي قناة على وسائل التواصل الاجتماعيّ متخصّصة في السكتشات الفكاهيّة، يديرها إياد نور الدين بمشاركة والده.