آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

قصة قصيرة: الهوية


نسرين إدريس‏


اقترب يحيى البالغ من العمر أربعة عشر عاماً من جده الجالس على مصطبة أمام المنزل يحمل بين أصابعه سبحةً تنساب بهدوء، وجلس بالقرب منه متأففاً، حانقاً على ضيق المطرح الذي لا مكان فيه للّعب؛ حيطان ملاصقة لحيطان، وزواريب ضيقة لا تسع لسيارة وشخص معاً:"أف ما أضيق المُخيّم"، قالها وسرعان ما وقف أمام جده: "إنتَ عشت هون يا جدي بهالمطرح يلّي ما فيه شمس، وعم تاكله الرطوبة؟! أخذه جده بين ذراعيه، ومسح رأسه بيده المجعدة بخطوط الزمن، واسند رأسه على الحائط المتشقق من أثر الحرب: آه، لو أنك يا يحيى تلعب بالأرض يلي لعبت فيها.. حقول زيتون.. وبيت كبير عمرتو حد بيت أهلي لما تزوجت ستك المرحومة.."

يحيى: وين هالدار.. بفلسطين؟!
بكى الجدُّ: إيه بفلسطين..
يحيى: إيمتى رح نرجع عَ دارنا يا جدي..
الجد: لمّا ينتصر الحجر..
يحيى: خبرني شو بقي معك من ماضي فلسطين.
الجد: قوم معي لتشوف الشي‏ء الوحيد يلي بقي معي..

أمسك بيد يحيى ودخلا إلى غرفة النوم، فتح الجدُّ دُرْجاً قديماً مقفلاً، لا يحتاج إلى مفتاح كي يفتح لتخلخله الواضح، وحمل ألبوم صور وراح ينظر إليها بحنين وشوق ويعرّف يحيى الصغير على أقاربه: هيدا عمي قتله اليهود بمجزرة دير قاسم، وهيدي عمتي هي الآن في الأردن.. وهيدول أهل أمك اللَّه يرحمهم، وهيدا أبوك وأمك، تهجرنا من فلسطين بعد ما تزوجوا بشهرين.. وهيدي هويتي الفلسطينية..

يحيى: يا يا جدي.. أتاريك معاك كنز وأنا ما أدري.. وحمل الهوية المغلفة جيداً بين يديه، وراح يقرأها بتمهل حتى صرخ: الجنسية: فلسطينية.. فلسطينية ما بدي احمل ورقة لاجئ.. لمّا ينتصر الحجر..
يحيى: كل يوم عم يسقط شهداء وما حدا عم يسأل.. لأيمتى رح نبقى هيك؟!.
الجد: قلتلك لمّا ينتصر الحجر بإذن اللَّه.. مثل ما انتصرت المقاومة هون بلبنان رح ننتصر.. هيك وعدنا الله والسيد حسن نصر الله..

ترك يحيى جده، وركض إلى الشارع الضيق، وهو يصرخ لأصدقائه بأسمائهم حتى اجتمعوا كلهم أمام منزل أحدهم، واخذوا يتجاذبون حديثاً حرصوا على أن لا يسمعهم أحد، وكان يحيى يدون معلومات يسألها لكل واحد على حدة، وسرعان ما افترقوا على أن يلتقوا بعد صلاة العشاء.. عاد يحيى إلى المنزل، فوجد جده نائماً بينما أمه تخيط بعض الثياب التي تبيعها لتساعد زوجها في المصاريف التي لا تنتهي.. دخل خلسة إلى غرفة النوم، وأخذ ألبوم الصور وسحب منه هوية جده، وجلس على طاولة صغيرة محاولاً أن ينسخها بدقة، وما إن انتهى من النسخة الأولى حتى أعاد الأصلية إلى مكانها، وانتظر موعده مع رفاقه بفارغ الصبر.. لم يخبر يحيى جده بما فعل، بل اكتفى بالنظر إليه بين حينٍ وآخر وهو يتنقل بعصبية من الخارج إلى الداخل وبالعكس.. وما إن أدى فريضة العشاء حتى استأذن والدته بالخروج، وخبأ البطاقة بيده جيداً وتوجه إلى رفاقه.. التقى الأصدقاء في منزل صديقهم مازن الذي توجه بدوره إلى مكتبة قريبة، وقام باستنساخ عدد من البطاقات التي رسمها يحيى، وعاد مسرعاً ليسلم كل واحدٍ منهم بطاقة ليملأها بالبيانات الشخصية.. في اليوم التالي قصد يحيى المكتبة ليجلّد البطاقات حتى تُحفظ لأطول مدة ممكنة، وعندما عاد إلى البيت، التقى بجده الجالس أمام الدار يرتشف القهوة، فسأله: وين كنت يا يحيى:
يحيى: كنت.. كنت عم جيب هوية فلسطينية إلي ولرفقاتي.
.


دهش الجد من جوابه: ومنين الهويات الفلسطينية..
يحيى: أنا عملتها مع رفقائي.. نسختها مبارح وأنتَ نايم..

واقترب من جده وقبل يده: سامحني لأني فتحت البوم الصور قبل ما قلك.. خفت ما تخليني.. أنا ورفقاتي كلنا حابين يكون معنا هويات فلسطينية مش ورقة لاجئين.. نحن بدنا نرجع عَ وطنا ودارنا، بس مش بالمفاوضات، بالسلاح يا جدي، بالسلاح.. حلّها الشمس تطلع عَ وجوهنا.. وفجأة ظهر رفاق يحيى وهم ملثمين بكوفيات ويحملون علم فلسطين ومقالع حجارة، فنادوه ليلتحق بهم، فدخل إلى البيت مسرعاً، وجاء بكوفيته ومقلاعه، وركض وهو يضعها على وجهه والتحق برفاقه الذين علت أصواتهم وهم يصرخون "حزب الله يا عيوني.. دمّر كريات شمونه"..
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع