المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً! مع الإمام الخامنئي | المبعث حيّ... ونحن مخاطَبون*

الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني

نسرين إدريس قازان

 

الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني (الحاجّ أمين)

الاسم الجهاديّ:
الحاجّ أمين.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله 6 أبناء.
محلّ الولادة وتاريخها: بيروت، 10-3-1965م.
محلّ الشهادة وتاريخها: الضاحية الجنوبيّة، 27-9-2024م.

 

في ضيافة عائلة الحاجّ أمين يتسرّب الحنين من نظرات الحاضرين فيلفح قلبك، فيقع النبض في هوّة الفراق المرير والصبر الجميل في آن. طالعتنا صورته وهو يحتضنُ شهيدين، هما زوجا ابنتَيه، فترتبك مشاعرنا أمام العائلة، وهم يحتفون بقدومنا بضيافة أُعدّت مسبقاً تُشبهُ دفء منزلهم؛ الشاي والجوز والزبيب، وذكريات تنبضُ بالحياة معلّقة على الحائط.
اختار الحاجّ أمين اسمه الجهاديّ تيمّناً بزيارة أمين الله التي كانت ملجأه لتيسير الأمور وقضاء الحوائج. واسمه عبد الأمير؛ عبدُ الولاية والجنديّ المجهول، فكان يراه الناس في الحجّ الذي قصده ما يزيد على سبعة عشر عاماً، وهنا في المسجد، وفي وصايا صغيرة خطّها بيده.

• في فلك الحاجّ أمين
كانت البداية مبهمة، لعدم معرفتنا بالحاجّ أمين ومهامه لسرّيّتها التامّة، فخرجنا بعد ثلاث ساعات وقد فاضت السلال وما خفي أكثر بكثير. تخبرنا ابنته زوجة الشهيد جواد كامل عواضة، الذي واجه العدوّ في الخيام من المسافة صفر: «عندما تأكّد جواد من رحيل والدي عبر محادثة هاتفية مع صهري الشهيد حسن عبد الله، لم يتّصل بي ويعزّيني، فقط قال له إنّه لن يعود»، فيضيف زوج أختها: «لم نكن مجرّد أصهار الحاجّ أمين ولا كأبنائه فحسب؛ علاقتنا المتبادلة، وعلاقة العائلة بعضها ببعض، تتجاوز كلّ تسمية. إنّها كتلة واحدة منصهرة تدور في فلكه. كلّ ما نفعله يُضبط على إيقاعه، حتّى صار ذلك ينعكس على بيوتنا. مثلاً: كان لا يفطر إلّا بعد أن يصلّي ويقرأ الدعاء والقرآن، فاقتدينا جميعاً به، حتّى باتت مائدة الإفطار، كما العشاء في غير الأيّام، لا تُفرش قبل العاشرة مساء». تغصّ الدمعة في عيون بنات الحاجّ أمين وابنه، الجالسين معنا ليستمعوا من عمّهم، رفيق درب والدهم، إلى سيرة الرجل الذي نشأوا في كنفه، ولم يعرفوا عن عمله الجهاديّ سوى لقب «المجاهد». وقد أجابنا العمّ عن أهمّ سؤال كان يراودنا: «ماذا كان يعمل الحاجّ أمين تنظيميّاً؟»، فأجاب: «هو مسؤول الجهوزيّة في المقاومة الإسلاميّة، أي بناء القدرة العسكريّة على صعيد العديد والتشكيلات والعتاد. وبعد استشهاد الحاجّ محسن شكر، أصبح عمله مباشرة مع سماحة السيّد الأقدس حتّى ارتقى معه».

• من الملعب إلى الجهاد
قبل الشروع بالحديث عن تاريخه الجهاديّ، والذي لا تتّسع الأوراق لتفيه حقّه، يخبرنا عن أخيه عبد الأمير، لاعب كرة القدم المحترف في نادي النجمة الرياضيّ منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره، فتوقّع له الجميع حينها بمستقبل باهر. ويكمل قائلاً: «لكنّ أخي كان له مخطّط آخر، فهو ملتزم دينيّاً منذ صغره، وكان شابّاً حكيم الرأي، يعمل برويّة في تيسير أموره، ويحتاطُ في كلّ شيء». هنا، تضحك ابنته الكبرى وتقول: «من أين لكم هذه؟ وما الغاية منها؟ وكيف حصلتم عليها؟ هي أسئلة دائمة ومتكرّرة كان يطرحها علينا والدي عندما نخبره عن شيء اشتريناه».

• مسؤوليّات كثيرة
ننتقل للحديث عن حياته الجهاديّة، فيقول شقيقه: «كنّا نسكن في الشياح، وقد عمل الشهيد على بناء نفسه روحيّاً مع رفاقه في مكتبة الشهيد مطهّري في اتّحاد الطلبة، وكان إلى جانب الحاجّ عماد مغنيّة منذ بدايات العمل الجهاديّ العسكريّ، ثمّ اختاره للعمل الأمني، نظراً إلى شخصيّته الكتومة. وسنة بعد أخرى، طلب من الحاجّ عماد أن ينقله إلى العمل العسكريّ، فعُيّن في العام 1985م مدرّباً في التكتيك والتخريب، وهو ما سُمّي لاحقاً بوحدة الهندسة. وشارك في العديد من العمليّات العسكريّة النوعيّة في التخطيط والاستطلاع والتنفيذ، وكان هو راصد عمليّة علي الطاهر مع الشهيد سمير مطوط. ثمّ سافر إلى إيران في العام 1987م، ليعود ويتولّى مسؤوليّة التدريب في جنتا». ويكمل مبتسماً: «لقد سمّاه المجاهدون في إحدى الفترات بـ(عزرائيل)؛ فمن أراد نيل الشهادة، كان عليه أن يرافق الحاجّ أمين».
يتابع شقيقه سرد تطوّر عمل الشهيد الجهاديّ، قائلاً إنّه كان قد تولّى مسؤوليّات عدّة، منها الاستطلاع المركزيّ لعمليّات الحرس، ثمّ انتقل إلى غرفة عمليّات المقاومة، فوحدة يونس. وكان له مشاركات عدّة في العمليّات النوعيّة، وقد رافق الحاجّ رمضان (اللواء محمّد سعيد إيزدي) إلى مرج الزهور في الجنوب، حيث التقيا بالشهيد الرنتيسي ورفاقه، ومكثا معهم لأشهر، وقد أسّسوا للتعاون مع المقاومة الفلسطينيّة، وأضاف: «على الرغم من ذلك كلّه، لم يهمل ممارسة هوايته المفضّلة، كرة القدم. حتّى في التسعينيّات، عندما كان عمله وبيته في البقاع، كان يتوجّه إلى بيروت للمشاركة في تدريبات فريق البرج الرياضيّ ومبارياته».

• صمت وإنصات
أخبرتنا ابنته أنّ والدها كان يتنقّل بهم من قرية إلى أخرى بسبب عمله الجهاديّ، فلم يعيشوا الاستقرار الحقيقيّ إلّا بعد أن تولّى مسؤوليّته الأخيرة. ولكنّه على الرغم من غيابه، فقد كان حاضراً بقوّة في تفاصيل حياتهم، فقالت: «أمّي هي من عزّزت حضوره في حياتنا، فقد ربّتنا على مبدأ أنّ والدي شخص مقدّس، وأنّ كلّ خير في حياتنا هو بسببه»، تضحك هنا ثمّ تردف قائلة: «حتّى إنّها كانت تخبرنا أنّ علاماتنا المدرسيّة الجيّدة بحسنة والدنا»! يكمل زوجها: «شخصيّة الحاجّ أمين جاذبة جدّاً، وأكثر ما كان لافتاً فيه قدرته العجيبة على الإنصات، فهو رجل صامت ومنصت في الوقت نفسه، يتفكّر بالأمور قبل أن ينطق بها، ونقاشه مع الآخرين قائم على قاعدة منهجيّة التفكير والدليل، بناءً على البُعد الدينيّ، ثمّ يعطي إجابته المتينة بنبرته الهادئة، وغالباً ما كان يحمل قلمه ودفتره ليدوّن ملاحظاته حتّى أثناء الأحاديث اليوميّة».

• رجل العبادة والتأمّل
يشرح لنا شقيقه شغف الحاجّ أمين بالعلم والمعرفة، وكيف أنّه كان لا يترك باباً للعلم إلّا وطرقه، وقد تعلّم في الجامعة العلوم السياسيّة والجغرافيا، وكان الكتاب رفيقه الدائم، ولكنّه لم يكن من الذين يقرأون الصفحات بهدف المعرفة فحسب، بل للتفكّر في كلّ شيء.
وضع الحاجّ أمين برنامجاً عباديّاً يوميّاً للعائلة، تخبرنا إحدى بناته: «كان يتّصل بنا ليتأكّد من قراءتنا لحديث الكساء. وقد أسّس برنامجاً عباديّاً للعائلة، بدءاً من صلاة الجماعة، إلى مسابقات دينيّة بأسلوب جاذب، ويقدّم لنا الجوائز. وفي كلّ ليلة جمعة، كنّا نمضي معه إلى المسجد، لقراءة دعاء كميل. ولا أذكر حزناً لوالدي كحزنه عند انتهاء شهر رمضان المبارك، فالهلال عنده رسالة فراق حبيب لحبيبه، وليالي الشهر الفضيل هي للوصال مع الله عزّ وجلّ».
تخبرنا ابنته الكبرى عن مشاركته العاشورائيّة: «كان يقترب من أيّ موكب للمساعدة، ويبادر إلى إعداد الطعام وتوزيعه، حتّى قرّر في أيّامه الأخيرة أن يستأجر مكاناً ليخصّصه لمجالس العزاء. أمّا نحن، فقد حوّلنا صالة المنزل، على صغرها، إلى هيئة أمين الله للمجالس وإحياء المناسبات».

• جهاد حتّى الرمق الأخير
عندما اندلعت حرب الدفاع عن المقدّسات، كان في إيران، فعاد على عجالة لينظّم التشكيلات، ويشارك في العمليّات، يقول شقيقه: «لم يمكث هنا كثيراً حتّى سافر إلى العراق لمواجهة داعش، وبقي هناك نحو سبع سنوات، وكان جنباً إلى جنب مع أبرز القادة الذي هزموا العدوّ التكفيريّ. وبعد عودته، أكمل مهمّته كمسؤول للجهوزيّة».
تتزاحم الذكريات مع تاريخ عريق وطويل، لرجل اختار طريق القدس منذ أن كان في العشرين من عمره، وقد رافق الأمين العام الأقدس (رضوان الله عليه) طوال سنوات، حتّى ارتقى في غروب ذلك اليوم معه ومع ثلّة من القادة المجاهدين في غرفة العمليّات.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع