المسجد... بيت الشهداء الثاني مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي»

المسجد منطلق التربية والثورة

لقاء مع فضيلة الشيخ عبد الكريم عبيد
حوار: الإعلاميّ محمّد كركي*


في العام 1976م، ولدت في جبشيت شرارة لم تكن لتخمد؛ صلاة جمعة أولى بإمامة الشهيد الشيخ راغب حرب (رضوان الله عليه)، في مسجد صغير، بحضور سبعة مصلّين. من ذلك المنبر، صار المسجد مركزاً للتربية، والتعبئة، والمقاومة، وغدت جبشيت نموذجاً فريداً في العمارة المسجديّة الحقيقيّة، لا بالحجارة، بل بالحضور، والكلمة، والتضحية.
في هذا الحوار، يستعيد فضيلة الشيخ عبد الكريم عبيد، رفيق درب الشيخ راغب والشاهد على تفاصيل تلك المرحلة، ذكريات بناء المسجد، وسهرات ليلة الجمعة، وخطابات المواجهة، وتحدّيات الاحتلال، ليقدّم لنا خريطة طريق حيّة لفهم دور المسجد اليوم، انطلاقاً من تجربة لم تُكتب في الكتب فحسب، بل نُسجت بدماء الشهداء وجهود الأهالي.

• المحور الأوّل: التربية المسجديّة
• لماذا نجد تأكيداً في الأحاديث النبويّة الشريفة وسيرة المعصومين عليهم السلام على ضرورة الاهتمام بالمسجد؟
نرى أهميّة ذلك في أمرين: الأوّل، أنّ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عندما هاجر إلى المدينة، قام بدايةً ببناء مسجد قباء حتّى يجمع الناس حول العبادة والوحدة. كذلك، من المعروف أنّ المسلمين حين دخلوا المدينة المنوّرة، بنَوا مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المعروف باسمه حتّى يومنا هذا.
الثاني، كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينشئ مساجد بعد الغزوات والحروب التي تُخاض في بعض المناطق، كما في معركتَي أُحد والأحزاب، إذ أصبح فيهما مسجدان بعد أن صلّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهما.
ولقد وُجّهت التربية المسجديّة إلى الجماعة، لا إلى الفرد؛ لأنّه إذا تحدّثنا عن التربية الفرديّة أو الخاصّة، فإنّ الآية الكريمة: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (يونس:87) تحدّدها بوضوح، كما كان عليه حال بني إسرائيل، حيث كان يستحبّ لكلّ إنسان أن يخصّص في بيته مكاناً للعبادة كمسجد خاصّ به. من هنا، جاءت فضيلة صلاة الليل.
لهذا السبب، ينبغي أن نبدأ بدراسة الحالة المسجديّة انطلاقاً من بُعدها التربويّ، لا من زاوية المكان فحسب. فالأهمّ من عدِّ المسجد مكاناً للصلاة والسجود هو تحويله إلى جامع حقيقيّ يجمع الناس، ويربّيهم، ويوحّدهم. فكلمة «جامع» تحمل في طيّاتها معنى صلاة الجماعة، وتشير أيضاً إلى الخصوصيّة التي تتميّز بها صلاة الجمعة. وعندما ننظر إلى الصورة الكاملة، يتّضح أنّ الإنسان هو الهدف الأساسيّ، والمطلوب منه أن يتكوّن ويترعرع في جوّ جامع يحتضنه في الأوقات كلّها: بعد الصلوات، وفي المناسبات، وفي أشهر النور. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من وضع برامج متكاملة تنفَّذ في قلب المسجد، تجمع الناس وتعزّز انتماءهم، وهو جهد جماعيّ تشترك فيه عناصر كثيرة، مثل إمام المسجد، ولجان المسجد، وفرق الكشّافة، والأخوات، والهيئات النسائيّة.


• كيف يتأثّر المؤمن معنويّاً وسلوكيّاً من خلال التربية المسجديّة؟
تُظهر الروايات عظيم الأجر المترتّب على ارتياد المسجد، كما ورد في الروايات: «من مشى إلى مسجد من مساجد الله، فله بكلّ خطوة خطاها حتّى يرجع إلى منزله عشر حسنات، ومُحيَ عنه عشر سيّئات، ورُفع له عشر درجات»(1). بل إنّ بعض الروايات يُشدّد في الحكم كما في حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد»(2). وقد حدّد النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّ عليه السلام أنّ «جار المسجد» من كان على بُعد أربعين منزلاً، وهو ما يشمل غالب سكّان قرانا. ومع ذلك، نرى كثيراً من الناس، حتّى في الحجّ أو عند زيارة المشاهد المقدّسة، يصلّون في فنادقهم ولا يستغلّون قُربهم من بيت الله.
والمفهوم البسيط الذي ينبغي ترسيخه هو أنّ المساجد بيوت الله؛ فحين ندخلها، ندخل مساحة اختصّها الله لنفسه، ونزوره فيها. ومن هنا، تأتي الآية الكريمة: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف:31)، داعيةً إلى التزيّن والتطيّب، والدخول بسكينةٍ ووقار، واحترام آداب المكان، كما نحترم قوانين المؤسّسات المختلفة.
من جهة أخرى، بيّن الله عزّ وجلّ أنّ إعمار المسجد ليس بالبناء وحده، بل بإحياء الدين فيه:﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة:19). لذا، ليس المطلوب الحضور الجسديّ فحسب، بل الحضور القلبيّ الكامل؛ بأن نلجأ إلى الله بكلّ جوارحنا وجوانحنا، وندرك أنّنا نقف في حضرته تعالى.

• المحور الثاني: المسجد منطلق الثورات المباركة
• كيف نفهم دلالة أولى خطوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المتمثّلة في بناء المسجد؟
تتجلّى قيمة المساجد في أنّها تجمع الناس وتحتويهم. والنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمعهم في الساحة، بل في بيته. في أيّامنا هذه، تعدّدت أماكن الاجتماع، من ملاعب كرة القدم إلى الحسينيّات وباحات عاشوراء. لكن في الماضي، لم تكن البيوت تتّسع لذلك، فاحتاج الناس إلى مكان يسعهم جميعاً، فكان المسجد، الذي لم يُبنَ على الزخارف، بل على السعة التي تجمع الناس؛ فجماليّته في إعماره بالمصلّين، لا بالحجارة والزينة. من هنا، يُسعى دائماً إلى توسعته.
وكانت أولى خطوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة بناء مسجد جمع فيه الناس، ثمّ انطلق منه يدعوهم إلى الجنّة عبر تطبيق أحكام الدين. بل كان المسجد وسيلة لنشر الأخبار، وما زال كذلك حتّى اليوم.
• كيف تصفون دور المسجد خلال الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران، وحضور الخطاب الإسلاميّ السياسيّ حينها؟
انطلقت الثورة الإسلاميّة من المدرسة الفيضيّة، التي تتضمن مسجد مركز تجمّع العلماء والمعروف بأمّ المساجد، لقربه من مرقد السيّدة المعصومة عليها السلام. وقد جسّد قول الإمام الخمينيّ قدس سره: «مساجدكم متاريسكم» حقيقةً عايشناها، إذ نُظّمت من المساجد حملات المواجهة ضدّ صدّام، مثل التعبئة، وجمع التبرّعات في صلاة الجمعة، وإرسال المؤن إلى الجبهة، وعقد الاجتماعات. فغصّت المساجد بالناس، وأصبحت بحدّ ذاتها ثورة، لا مجرّد مكان للصلاة.
ولأنّ صلاة الجمعة لا تصحّ من دون خطاب سياسيّ يواجه الظالم ويرعى أحوال الناس، فإنّ المسجد، حين يتحوّل إلى منبع وعيٍ ومقاومة، يصبح خطراً على الطغاة. ولهذا، سعى الشاه إلى ترويض أئمّته وقمع مجالس العزاء، وكلّ تجمّع شعبيّ.

• المحور الثالث: مسجد جبشيت والشيخ راغب
• هلا تذكرون دور مسجد جبشيت، حيث انطلقت أولى شرارات المقاومة من على منبره بخطابات شيخ الشهداء راغب حرب (رضوان الله عليه)؟
في العام 1976م، حصل الشيخ راغب حرب على إجازة إمامة صلاة الجمعة من السيّدين الخوئي والصدر (رضوان الله عليهما). أُقيمت أوّل جمعة بإمامته في مسجد الحاج محمود الفوعاني بحضور سبعة مصلّين، ثمّ توسّع الحضور حتّى انتقلنا إلى مسجد «شيث»، فحفرنا ممرّاً يربط الشرفة بالصالة الداخليّة لاستيعاب المصلّين. ولأنّ المسجد لم يعد يسعهم، انتقلنا إلى الحسينيّة، حيث كنّا نزيل الكراسي ونفرش الأرض حتّى الساحة الخارجيّة. واستمرّ هذا الوضع حتّى العام 1989م، حين أُسِرت.
• من شارك في بناء مسجد جبشيت الجديد، وما التحدّيات التي واجهها القائمون عليه؟
شارك في البناء عدد من القادة والشهداء، أبرزهم: الحاجّ عماد مغنيّة، والسيّد مصطفى بدر الدين، والحاج علي كركي، والسيّد هاشم صفي الدين (رضوان الله عليهم)، إلى جانب أعضاء من الاتّحاد اللبنانيّ للطلبة، فيما كان الشيخ حسن ملك M صاحب العمامة الوحيد الذي حضر حينها. استمرّ البناء منذ انتصار الثورة حتّى الاحتلال في العام 1982م، وخلاله استُشهد اثنان، أحدهما بطلق ناريّ، والآخر إثر سقوط سقف المسجد بسبب عدوان العدوّ الإسرائيليّ. كما أُصيب آخرون بجروح خطيرة في العام 1984م، ما أخّر البناء حتّى طُرد المحتلّ.

• ما الدور الذي أدّاه المسجد في جبشيت خلال مرحلة الاحتلال؟
رغم الحواجز والتعسّف، كان الناس يتوافدون سيراً على الأقدام من النبطيّة، وعبّا، وعدشيت، وشوكين، وغيرها، مجتازين الجبال والسهول ليصلّوا خلف الشيخ راغب (رضوان الله عليه). فخطاباته لم تكن مجرّد وعظ، بل كانت شرارة الانتفاضة. وصلاة الجمعة أصبحت محوراً للتجمّع والمقاومة، بغضّ النظر عن مكان إقامتها. حتّى بعد اعتقاله لم تتوقّف، كنّا نتناوب على إمامة الجمعة، حيث كنت أنتقل من بيروت قبل الفجر لأؤدّي الجمعة ثمّ أعود. حتّى بعد إغلاق جسر الأوليّ، كنت أمشي مسافات طويلة لأصل إلى سيّارة تقلّني. واستمرّت الجمعة والجماعة من دون انقطاع حتّى بعد استشهاده، وهذا هو جوهر الروح المسجديّة.

• إلى أيّ حدّ ساهم المسجد في بناء وعي المجاهدين وتربيتهم؟
المسجد لم يُعمر بالحجارة فحسب، بل بحضور الناس.
شبابنا وقادتنا ارتبطوا به، نمّوا حالتهم الروحيّة فيه، وقضوا فيه أجمل سنين شبابهم، حتّى من كان في وضع أمنيّ حسّاس. وقد ربّوا فيه أجيالاً، وتركوا أثراً تربويّاً عميقاً. وتجسّدت رؤية الشيخ راغب في قوله: «ما كان لله ينمو»؛ إذ لم يقصد فقط دم الشهيد، بل كلّ عمل يُقام خالصاً لله.
وقد أُنفق على بناء المسجد آنذاك 650 ألف دولار، جميعها من تبرّعات أهالي جبشيت، بعد أن دُمّر وأُعيد بناؤه ليصبح أكبر مسجد في لبنان والجوار بمساحة 600 متر مربّع، بلا أعمدة في المنتصف، ليتّسع لصلاة الجمعة.

• كيف ساهم حضور الشيخ راغب (رضوان الله عليه) وحضوركم في مسجد جبشيت في غرس الروح المسجديّة في الشباب؟
لقد كان للشيخ راغب (رضوان الله عليه) دور محوريّ في تعزيز الروح المسجديّة بين أهالي جبشيت. فمنذ السبعينيّات، تعمّدنا إحياء ليلة الجمعة بقراءة دعاء كميل، في سهرة ودّيّة يجتمع فيها الناس لمناقشة الأوضاع العامّة، والتبرّع لبناء المسجد. وهكذا، تأسّست نواة المسجد.
ولعلّ ما يدلّ على أثرها العميق أنّ هذه السهرة البسيطة كانت من أسباب استشهاد الشيخ راغب، لأنّها شكّلت موقفاً جامعاً لقلوب الناس. ومن الأحداث اللافتة في تلك الفترة جمع 90 ألف دولار خلال أيّام عاشوراء العشرة فقط، رغم وجود الاحتلال؟!
كلّ ذلك يعود إلى صدق الناس وروحيّة المسجد؛ فقد قدّم هؤلاء ما يملكون، إيماناً بأنّهم يبنون بيوتاً في الجنّة.

• ما الكلمة الأخيرة التي توجّهونها إلى أولئك الذين يحملون همّ بيوت الله اليوم؟
الكلمة الأخيرة هي دعوة جامعة موجّهة إلى ثلاث فئات أساسيّة، تنطلق من واقع التحدّيات التي تواجه العمل المسجديّ اليوم:
أوّلاً: إلى علماء الدين: شباباً وكباراً، دون تفريق في الرتبة أو السنّ: استمرّوا في الحضور في المسجد ولو صلّى خلفكم فردٌ واحد، وواصلوا إعطاء الدرس ولو استمع إليكم شخص واحد، وشاركوا في المآتم ولو قلّ الحضور. فأنتم ورثة الأنبياء، وعليكم أن تؤدّوا زكاة علومكم.
ثانياً: إلى عامّة المؤمنين: احضروا في المسجد بنيّة زيارة بيت الله، وأنصتوا لمن يعلّم، وصلّوا خلف من يؤمّكم، وخذوا العلم والفائدة. فالمسجد ليس مكاناً للأشخاص، بل لربّ الناس.
ثالثاً: إلى أبناء الشهداء، والجرحى، والأسرى، والمجاهدين، وإخواننا وأخواتنا في الله: أنتم عزّنا وفخرنا، ولا تستهينوا بأنفسكم؛ فشريحة صغيرة من المجاهدين استطاعت أن تصدّ جيش العدوّ رغم الدعم العالميّ الذي يتلقّاه. أكملوا درب من سبقكم، وحافظوا على الروح المسجديّة، فإنّ صاحب هذا البيت، وهو الله، سيحفظكم ويرعاكم.

 
1. وسائل الشعية، الحرّ العامليّ، ج 5، ص 201.
2. ميزان الحكمة، الريشهري، ج، ص 2033.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع