إنَّ الاعتقاد بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يندرج ضمن الرؤية الكونيّة للأديان، التي تطرح إجابات شاملة عن الكون، والإنسان، ونشأة الوجود، ومعاده. ومن صلب هذه الرؤية ينبثق سؤال جوهريّ: إلى أين تسير البشريّة؟ فإذا شُبِّهت الحضارة الإنسانيّة بقافلة في مسيرة التاريخ، فما مقصدها؟ وما نهاية هذه الرحلة؟ تتّفق الأديان الإلهيّة، وحتّى ما استُلهم منها، تقريباً في الإجابة: إنّ هذه القافلة ستصل في النهاية إلى منزل موعود، وصالحٍ، ومحبوب، يحقّق الغاية من المسير البشريّ.
• العدالة مطلب عام للبشريّة
الخصوصية الأساسيّة لهذا الهدف، [الذي ستصل إليه البشريّة في نهاية الطريق]، هي العدالة، التي تعدّ مطلباً عامّاً للبشريّة منذ فجر تاريخها إلى آخر يوم من عمرها. إنَّ الذين يحاولون في مرتكزاتهم وأفكارهم وأصولهم أن يَجنَحوا إلى التنويع والتغيير والتحوّل وما إلى ذلك، لا يمكنهم إنكار هذه الحقيقة. البشريّة تَنشُد العدالة، ولم تغضّ الطرف يوماً عن هذا الهدف، الذي سوف يتحقّق في نهاية المطاف، وقد ورد في آثارنا: «يملَأُ الله بِهِ الأَرضَ قِسطاً وعَدلاً كما مُلِئَت ظُلماً وجَورا»(1)، وهذه إجابة الأديان كلّها.
يمكن تشبيه هذا الحال بقافلة تعبر منعطفات صعبة ومعابر عسيرة وجبالاً وودياناً ووحولاً وأشواكاً، وتجتاز الطريق مِن أجلِ أنْ تُوصِلَ نَفسها إلى نقطة معيّنة، فأين هي هذه النقطة؟ هي طريق مهمّة مفتوحة أو مستوية وسهلة. كلّ ما نشاهده في تاريخ البشريّة وإلى اليوم هو مسيرة في طرق وَعرة ومنعطفات صعبة ووسطَ أشواكٍ جارحة ووحول ومستنقعات، فتسير البشريّة على هذا الدرب لتصل إلى تلك الجادّة، التي تمثّل عصر المهدويّة ومرحلة [عصر] ظهور الإمام المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
• مسير نحو الخير والصلاح
هذا لا يعني أنّه عندما نصل إلى هناك، ستحصل حركة دفعيّة ثمّ ينتهي الأمر، لا، إنّما ثمّة مسير أيضاً. إنَّ الحياة الأصليّة والحقيقيّة للبشريّة ستبدأ بالسير من هناك في طريق الصراط المستقيم الذي يوصلها إلى الهدف من الخلقة. إنّه طريق يأخذ بيد أفراد البشريّة كلّهم. طبعاً، هذا لا يعني أنَّ الطبيعة البشريّة ستتغيّر في ذلك الحين، ذلك أنّها تميل إلى صراع ونزاع داخليّ بين الخير والشرّ؛ بسبب عقل الإنسان من جهة، وطبعه وغرائزه وأحكامها ونزعاتها من جهة أخرى. نتيجة ذلك، لن تتحوّل البشريّة كُلّها في ذلك العهد إلى ملائكة، بل سيكون ثمّة صالحون وطالحون، بيدَ أنَّ الطريق ستكون سهلة ويسيرة ومساعِدة على الصلاح والسير بصورة صحيحة نحو الهدف الحقيقيّ من المسيرة.
• لتعلم أنّ وعد الله حقّ
ثمَّةَ نقطة لافتة في الآيات التي تروي حادثة عندما تُلقي أمّ موسى بِوَليدِها النبيّ موسى عليه السلام وهوَ حديثُ الولادة في الماء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7). يوجد هنا وَعدان: أحدُهما إرجاع موسى إلى أمّه: ﴿إنّا رادّوهُ إلَيك﴾، والثاني، أنّه سوف ينقذ بني إسرائيل من فرعون، فيتحقّق على يده ذلك الأمل العظيم: ﴿جاعِلوهُ مِنَ المُرسَلين﴾.
وفي الآيات اللاحقة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (القصص: 13)؛ إنّنا حين نردُّ موسى إلى أُمّه، سوفَ تقرُّ عَينُها ولا تحزن. ولكن ثمّة أثر آخر لهذا الردّ، وهوَ: ﴿وَلِتَعلَمَ اَنَّ وَعدَ الله حَقّ﴾؛ لتعلم أنّ هذا الوعد الذي قطعناه إنّما هو صادق وصحيح، وليطمئنّ قلبها إلى هذا الوعد. هذا يعني أنَّ تحقّق وعد صغير من وعود الله يطمئن أيّ إنسان متأمّل ومتدبّرٍ إلى أنّ الوعد الكبير، المتمثّل بإحقاق الحقّ وظهور العدل في نهاية الزمان، سيتحقّق أيضاً لا محالة.
إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة هي أحد هذه الوعود. فقد وعد الله تعالى أنّكم إذا كافحتم وصبرتم وتوكّلتم عليه، فسوف يمنحكم القوّة والاقتدار من حيث لا تحتسبون ولا تتوقّعون. من كان يتصوّر أن تَظْهَر، في هذه المنطقة الحسّاسة وفي هذا البلد البالغ الأهميّة وفي مواجهة ذلك النظام المدعوم بشدّة من قِبل القِوى الدوليّة [نظام الشاه]، حكومةٌ إسلاميّة وتنتصر ثورةٌ ذات هويّة وتوجّه دينيّ؟ لا أحد. فالحسابات لم تكن تشير إلى هذا على الإطلاق. فلنعلم أنَّ ذلك الوعد الأساسيّ والأمر الكبير [ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ] سيقع أيضاً هو الآخر.
إنّنا ننتظر الفرج، وهذا بحدّ ذاته فرجٌ، ومبعثُ أمل، ومصدر طاقة، ويحول دون تفشّي الشعور بالعبثيّة والضياع واليأس والقنوط والتّيه والحيرة حيال المستقبل. إنّه يمنح الأمل ويرسم الخطّ والمسار. هذه هي قضيّة الإمام صاحب الأمر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ونتمنّى أن يجعلنا الله تعالى من منتظريه بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، ويُقرّ أعيننا بتحقّق هذا الوعد الإلهيّ.
* كلمة لسماحته قدس سره، ألقاها بتاريخ: 11/06/2024م.
1. كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 567.