السيّد عبّاس عليّ الموسويّ (رضوان الله عليه)
عقد بعض علماء الحديث أبواباً في حرمة ذكر اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ؛ حتّى وصل الأمر إلى درجة الشياع أنّه يحرم تسمية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف باسمه، والاستعاضة عن ذلك بذكر بعض صفاته أو خصوصيّاته، مثل: «القائم» و«الحجّة» و«صاحب الزمان». وقد استقوا ذلك من الأئمّة عليهم السلام وأصحابهم ممّن عاصروهم وعاشوا معهم. فما دلالة هذا المنع؟ ولماذا صدر؟ وهل يشملنا اليوم؟
• ما ورد في منع تسميته
حديثنا هنا يبتدئ بذكر هذه الأحاديث التي وردت في منع تسميته عجل الله تعالى فرجه الشريف :
1. عن الريان بن الصلت قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام عندما سُئل عن القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، قال: «لا يُرى جسمه ولا يُسمّى باسمه»(1).
2. عن ابن رئاب عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافر»(2).
3. عن الإمام الباقر محمّد بن عليّ عليه السلام قال: «القائم هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سَمِيُّ رسول الله وكنيّه»(3).
4. عن عليّ بن عاصم الكوفيّ قال: خرج فى توقيعات صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف : «ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس»(4).
5. عن أبي عبد الله الصالحيّ قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمّد؛ أي الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، أن أسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب: «إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه»(5).
• فرضيّتان
هذه الأحاديث واضحة الدلالة في المنع عن ذكر اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولكنّ الكلام يقع في فرضيّتين:
1. هل هذا المنع يعمّ الأزمنة كلّها؛ أيّام ولادة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وبعده في الغيبة الصغرى ثمّ في الغيبة الكبرى، حتّى يومنا هذا وما بعده إلى الظهور المبارك؟
2. أم هل هذا المنع يختصّ بالأيّام التي تشكّل خطراً على الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وتهديداً لحياته، كأيّام ولادته وحياته مع أبيه وفي الغيبة الصغرى فحسب، أمّا في الغيبة الكبرى فلا نهي ولا منع ولا حظر عن ذكر اسمه لأنّه لا يشكّل خطراً عليه؟
• جواز ذكر اسم الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
ليس ثمّة مشكلة في ذكر اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ذلك للأسباب الآتية:
1. صرّح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باسمه وكنيته
إنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف معروف لدى المسلمين؛ فقد بشّر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن بشكل صريح واضح عن اسمه وكنيته واسم أبيه وتسلسله في قائمة الأئمّة عليهم السلام، ووردت عنه صفاته ومواصفاته وحركته ودوره وحروبه وانتصاراته والمهمّة الموكلة إليه في تحرير العالم ورفع الظلم والجور وإرساء القسط والعدل. ثمّ بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تولّى المعصومون من أهل البيت عليهم السلام حمل هذه المهمّة، فأبلوا بها بلاء حسناً، بحيث بشّروا جميعاً به، ووصل إلينا منهم وعن طريقهم تفاصيل مذهلة عن تحرّكاته وما يجري في أيّامه وما يمرّ من أحداث وهكذا.
2. المقصود هو حفظ شخصه
ينبغي أن نعرف أنّ الاسم بنفسه ليس هو المقصود بالذات، وإنّما هو طريق للوصول إلى الشخص المسمّى به؛ فعندما نحجب الاسم، نريد أن نحجب من سُمّي به لكي نحفظه ولا نعرّضه للخطر، وإلّا، فالاسم بنفسه ليس هو المقصود بالذات. من هنا، ينبغي أن نعرف أنّ المقصود حفظ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو الهدف والغاية.
3. النهي ليس توقيفيّاً
إنّ النهي عن تسمية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف باسمه ليس أمراً تعبّديّاً صرفاً أو أمراً توقيفيّاً، مثل الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، إذ لا يجوز الزيادة فيها أو النقصان منها؛ فصلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، فإنّ اختلافها في الركعات أمر تعبّديّ توقيفيّ لا نعلم وجهه وحكمته، إلّا أنّ علينا أن نتعبّد بذلك ونقوم به. وهذا الأمر تخلو منه قضيّة التسمية للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، لأنّ أسرار التسمية يمكن أن يصل إليها الإنسان بفكره، إذا أمكننا حمل النهي عن التسمية على محمل مقبول ومعقول.
• أحاديث منعت وأخرى صرّحت بالاسم
ثمّة أحاديث كثيرة وروايات صرّحت بالاسم والكنية ولم تمنعهما. وعلى تقدير صحّة أحاديث المنع، تصبح الأحاديث المجوّزة والمانعة للتسمية متعارضة. وفي التعارض، تسقط الأحاديث إن لم يكن في أحدها مرجّح، فترجع إلى الأصل الذي يقتضي الإباحة والجواز. كذلك، يمكن تقييد أحاديث المنع بزمن الغيبة الصغرى، فإنّ العلماء الذين استفادوا من ذلك، جمعوا بين الأحاديث بهذا الوجه وهو مقبول، خصوصاً إذا ضممنا إليها بيان أسرار التسمية وفوائدها وعدم المحذور في ذكر اسمه الشريف في الغيبة الكبرى.
• سبب المنع
عُلم أنّ السلطة الحاكمة في أيّام ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وخلال أيّام أبيه، كانت تراقب بدقّة ولادة ابن الإمام العسكريّ عليه السلام -والد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف - وكيف تولّى مهمّة الحفاظ على المولود الموعود في ظروف غايةً في الحرج والمراقبة، ثمّ كيف كانت السلطة تتابع مجريات الأمور بعد وفاة الوالد لترى وريثه. إنّ تلك الظروف الصعبة القاسية التي أحاطت بولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وما بعد الميلاد أثناء الغيبة الصغرى، أوجبت على الأئمّة عليهم السلام أن يعلنوا بياناتهم التي لا تبيح لأحد ذكر اسم الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف لئلّا تعرفه السلطة بشخصه وتهتدي إليه عبر الاسم، فكان النهي صادراً لهذا الأمر المهمّ؛ أي حمايته وحفظه من أيّ ضرر.
أمّا بعد أن أصبح في أمان من الأخطار ولا يمكن لأحد أن يصيبه بأذى -كما هو الحال في الغيبة الكبرى- فإنّ العقل والمنطق وما ذهب إليه أكثر العلماء، تبيح التصريح باسمه وجواز تسميته، بل إنّ هذا الاسم لحن جميل ونغم ينعش القلوب، ويعيد البسمة للشفاه الذابلة، ويروي الأرواح الظمأى المتعطّشة إلى العدل والحقّ والسلام.
• التمهيد لظهوره وتعريف الناس به
إنّنا، وفي زماننا الذي نعيش فيه، يجب أن نحمل اسم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف على كلّ راية، ونرفعه فوق كلّ مئذنة ومنارة، ونردّده في كلّ مكان وزمان، نبشّر به البشريّة ونعدها بمستقبل زاهر تحت رايته. فكيف لا يصحّ ذكر اسمه وهو البلسم والشفاء للمرضى والمعذّبين في الأرض؟ كيف نخفي اسمه وهو القائد المدّخر لتحقيق العدل الذي تفتقده البشريّة وتتطلّع إليه مع كلّ فجر وفي كلّ لحظة؟ إنّ مهمّتنا في هذه الأيّام أن نهيّئ الظروف المناسبة لظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ؛ فنعمّم ذكره، وننشر اسمه، ويأخذ الإعلام نصيباً كبيراً في ذكر هذا المنقذ وتفاصيل كثيرة من بركاته وعطاياه، حتّى تصبح الأمّة مهيّأة لاستقباله عند ظهوره، ترحّب به وتفرح للقائه والانتصار له.
* مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عدالة السماء، ص 316 - 321.
1. الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 332.
2. المصدر نفسه، ج 1، ص 333.
3. بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 51، ص 32.
4. المصدر نفسه.
5. المصدر نفسه.