المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً! مع الإمام الخامنئي | المبعث حيّ... ونحن مخاطَبون*

كواليس «ذكرياتي مع أبي»

لقاء مع السيّد محمّد مهدي نصر الله
حوار: ولاء إبراهيم حمّود


كلّنا نحبّ أباءنا، ونعتزّ بهم وبنسبنا إليهم، ولكنّنا في هذا الحوار، أمام أب أحببناه جميعاً وافتخرنا على العالمين أنّه منّا، وأنّنا منه. نحن الذين عشنا معه سنوات وعقوداً ثلاثة، كان فرحه أفراحنا، وحزنه أحزاننا، حتّى ألمه من رشح الشتاء ذات إطلالة، أحسسناه في حناجرنا. إلى هذا الحدّ وأكثر تماهينا معه، فوعدناه كباراً وصغاراً: «سنخوض البحر معك».
عن هذا العظيم الذي شهد له أعداؤه، كتب نجله السيّد محمّد مهدي نصر الله كتاباً يروي ذكرياته معه، جمع فيه كلّ ما نشتاق إليه، وقدّمه لنا في كتاب من صدق ووفاء وعناية.
في هذا الحوار، سألنا الابن الذي بدا وكأنّه ما زال يحتفظ بكثيرٍ ممّا لم يقله؛ فكتب، ثم تحدّث. والآن، إليكم تفاصيل حديثه ومشاعره التي صاغها في كتابه عن والده سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه).

• المحور الأوّل: من الذاكرة إلى الورق
• كيف نشأت عندك فكرة كتابة كتاب «ذكرياتي مع أبي»؟
في مقدّمة الكتاب، أشرت إلى فكرة وجوب تدوين ذكرياتي مع أبي، قبل أن تتدخّل المخيّلة، فتُدخل تفاصيل من وحي خيالها، فتنقص هذه الذكريات أو تزيدها. فكان دافعي الأساسيّ الحفاظ على صدقها وحرارتها، تماماً كما عشتها. ولأنّي أعلم كم يحبّ الناس أبي، وكم عظمت محبّتهم في قلبه، رأيت أنّهم يستحقّون أن يعرفوه أكثر، كما أنّ له حقّاً أن يتعرّفوا عليه. هذا الحقّ المتبادل، دفعني إلى أن أبدأ بالكتابة والنشر، لكي يستفيد الناس من كلّ قصّة دوّنتها، خاصّة تلك التي تحمل موقفاً أخلاقيّاً وإنسانيّاً، فيطّلعون من خلالها على جوانبه الخفيّة التي لم تظهر للعلن، فيتأكّدون بذلك أنّه كان يطبّق ما يقوله خلف الشاشة في حياته الخاصّة. وعندما يدركون ذلك، سيحبّونه حتماً أكثر.
إضافة إلى ذلك، كان ثمّة تشجيع من أحد العلماء الأجلّاء على ضرورة الكتابة، ما أوقد في نفسي شعلتها، فباشرت بها من دون تردّد.

• كيف تقيّم كتابك الأوّل بعد انتشاره؟ وماذا عن تأثيره على الناشئة والأجيال القادمة؟
لقد فاق الكتاب توقّعاتي في الرواج، والفضل بعد توفيق الله عزّ وجلّ يعود إلى شخصيّة سماحته الفذّة والفريدة. وقد تأكّد لي ذلك من خلال الرسائل والشهادات الصادقة من قرّائه، الذين أكّدوا أنّهم اطّلعوا من خلاله على جوانب جديدة من شخصيّته الجامعة، واستخلصوا عِبراً عميقة من كلّ موقف ورد فيه.
هذا الأثر الطيّب يبشّرني بأنّ للكتاب دوراً فعّالاً في بناء نفوس الأجيال القادمة، التي ستتعرّف من خلاله على السيّد الحبيب، الباقي روحاً ونهجاً، كما عرفناه نحن من قرب.
وإنّني عازمٌ، بإذن الله، على أن أقدّم دائماً كلّ ما هو حقيقيّ ومفيد عن سماحته، وسأبذل جهدي الكامل لتقديمه بأفضل صورة ممكنة، سواء كان ذلك عبر كتاب جديد، أو رواية، أو مقال، أو فيلم. كما سأستخدم وسائل التواصل الاجتماعيّ لنشر مقاطع فيديو ومنشورات تعكس هذا التراث العظيم؛ أوّلاً، وفاءً للقائد الملهِم والملهَم، وثانياً، تخليداً لذكرى الأب الحبيب الغالي. والله من وراء القصد.

• كيف ستتلقّف كتابات غيرك أو أعمالهم في مجالات أخرى عن قائدنا العظيم؟
أنا أدعم كلّ مبادرة تخلِّد لأجيال الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف مآثر هذا العظيم، قائداً وحبيباً ووالداً، في أيّ مجال كان، ومن أيّ كان، طالما أنّ الصدق رائدهم في ما يكتبون ويرسمون وينشدون، فهي جهود مباركة جديرة بالتقدير والتشجيع.
السيّد الشهيد ليس مُلْكاً خاصّاً لعائلته الصغيرة فقط، بل إنّه ينتمي لأمّته التي بادلته عشقاً بعشق، حتّى بعد استشهاده. لذلك، أطلب من كلّ من يملك موهبة أدبيّة أو فنيّة أن يطلقها في هذا السبيل، ويعرض ما لديه بأسلوب راق يعرِّفنا من خلاله على جوانب ربّما خفيت عنّا جميعاً، وله في ذلك كرامة الدنيا وثواب الآخرة.

• المحور الثاني: ما وراء سطور الكتاب
• ما القيمة العاطفيّة التي تضيفها إلى مشاعرك تجاهه؟
إنّها قيمة حبّ أعمق وأسمى، تُضاف لمن وهب حياتنا الكرامة والعزّة. لقد امتلك سماحة السيّد حسن فرادة في كثير من الصفات الممدوحة، كالتضحية والإيثار؛ إذ ضحّى بحياته عندما وضع نفسه في موضع الخطر كي نبقى نحن في أمان، ونحيا حياة طيّبة هنيئة. كما كان يخرق أحياناً القيود الأمنيّة ليعاين بنفسه حياة الناس من كثب، ليلاً ونهاراً.

• ذكرت في قصّتك الأولى أنّك تردّدتَ في طرح سؤالك عن العدل الإلهيّ على سماحته. ما سبب ذلك؟
خلال اتّصال هاتفيّ معه، خطر لي أن أطرح عليه السؤال، فاستأذنته في طرحه، فاستجاب مشكوراً.
غير أنّي لاحظت أنّ إجابته تتطلّب مقدّمات وتفاصيل قد لا يوفيها الاتّصال الهاتفيّ حقّها. وحرصاً على أن تكون الفائدة أعمّ وأشمل، خاصّة أنّي كنت طالباً حوزويّاً آنذاك، استأذنته في تأجيل السؤال إلى لقاء مباشر بيننا، فاستجاب على الفور، بسلاسته المعهودة ومحبّته المشهودة.

• أيّهما كان أكثر تأثيراً وأعمق إبلاغاً في كتابتك عنه: مهابته كقائد عظيم أم خصوصيّته كأب؟
صدقاً، لم تنفصم عرى هاتين الصفتين يوماً أمامي، بل كانتا متلازمتين في شخصه الرائع. كان يقود الحياة في أسرتنا بالرحمة التي تتجلّى في ابتسامته ولطفه ورحمته، التي ما كانت تكسر هيبته ووقاره. وما كان مزاحنا معه ينتقص من فرادته وهيبته كقائد.
وقد انعكس هذا التوازن الدقيق في شخصيّته على علاقتنا التي كانت محكومة بالأُبوَّة الرحيمة والطابع الأسريّ.

• ما الذي ساعدك في طرح مواضيع شائكة، وأنت في مقتبل العمر، مثل «الغلوّ في وصف الأئمّة»؟
لم أكن أتكلّف أبداً في طرح أيّ سؤال. كنت أسأله كلّ ما يخطر في بالي، وكان يجيبني دون تردّد.
كان يريحنا كثيراً حين يدعونا صراحةً إلى طرح أيّ إشكال أو قضيّة، إذ لم تكن لديه أيّ مشكلة في ذلك.
كنت ألجأ إليه في كلّ ما أحتاجه، لأنّي وثقت تمام الثقة بعلمه، وتقواه، وورعه، ودقّة تحليله للأمور.
كان بالنسبة إليّ الشخص الوحيد الذي يمنحني إجابة صحيحة مئة بالمئة، لأنّها كانت دائماً تتماهى مع النصّ القرآنيّ، الذي كان مصدره الأوّل والأخير. حتّى لو وصلتني إجابات متعدّدة من غيره، لم تكن تكفيني؛ لأنّني كنت أجد اليقين دائماً عنده.

• كيف كان يتعامل سماحته مع الموضوعات الحسّاسة التي يتردّد الأبناء عادةً في طرحها؟
كان سماحته يُشعر الأقارب أو الغرباء، الذين كانوا يتلعثمون في حضرته هيبةً، بالارتياح، فيلطّف جوّ الحديث ويشجّعهم على طرح ما يخطر في بالهم، خصوصاً في القضايا ذات الشأن العام.
فكيف بحالنا نحن أولاده؟!
كان يذيب تردّدنا بكلماته اللطيفة مثل: «تفضّلوا، ما تستحوا»، أو «ما تعتلوا همّ، احكوا، مش مشكل، قولوا اللي بدكن إيّاه». بهذه الطمأنينة، كنّا نطرح عليه كلّ ما نحتاجه دون حرج. وقد كنت أخشى أن أفوّت فرصة الاستفادة من علمه الغزير ومعرفته العميقة، لذا، كنت أستثمر كلّ لحظة معه، ولا أتردّد أبداً في سؤاله عن أيّ شيء يعنيني، مهما بدا حسّاساً أو صعباً.

• كيف كان وقت سماحته المزدحم بقضايا أمّته وهمومها يتّسع لمثل هذه الحوارات؟
كان وقت سماحته مزدحماً أكثر ممّا تتخيّلون. فقد حمل على كاهله هموماً لا تطيقها جبال، ومع ذلك، كان يخصّنا نحن الشباب الثلاثة وشقيقتنا زينب، باهتمام خاصّ، فيصغي إلينا، ويجيب عن أسئلتنا، ويبدّد هواجسنا. لقد استفدنا منه قدر المستطاع، ولم تحرمنا ظروفه الأمنيّة من فيض محبّته واهتمامه.
• كيف كان سماحته يخصّص وقتاً لتعقيبات الصلاة والأعمال المستحبّة؟
كان السيّد الأقدس ينظر إلى معظم الموضوعات من زاوية آثارها. كان يرى أنّ كلّ مهامه ومسؤوليّاته تجاه أمّته من واجباته التي يجب إتمامها. ولأنّ المستحبّات تعدّ من العبادات التي لها عظيم الأجر والأثر في تيسير الأمور الدنيويّة النبيلة لأمّته، فقد التزم بتوصيات أهل البيت عليهم السلام بعدم ترك المستحبّات. وكان يرفض أن يتّخذ كثرة المشاغل ذريعة لتركها؛ فحرص، مثلاً، على أداء الصلاة في أوّل وقتها، والإتيان بتعقيباتها ونوافلها رغم انشغالاته الجسيمة.

• لماذا رأيت أنّ طاعته واجبة عليك؟
لم تكن طاعته واجبة وملزمة لي بسبب أمر فرضه عليّ، أو عمل أجبرني عليه، أو ضغط أكرهني على ما لا أريده، بل كانت واجبة في نظري لأنّه بالنسبة إليّ وليّ مفترض الطاعة. كان أباً لا يقدّم القول دون الفعل، بل يسبق قوله بسلوكه، فيُظهر في كلّ لفتة منه جمالاً جديداً، وينبّهنا بكلّ هدوء وحكمة إلى ملاحظات مهمّة تفرض قيمتها من خلال صواب فعله وقوله، لا عبر سلطة أو إكراه. لم نعرف منه شيئاً من ذلك يوماً.

• ورد في إحدى قصصك قول سماحته: «أرجو أن تصبر عليَّ في التحدّي، ولا تهزمني شرّ هزيمة». كيف كان يواجه حقد أخصام الداخل ولؤم العدوّ؟
كان سماحته يميّز بوضوح بين أعداء النفس والأعداء الخارجيّين، كأمريكا والعدو الإسرائيليّ وحلفائهما، ويعتبر أنّ لكلّ عدوّ طريقة جهادٍ خاصّة به:
جهاد النفس يكون بترويضها بالتقوى، أمّا مواجهة الآخرين فتتعدّد أشكالها بين جهاد إعلاميّ، وسياسيّ، وثقافيّ، وعسكريّ.
وكان حريصاً على الحضور في هذه الميادين كلّها، بما يتناسب مع متطلّبات كلّ مرحلة. وليس خافياً أنّه كان بارعاً في إدارة الحرب النفسيّة والإعلاميّة ضدّ العدوّ في المعارك كلّها، خصوصاً في حرب تمّوز 2006م، بحيث أدرك العدوّ الإسرائيليّ مصداقيّته وموثوقيّته.
وفي معركة أولي البأس، حرص سماحته على استثمار نقاط القوّة والضعف معاً، إذ دأب في كلّ حوار أو إطلالة، على التذكير بالنصر الآتي، ولو بعد حين، وبأنّ الشهادة فوز يحمي حياة الأجيال.
كان ينتقي كلماته بدقّة، ويُبرز الجوانب الإيجابيّة حتّى في أشدّ الأحداث فجاعة، ولا ينكر ألم جمهوره أو يهمل معاناتهم، لكنّه يوجّه الأنظار بحكمة إلى ما فيه لطف إلهيّ. وكان دائم التأكيد، اتّباعاً لرؤية الإمام الخمينيّ قدس سره والإمام الخامنئي دام ظله، على أنّ المعركتين الإعلاميّة والثقافيّة قد تكونان، في كثير من الأحيان، أخطر وأهمّ من المعركة العسكريّة نفسها.
بهذا، نختتم حوارنا الذي كان أشبه برحلة داخل قلب عاش بين الأبوّة والقيادة، بين الدفء العائليّ وهموم الأمّة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع