الإمام الخميني قدس سره
منذ انتصار الثورة، تعرّضت الثورة إلى هجمات مختلفة، عسكريّة وغيرها، وأسوأها هجوم بعض الأقلام والألسنة، ولا يزال الأمر مستمرّاً، إذ يبثّ أصحابها دعاية بين فئات الشعب المختلفة أنّ الثورة لم تقدّم شيئاً، وأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة مثل النظام الشاهنشاهي، وإنّما تغيّر الاسم فقط. هل هذا صحيح؟
• حياة كبار مسؤولي الدولة
خلال النظام البائد، عاش كبار المسؤولين حياة طاغوتيّة من ترف وفساد: قصور فارهة، وأملاك شاسعة، وحدائق عظيمة، وأموال وطنيّة تودع في مصارف خارجيّة، بينما كان الشعب يُحرم من خيرات البلاد ويُنهب نفطه بلا عائد. حتّى الزيارات القصيرة للملك إلى مختلف الأماكن، كانت تُبنى لها منشآت فاخرة بأموال الشعب. أمّا اليوم، فرئيس الجمهوريّة يعيش حياة بسيطة، ليس له بيت سوى ما ورثه من أبيه.
كما أنّ رئيس الوزراء والوزراء الحاليّين ليسوا كمن سبقهم من طغاة، إذ لم يفتحوا نيران الرشاشات على الشعب ولم يرتكبوا الجرائم؛ بل هم مشغولون بالخدمة، وحياتهم البسيطة خير شاهد على الفارق الجوهريّ بين النظامين.
أمّا المجلس، فلم يعد يضمّ طواغيت الأمس، بل شخصيّات شعبيّة اختارهم الناس بأصواتهم. فهل يصحّ القول، بعد التضحيات كلّها، من شهداء، ودماء، وجهاد، إنّ نظام الشاه استُبدل بنظام شاه آخر؟! هذا افتراء على شعب قدّم الغالي والنفيس ليقيم عدالة لا نهباً، وكرامة لا طغياناً. في الحقيقة، إنّ من يزعمون غير ذلك إنّما يكشفون جهلهم، ويفضحون أنفسهم بأقلامهم.
• القضاة البائدون
إنّ قاضي الشرع الذي يجب أن يعمل طبقاً للموازين الإسلاميّة الشرعيّة كان شيوعيّاً، هل الأمر كذلك اليوم؟ هل في مجلس قضائنا قضاة مثل قضاة العهد السابق؟ وكذلك الحال بالنسبة إلى محاكمنا. طبعاً، يوجد بعض الخلل في الجهاز القضائيّ في جميع أنحاء البلاد، لكن هل يقارن اليوم بالأمس؟
• الشرطة والقوّات المسلّحة في خدمة من؟
هل جيش اليوم وقيادته مثل جيش الشاهنشاه وقادته؟ كلا، ثمّة فرق شاسع بينهما في التفكير، والأسلوب، ونمط الحياة. هل أفراد الدرك الآن كما كانوا في عهد رضا خان، حين وضع يده في جيبه خوفاً من السرقة رغم أنّه «رئيس اللصوص»، وكانوا يُنشرون في الطرقات كأدوات قمع ونهب؟ اليوم، الدرك لا ينهبون ولا يسرقون، بل يؤدّون دورهم في خدمة الأمن. هذه الادّعاءات تأتي من الذين لا يطيقون رؤية الجمهوريّة، وتنبع من نفوسٍ خبيثة.
أمّا قوّات الشرطة، فقد عانى الشعب، وأنا منهم، من مخافر العهد البائد، حيث كان الشرطيّ يفترض أن يكون حارساً للشعب، لكنّه كان يخيفه ويعطّل أسواق طهران بتعسّفه. أمّا اليوم، فلا يفعل الشرطيّ ما كان يفعله هؤلاء سابقاً، والشعب نفسه لم يعد ذلك الشعب الخائف الذي يهاب شرطة المخافر.
• منزلة حرس الثورة وقوّة الشعب
بعد الثورة، انبعث الحرس الثوريّ من صميم الشعب في حركة عفويّة، لا كردّ فعل على الطاغوت فحسب، بل كمكوّن ملتزم ومتديّن لحماية النظام الجديد والبلاد.
هذا الشعب نفسه الذي كان يرتعب من شرطيّ واحد، حتّى إنّه كان يُجبر على تزيين الشوارع بالمصابيح خوفاً من العقاب، هو من ثار لاحقاً وقال بصوت واحد: «لا نريد أساس النظام الشاهنشاهي»!
لقد كان نظام حكم باسم الألفين والخمسمئة سنة، وكان في ذروة قوّته، مدعوماً من أمريكا والقوى الاستكباريّة، ومع ذلك، انتفض الشعب ضدّه، فلم يخَفْ دبّاباته ولا رشاشاته، وقضى عليه بصلابة وشجاعة غير مسبوقة.
نساؤنا اليوم لسنَ نساء عهد «صاحب الجلالة»؛ لم يعدن يظهرن كما كنّ في التلفاز أو الشوارع آنذاك، بل خرجن بحجابهنّ، شجاعات، وصانعات للجمهوريّة الإسلاميّة مع إخوتهنّ.
وماذا عن الشوارع؟ هل هي اليوم كالسابق؟ هل بيوت السوء، والحانات، ومراكز الفساد تملأ المدن كما كانت في الماضي؟
نعم، ثمّة نواقص كثيرة، لكن لا عجب في ذلك؛ فخلال الخمسين سنة السابقة، عُمل على إثقال البلاد بالقيود والتبعيّة، وإفساد كلّ شيء، خصوصاً الشباب. لكن مع بزوغ فجر الثورة الإسلاميّة، بدأ عهد جديد بالإصلاح، تقوده سواعد الأبطال وهمم الشعب المؤمن، لتحقيق ما يرضي الله، ولو سخط الساخطون.
* من خطاب له قدس سره بتاريخ 27 بهمن 1359 ه-. ش/ 10 ربيع الثاني 1401 ه-. ق، صحيفة الإمام، ج 14، ص 99 - 114.