المسجد... بيت الشهداء الثاني مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي»

بأدبنا نحفظ بيوت الله

تحقيق: نانسي عمر

 

المسجد بيت الله، ومهد التقوى، ومرتع القلوب المؤمنة. ومن حقّ هذا البيت أن يُعامل بأدب واحترام، لا في العبادة فحسب، بل في السلوك والنظافة والكلام. وقد كان الشهداء خير من جسّد هذا الأدب، فلم يكتفوا بالصلاة فيه، بل سخّروا أنفسهم لخدمته وبنائه وعمرانه. ومنهم الشهيد القائد الحاج علي كركي، الذي وضع مشروعاً متكاملاً لإنعاش المساجد المهجورة، معتبراً أنّ هجرانها «ثلمة كبيرة» لا بدّ من سدّها.
لكنّ القدوة تحتاج إلى ترجمة في واقعنا اليوميّ، خصوصاً مع ما تعيشه كثير من المساجد من سلوكات منفّرة، كالضجيج وفوضى الأطفال. فما المشروع الذي وضعه الشهيد حفظاً لحرمة المساجد؟ وكيف ينبغي أن نتعامل مع بيوت الله؟ وما الآداب التي يجب أن نلتزم بها؟

• دوريّات منتظمة
يقول صديق مقرّب من الشهيد القائد علي كركي «أبو الفضل»: «كان للشهيد مشروع خاصّ بالمساجد قبل معركة أولي البأس، بحيث اقترح أن نوفّر سيّارة رابيد مجهّزة بأجهزة تنظيف وأدوات خاصّة، وأن نكلّف أحد الإخوة بالتفرّغ للقيام بدوريّات منتظمة على المساجد المهجورة في القرى والبلدات، ويهتمّ بتنظيف السجّاد والستائر ومرافق المياه، ومسح الغبار وتنظيف المكتبات وتجديد المصاحف وكتب الأدعية، ليكون المسجد في كلّ بلدة لائقاً بوصفه بيتاً من بيوت الله».
ويتابع: «كان الشهيد يحرص على زيارة كلّ المساجد التي يصادفها في طريقه، فيتفقّدها ويتأكّد من تأمين ما يلزم لتشجيع الناس على ارتيادها بشكل دائم». يؤكّد ابن الشهيد هذه الحقيقة قائلاً: «أقول بكلّ ثقة إنّ والدي لم يترك مسجداً في الجنوب لم يصلِّ فيه»، ثمّ يختم الصديق قوله: «لم نتمكّن من تحقيق هذا المشروع بسبب الحرب التي اندلعت».


هذا الموقف لم يكن الوحيد الذي يعبّر عن علاقة الشهيد كركي بالمسجد، إذ ينقل أبناؤه أنّه ساهم في بناء العديد من المساجد بشكل مباشر أحياناً، ومن خلال تكليف بعض الإخوة في جمع التبرّعات لبنائه أحياناً أخرى. من هذه المساجد مجمع الإمام الحسين عليه السلام في قرية عين بوسوار في إقليم التفاح، حيث كان الشهيد الحاج أبو الفضل صاحب فكرة إنشائه من خلال مساهمته بجزء من الأرض، ثمّ ساهم بعد ذلك في تأمين التمويل اللازم لإتمام البناء. ويحكي أبناؤه عن اعتكاف الشهيد في غرفة خاصّة في هذا المسجد، وهو الذي عُرف بحبّه لبيوت الله وكثرة ارتيادها. وكان يرى أنّ المجاهد يجب أن يبني علاقته بالله في المسجد قبل أيّ شيء آخر، ليكون عبداً طائعاً لمولاه، توّاقاً للقياه في موارد الشدّة التي يواجهها في الجبهة.

• عندما لا نراعي آدابها
كثيرٌ من الناس يواظبون على الصلاة في المسجد وإحياء المناسبات فيه، ويحرصون على هذه العلاقة المعنويّة. وممّا لا شكّ فيه، أنّ مراعاة آداب المسجد من نظافة وغيرها، لها أثر كبير في الحفاظ على هذه العلاقة.
من هنا، ترى زهراء أنّ أهمّ ما ينبغي توفيره في المسجد هو النظافة العامّة، تقول: «أحبّ أن أصلّي في المسجد القريب من عملي. وأكثر ما يلفتني أنّ المرافق الصحيّة وأماكن الوضوء نظيفة وطاهرة دائماً وتفوح منها عطور زكيّة، لأنّ خدّام المسجد والمصلّين يتعاونون باستمرار للحفاظ على النظافة».


في المقابل، لا يعني ذلك خلوّ بعض المساجد أو المصلّيات من بعض الشوائب التي تستدعي المعالجة، منها:
1. الضجيج: تقول أم محمّد: «للهدوء أثره في المسجد، وهو عامل مهمّ لسواد الطمأنينة في النفوس، كذلك فإنّ في مراعاته احترام للمسجد، لكن مع الأسف بعض النسوة يلتهين بالكلام خلال إلقاء الخطيب خطبة الجمعة بين الصلاتين، من دون الانتباه إلى أنّ ذلك يشتّت تركيز الحضور ويمنع الاستفادة من الخطبة».
2. عدم ضبط الأمهات لأطفالهنّ: رغم أهميّة حضور الأطفال في المساجد، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى انتباه الأمّهات أكثر، تقول أمّ علي: «كنت أرتاد أحد المساجد لأصلّي جماعة، لكنّ بعض الأطفال لبراءتهم يركضون ويصرخون، أو يلعبون بأجهزتهم اللوحيّة ويصدرون أصواتاً مرتفعة خلال أدائنا الصلاة، بالإضافة إلى نثر بقايا البسكويت ورقائق البطاطس. بعض الأمّهات يتمكّن من توجيه أطفالهنّ، لكن بعضهنّ الآخر لا، أحياناً أضطرّ للذهاب إلى مسجد آخر إذا لم تراعَ هذه الأمور».
3. روائح غير مستحبّة: أمّا أبو حسن فيلفت إلى مشكلة مختلفة، وهي بعض الروائح المزعجة، يقول: «إنّ الإسلام يشدّد على نظافة البدن والفم، خاصّة عند الحضور إلى المسجد، وحثّت روايات عديدة على عدم أكل الثوم والبصل قبل ارتياد صلاة وقبل الدخول إلى المسجد، بل دعت إلى الحضور بثياب نظيفة والتعطّر قبل الشروع في الصلاة لأنّنا جميعاً سنتأثر بذلك». يتابع: «ومن الأمور التي يجب الالتفات إليها أيضاً هي بعض الروائح التي تنبعث من الجدران أو الأثاث أو السجّاد الذي نصلّي عليه، والذي يجب أن يكون دائماً نظيفاً ومعطّراً ولا تفوح منه رائحة الرطوبة أو الجوارب التي تنفّر المصلّين».

• آداب الحضور في المسجد
لاستدراك هذه التصرّفات، لا بدّ من العودة إلى الآداب الإسلاميّة للحضور في المسجد، كما يوضحها فضيلة الشيخ بلال حسين ناصر الدين، الذي يؤكّد اهتمام الإسلام بالآداب الظاهريّة تجاه المساجد التي ينبغي للناس أن يلتزموا بها، وقد وردت روايات كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عن آداب التعامل مع بيوت الله والحضور فيها.
ومن أبرز ما حثّ عليه الإسلام هو كيف ينبغي للإنسان أن يحضر إلى المسجد، ذلك بأن يلبس أفضل ثيابه، ويتطيّب ويتعطّر، ويكون على وضوء، وهي أمور مستحبّة تدلّ على أنّ الإسلام يريد من الإنسان أن يأتي إلى المسجد بأجمل صورة وحلّة. وقد وردت رواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه استقبله مولى له في ليلة باردة، وكان عليه السلام متعطّراً ويرتدي أفضل ثيابه، فقال له: جعلت فداك، في مثل هذه الساعة وعلى هذه الهيئة إلى أين؟ فأجابه عليه السلام : إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


ويشدّد فضيلة الشيخ على أنّ الحضور في المسجد له ضوابط ينبغي على الإنسان الالتزام بها، وفي مقدّمها:
1. ذكر الله: ينبغي عدم التحدّث في غير ذكر الله أو العلم، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «كلّ جلوس في المسجد لغو إلّا ثلاثة: قراءة مصلٍّ، أو ذكر لله، أو سائل عن علم»(1). ففي المسجد لا مكان للأحاديث الجانبيّة، ولكن مع الأسف، عندما ندخل إلى بعض المساجد نسمع ضجيجاً وأصواتاً مرتفعة ونقاشات ليس مكانها المسجد، خاصّة في أوقات التعقيبات أو خلال خطبة إمام المسجد، وأحياناً، عند رفع الأذان، وهذه من المكروهات التي نهى الإسلام عنها.


2. تعليم الأطفال احترام المسجد: إذا رغب الأهل باصطحاب الأطفال إلى المسجد، وجب عليهم أن يكونوا رعاة لهم، يراقبون تصرّفاتهم باستمرار، ويمنعونهم من كلّ ما قد يؤثّر على المصلّين أو يخلّ بنظافة المسجد، وأن يوجّهوهم ويعلّموهم احترام المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «جنّبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم إلّا بذكر الله تعالى»(2). لذلك، ينبغي تجنّب اصطحاب الأطفال إلى المساجد إذا كان ثمّة احتمال أن يصدروا ما يزعج المصلّين.


3. الاهتمام بنظافة المسجد وترتيبه: يؤكّد فضيلة الشيخ أنّ الاهتمام بنظافة المسجد لا يقلّ أهميّة عن الاهتمام ببيت الإنسان نفسه، بل يجب أن يكون أشدّ وأعظم عنايةً لأنّه بيت الله. من هنا، من الضروريّ أن نهتمّ بمقتنيات المسجد وأن نحافظ عليها، خاصّة المكتبة، التي ينبغي أن تعكس صورة الالتزام بالنظام الذي أمرنا به الإسلام؛ فمن يأخذ كتاباً أو مصحفاً من المكتبة عليه ببساطة أن يعيده إلى مكانه بشكل منظّم. كما يجب تجنّب وضع الصور واللوحات بشكل عشوائيّ على جدران المساجد.
ومن الأمور التي يجب الالتفات إليها أيضاً هي الاهتمام بتنظيف المسجد وتعطيره والأثاث والسجّاد بشكل دائم، على أن تكون العطور خفيفة وجميلة لا تسبّب الأذى للناس. وكذلك الحفاظ على نظافة المرافق الصحيّة وأماكن الوضوء. وهذا كلّه من مهامّ المصلّين ولجنة المسجد وخدّامه على حدّ سواء.


4. دور خادم المسجد في جذب الناس: يرى الشيخ ناصر الدين أنّ خادم المسجد في نظر الناس ممثّل للمسجد، بل للدين كلّه، تماماً كإمام المسجد. لذلك، كلّما كان الخادم لطيفاً وليّناً وهادئاً وحكيماً، كان جاذباً للناس أكثر. أمّا إن كان فظّاً وقاسياً بعباراته وسريع الغضب، فمن الطبيعيّ أن ينفّر الناس من المساجد، خاصّة من كان حديث العهد في ارتياد المساجد.
5. ترتيب مداخل المساجد: كذلك، يوضّح فضيلة الشيخ أهمية الاعتناء بمداخل المساجد ومحيطها، كأن تُزرع حولها الورود والأشجار، فإنّ بيوت الله ينبغي أن تكون مساحة للترويح عن النفس، ما يستدعي أن تكون بأجمل حلّة ومظهراً من مظاهر الجمال الإلهيّ.
إنّ بيوت الله لا تُعمّر بالحجارة وحدها، بل بأدب المصلّين، وخشوعهم، واحترامهم لها. فما أجمل أن نكون، كلٌّ من موقعه، خدّاماً لهذه البيوت، لا زائرين عابرين! فبأدبنا نحفظ بيوت الله، وباحترامنا لها نحييها.
 

1. مستدرك سفينة البحار، الشيخ الشاهرودي، ج 4، ص 476.
2. ميزان الحكمة، الريشهري، ج، ص 2111.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع