المسجد... بيت الشهداء الثاني مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي»

مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً -

الشيخ عبّاس إبراهيم


المسجد لا يُعمر بالصلوات فحسب، بل بالخطط، والبرامج، والعطاء المتواصل. وإنّ «تعهّد المسجد» ليس مجرّد صيانة جدران، بل بناء علاقة حيّة بين بيت الله وأهله، حيث يتعلّم فيه الفتى، ويستريح فيه المجاهد، ويجد فيه المحتاج يداً تعينه.
في مسجد الخضر بعيناثا، تجسّدت هذه الرؤية؛ فكان مسجداً يعلّم، ويُطعم، ويعزّي، ويربّي، ويرافق أبناءه في شجونهم وتطلّعاتهم وجهادهم في سبيل الله.
نعرض في هذا المقال ملامح هذه التجربة، لعلّها تكون خريطة طريق لمساجد أخرى.
 
• مسجد الخضر في عيناثا
يعدّ مسجد الخضر من المساجد القديمة في بلدة عيناثا، وقد أُعيد تجديد بنائه مرّات عدّة، منها ما وقع في سنة 957 هجريّة حيث يقول مترجماً الشيخ نعمة الله خاتون في الأبيات الآتية:
«إذا جئت عيناثا فزر مشهداً بها تجدّد حقّاً بعد محو المراسم
ولا تعدو عيناك عنه فإنّه تأسّس بالتقوى وصدق العزائم
ومن نعمة الله بن خاتون أحييت جوانبه مع وضع بعض الدعائم»(1).
وقد اعتمدنا في تعهّد المسجد على هذه الخلفيّة المعنويّة، وانطلقنا من توصيف الشيخ نعمة الله خاتون له بأنّه مشهدٌ أسِّس على التقوى. وعندما أردنا تجديده قبل سنوات عدّة، أخذنا بالحسبان عمقه المعنويّ، فكانت الخطّة أن نجدّد مسجداً ينجح في استقطاب أبناء القرية والقرى والمجاورة، ويكون منطلقاً لبرامج وتجارب تعمّم في مساجد أخرى. وقد تولّيت إمامة المسجد في عيناثا العام 2013م عندما عدت للاستقرار فيها عائداً من قمّ المقدّسة.

• رسالة المسجد ودوره
انطلقنا من رؤية تقضي بأنّ العمل المسجديّ يحتاج إلى خطّةٍ وسياسات، ووضع أهدافٍ ومسارات، ولا يصحّ توقّع نتائج من مسجد لا خطّةَ له ولا رؤية. فعرّفنا المسجد بأنّه: «مؤسّسةٌ عباديّةٌ تربويّةٌ ثقافيّةٌ جهاديّة اجتماعيّة، وليس مقتصِراً فقط على إقامة الصلاة، بل الصلاة جماعة إحدى وظائفه وليست هي كلّ أدواره». وأنّه لا ينبغي أن يكون المسجد فكرةً ثابتة في وسط البلدة أو المحلّة وأنّ المطلوب من الناس أن يتوجّهوا إليه، فالمسجد فكرة حيويّة متحرّكة تذهب إلى الناس وتكون بقربهم في بلسمة جراحهم وقضاء حوائجهم، وتحتوي تفاصيل حياتهم.
ومن هذا المنطلق، تبنّى المسجد نشاطات عدّة، منها:
- توزيع مجموعة من الكتب الدراسيّة على طلاب مدرسة شهداء عيناثا الرسميّة.
- تقديم منحة مسجد الخضر؛ للتحفيز العلميّ والتحصيل الجامعيّ.
-المساهمة في تكاليف نقل الطلاب إلى الجامعات في صور وصيدا.
- إطلاق مشروع «أقلّ الواجب» من خلال تأمين مونة منزليّة ومواد غذائيّة وزّعت على المجاهدين في مراكز عملهم. وكذلك إعادة ترميم بعض منازل المحتاجين وصيانتها.
- إحياء المناسبات وتوزيع الهدايا على الأهل، وكذلك وتوزيع هدايا ماليّة على الأطفال الحاضرين في المسجد في أيّام الأعياد.

• الاعتكاف رفيق العابدين
كان الشروع في برنامج الاعتكاف إحياءً لسنّة مهجورة في المنطقة، وقد أعددنا مسبقاً كلّ التجهيزات الدعائيّة اللازمة، وطبعنا يافطات عدّة عُلِقت في المسجد تشرح معنى الاعتكاف وأهمّ أحكامه. وكنّا نقوم بنشر كلِّ البرامج التي يتضمّنها الاعتكاف من خلال صفحة المسجد على وسائل التواصل الاجتماعيّ كنوع ترويج للنشاط الذي لاقى ترحيباً وتفاعلاً لافتاً.
كان الاعتكاف على مدار سنوات عدّة من البرامج المركزيّة في المسجد، وكنّا ننفّذ برامج مختلفة ومتنوّعة للمشاركين، ونمنح المشارك إفادة مشاركة في الاعتكاف باسم المسجد.
في السنوات التي كان الاعتكاف يتزامن مع الامتحانات المدرسيّة، كنّا نخصّص مساحة واسعة من البرنامج للدراسة ونستعين بأساتذة يساعدون المشاركين في دروسهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض هؤلاء الأساتذة، بالإضافة إلى بعض المشاركين الذين كانوا في عمر الفتية، ارتقوا شهداء في معركة أولي البأس.
لقد خرّج برنامج الاعتكاف على مدار سنوات عدّة مجموعة كبيرة من الشباب الذين تجذّرت في عقولهم وذاكرتهم ملامح الأنس والحبّ التي كانت تحكم العلاقة بين المشاركين. وكنّا نلحظ ذلك في تزايد عدد المشاركين كلّ عام.
ومن أهمّ الكفايات التي تُرجى من الاعتكاف: أن يحبّ الشبابُ والفتية المسجد، ووأن يبنوا علاقة صداقة معه، ويعدّوه مكاناً يشعرون فيه بالسكن دون أن يعدّوا أنفسهم ضيوفاً. وهذا يتطلّب من إمام المسجد والقائمين عليه بذل الكثير من الجهد. وقد أسهمت سنّة الاعتكاف بتحقّق غايات كثيرة، منها: ضبط السلوك وبناء الشخصيّة الملتزمة والموزونة. وبحقّ أقول: إنّ أغلب الذين كانوا فتية في برامج الاعتكاف هم اليوم من المؤثّرين بين أقرانهم، وعلاقتهم بالمسجد علاقة الصديق بصديقه إلى درجة أنّهم كانوا يجعلون اسم المسجد اسماً لمجموعاتهم الرياضيّة التي يشكّلونها، ويقدّمون الجوائز التي يفوزون بها إلى المسجد.

• اليافعون روّاد المسجد
إنّ استقطاب الفتية إلى المسجد وزرع حبّه في نفوسهم ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج إلى خطّة كما إلى مساعدة كبار السنّ القيّمين على المسجد. فانطلقنا أوّلاً من إقناع المسجديّين بأهميّة وجود الفتية والأطفال في المسجد، كان المسجد يحتوي دائماً على حلويات يحبّها الأطفال، كما قدمنا مجموعة من الألعاب لكلّ طفل يدخل لأوّل مرّة إلى المسجد، بالإضافة إلى العيديّة الماليّة في الأعياد والمناسبات. أمّا الفتية، فقد أسّسنا لهم مكتبة ووضعنا فيها الكتب والقصص المناسبة لأعمارهم. وكنّا نوفّر لهم خدمة الإنترنت داخل المسجد أيّام الامتحانات لمتابعة دروسهم.
ومن جهة أخرى، دعمنا البرامج الترفيهيّة، وقد نظّم المسجد في إحدى فعاليّاته رحلة إلى المسبح شارك فيها نحو مئة طفل وفتى. بالإضافة إلى تشكيل فريق كرة قدم من شباب المسجد شارك في الدورات التي أقيمت في البلدة.
ولعلّ أهمّ ما ساهم في استقطاب الجيل الجديد إلى المسجد، هو الروح الأخويّة وعلاقة الصداقة القائمة بين روّاد المسجد من مختلف الأعمار. وقد وجد الفتية أنفسهم محبوبين في المسجد، وأنّ لهم مكانة وقيمة، ولم يشعروا يوماً أنّهم عبء على المصلّين، بل كان يُسمح لهم بالمشاركة في بعض النشاطات كقراءة دعاء الحجّة بعد الصلاة. حتّى أنّ بعضهم كان يردّد لطميّة عبر مكبّر الصوت بلحنه الطفوليّ الجميل، فيما المصلّون يشجعّونه ويثنون عليه.

• شهداء المسجد
البُعد الجهاديّ جزء من حقيقة المسجد وجوهره. لذلك، كان برنامج المسجد ينظر إلى المجاهدين ويتناول قضاياهم ويركِّز عليها، فخُصّص درس أسبوعيّ يعالج مواضع ابتلائهم الفقهيّة وغيرها. كما كان سنداً لهم في الاستحقاقات التي يمرّون فيها؛ فمنذ اليوم الأوّل لمعركة طوفان الأقصى، عمدنا إلى بثّ دعاء أهل الثغور عبر مكبّرات الصوت يوميّاً. وفي فترة معركة الإسناد لغزّة، كان المسجد محلّاً لصلاتهم وعبادتهم، حتّى أنّ بعضهم شارك معنا صلاة الظهرين جماعة، وما إن توجّه إلى عمله حتّى ارتقى شهيداً، فأخذ المصلّون يصفونه بأنّه عرج من المسجد إلى الجنّة.
ولتكريس العلاقة بين المسجد والمجاهدين، تعمّدنا وضع نعوش بعض الشهداء المسجديّين داخل المسجد ليودّعهم الأهل قبل انطلاق مسيرة التشييع، في مشهد أردنا منه أن نُظهر أنّ هذا الأخ ابنُ المسجد في حياته وبعد شهادته، وأنّ المسجد الذي كان يحتضنه في مراسم الدعاء والعبادة هو نفسه الذي يحتضنه شهيداً ويزفّه إلى روضته.
ولا يزال المسجد على عهده معهم في إحياء مجالس العزاء عن أرواحهم لربط الشباب بهذا المكان المقدّس، من خلال الشهداء الذين هم منارات وأدلّاء على طريق الحقّ والإيمان. ولا تزال راسخةً في أذهان الناس مشاهد بعض الشهداء في مراسم دعاء يوم عرفة، وصور بعضهم وهم يتلون دعاء كميل، أو يرفعون الأذان قبل الصلاة. حتّى أنّ آثار انفجار البيجر وجهاز اللاسلكيّ ما زالت في المسجد إلى اليوم، إذ لم نقم بإصلاحها لتبقى شاهداً على إجرام العدوّ من جهة، ودليلاً على علاقة المجاهدين بالمسجد من جهة أخرى.
اليوم، بات معظم القيّمين على برنامج الاعتكاف في عداد الشهداء. وبعد انتهاء الحرب، نقلنا مقرّ الهيئة التي أسّسها الشهيد محمّد باقر بسّام «خميني» لإحياء الشعائر إلى المسجد. وطيلة فترة الإسناد، كانت تُقدّم للمجاهدين وجبات طعام باسم المسجد، وبعضها يرسل إليهم في أماكن مرابطتهم على الحافّة الأماميّة.

• المسجد جنّة على الأرض
أمّا مراسم عاشوراء في عام الإسناد، فقد أقيمت في المسجد، وكان أغلب المشاركين فيها من المجاهدين الذين يأتون إلى المجلس من مواطن عملهم وكانوا يحرصون على الحضور الدائم رغم صعوبة الظروف، عِلماً أنّ أغلب هولاء باتوا شهداء في معركة أولي البأس. وحاليّاً، عندما نستذكر تلك المرحلة نشعر أنّ المسجد كان قطعة من الجنّة؛ لأنّ أكثر الحضور كانوا من الذين كتب الله لهم الشهادة. وبما أنّ الشهداء من أهل الجنّة، فاجتماعهم جميعاً في هذا المكان يجعل المكان أشبه بالجنّة.
عندما نتصفّح أرشيف المسجد، قلّما نجد صورة لا تحتوي على شهيد، حتّى الفتية الذين كانوا مواظبين على الاعتكاف بات بعضهم شهيداً، فنجد مقاطع مسجّلة لشهيد يتلو القرآن، وآخر يقرأ دعاء، وثالث يلطم أو يرفع الأذان.

• المسجد يخرّج رجالاً لكلّ زمان
لقد تخطّى المسجد حدودَ جدرانه ومحيطه الماديّ ليدخل إلى كلِّ بيت. فالمسجد بروحه وحضوره يذهب إلى المدرسة من خلال الكتب الدراسيّة التي يقدّمها، وهو حاضر على مقاعد الجامعة من خلال المنح الجامعيّة التي يمنحها للطلاب، وبات في الخطوط الأماميّة من خلال الوجبات التي يرسلها للمجاهدين، وهو مع كلِّ أمّ من خلال الهدايا التي يوزّعها للأمّهات في عيدهنّ، وهو صديق كلِّ طفل من خلال ما يقدِّمه إليهم، وهو بيتُ الأنس بالقرآن من خلال حلقات التلاوة، وشعار الولاء لأهل البيت عليهم السلام في دمعة العزاء واللطميّة. هو المعين على الدعاء في ليالي القدر والمناسبات العباديّة، وحاضر في كلِّ بيت ومع كلِّ فرد.
كلُّ ذلك كان بداية لا بدّ من أن تستمرّ في الأيّام القادمة، من خلال بناء جيل يناسب كلّ مرحلة، ويصنع رجالاً يحملون الكفايات التي تمكّنهم من إدارة زمانهم.


1. أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، ج 12، ص 195.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع