تحقيق: علي الأكبر البرجي
يعدّ البقاع اللبنانيّ أوسع السهول الزراعيّة وأكثرها إنتاجاً في البلاد، لكنّ هذا السهل الذي كان يُعرف بـ «خزّان لبنان الزراعيّ»، يقف اليوم أمام خطر بيئيّ داهم: التصحّر. فالغطاء النباتيّ يتراجع، والتربة تفقد خصوبتها، والمناخ يسجّل تغيّرات غير مسبوقة، فيما تبقى جهود البلديّات محدودة مقارنةً بحجم الكارثة البيئيّة المتنامية.
• تراجع الغطاء النباتيّ... الأرقام لا تُرحم
وفقاً لتقارير منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، فإنّ مناطق شرق المتوسّط، ومنها لبنان، تُصنَّف ضمن أكثر المناطق عرضةً للتصحّر نتيجة التغيّر المناخيّ والممارسات البشريّة. وتشير بيانات الأقمار الصناعيّة (M عليها السلامDIS – NDVI) إلى انخفاض واضح في مؤشّر الغطاء النباتيّ في مناطق واسعة من البقاع بين العامين 2001م و2023م.
ووفق دراسة صادرة عن الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB) عام 2022م، فإنّ:
· نحو 32% من الأراضي الزراعيّة في البقاع شهدت تدهوراً في خصوبة التربة.
· معدّل الأمطار تراجع بنسبة تقارب 18% خلال العقدين الأخيرين.
· درجات الحرارة ارتفعت بين 1.2 و1.5 درجة مئويّة، وهو ما يسرّع التصحّر ويزيد فقدان الرطوبة.
وبحسب تقرير الهيئة الحكوميّة الدوليّة للتغيّر المناخيّ (MODIS – NDVI)، فإنّ التصحّر عالميّاً يتسارع بمعدّل يتراوح بين 30 و35 ضعف المعدّل التاريخيّ، ما ينعكس بشكل مباشر على الأنظمة الزراعيّة الهشّة مثل البقاع.
• مشروع تحريج مقنة
على مستوى المجتمع المدنيّ، قدّمت الناشطة البيئيّة هدى رعد تجربة فريدة من نوعها في مقنة، بدأت عام 2013م مع مشروع التحريج في لبنان. تروي رعد:
«زرعنا 37,830 شجرة على مساحة 28 هكتاراً. وأنشأنا سياجاً وشبكة ري كاملة لحماية الموقع الذي يشكّل واحداً من أكبر عقارات البلدة». لكنّ الأزمة الاقتصاديّة التي حلّت بلبنان منذ 2019م انعكست مباشرة على المشروع، بحيث «تعرّض السياج للتلف، وخسرنا جزءاً من الأشجار. ومع ذلك، ما زال قسم كبير منها حيّاً، ونعمل على إعادة إحيائه». وتسعى رعد اليوم مع البلديّة والجمعيّات لاستعادة دعم المانحين مشيرة: «هدفنا تحويل الموقع إلى منتزه طبيعيّ ومسارات مشي، ليصبح مساحة عامّة لأهالي البلدة، والسعي للمساهمة في الحدّ من التغيّر المناخيّ الحاصل في منطقتنا».
• بلديّات البقاع... محاولات جادّة
تحاول البلديّات البقاعيّة، رغم محدوديّة التمويل، تنفيذ مشاريع صغيرة للحدّ من التدهور البيئيّ. وتسعى بلديّة مقنة اليوم إلى توسيع رقعتها الخضراء، يقول رئيس البلديّة ممدوح المقداد في حديثه لمجلّتنا: «التغيّر المناخيّ والانهيار البيئيّ يفرضان علينا جميعاً تعزيز الغطاء الأخضر. زرعنا الصنوبر والزيتون لأنّهما الأنسب لمناخنا، ونعمل على الاهتمام بهما منذ مرحلة الغرس حتّى التثبيت.» ويضيف المقداد: «الصعوبة الأكبر في بلدتنا هي الرعي العشوائيّ والقطع الجائر للأشجار. نحاول التوفيق بين حاجة المزارعين الذين يعانون من غلاء الأعلاف، وضرورة حماية الأشجار الصغيرة والسعي لتحريج مساحات أكبر، لكنّ هذه الخطط تحتاج إلى توجيه ورعاية حكوميّة، بالإضافة إلى زيادة اليد العاملة، على صعيد حرّاس الأحراج والمعدّات اللوجيستيّة».
أمّا على مستوى تراجع منسوب المياه، فيوضح: «إنّ شحّ المياه مشكلة عامّة. ومع أنّنا نملك صهريجاً للسقاية في المراحل الأولى، رغم الكلفة الكبيرة التي تتكبّدها البلديّة، ونبذل لذلك ما نستطيع للحفاظ على ما زرعناه، إلّا أنّ تراجع منسوب المياه، خاصّة الجوفيّة منها، يثقل كاهل البلديّة ويؤثّر بشكل مباشر في إمكانيّة توسيع الرقع الخضراء». ويختم المقداد: «التشجير أولويّة لدينا، ونتمنّى أن يزرع كلّ فرد شجرة واحدة على الأقلّ. فالمناخ يتغيّر، والشجرة ليست ترفاً بل ضرورة».
ورغم الجهود المبذولة، تبقى الخلاصة واضحة بأنّ البلديّات وحدها عاجزة عن مواجهة التغيّر المناخيّ من دون دعم حكوميّ واستراتيجيّة وطنيّة.
• جهاد البناء: مبادرات وحلول
من جهتها، تستعدّ مؤسّسة جهاد البناء الإنمائيّة لإعادة إطلاق مشروع «الشجرة الطيّبة» في موسم 2025م- 2026م، كما يؤكّد مديرها في البقاع، خالد ياغي: «نطلق سنويّاً حملات تشجير بالشراكة مع وزارة الزراعة والجمعيّات والكشّاف والمدارس والبلديّات. ونوزّع الغراس المثمرة والحرجيّة بأسعار رمزيّة تشجيعيّة». ويشرح ياغي أنّ المؤسّسة تتّجه إلى زراعة الأشجار التي تتحمّل الجفاف: «بسبب التغيّر المناخيّ، نفضّل الأصناف التي تحتاج مياه أقلّ مثل الرمّان، واللوز، والجوز، والتين، والصنوبر المثمر». ويكشف عن دراسة جديدة يجري إعدادها: «نعمل على إطلاق شهر تحفيزيّ لشراء الغراس بالتعاون مع المشاتل، إضافة إلى برنامج يسمح للمتبرّعين بتبنّي مجموعات من الأشجار». كما تستمرّ المؤسّسة بمشروع «علّم وشجّر» الذي يوزّع غرسة زيتون لكلّ طالب ناجح في الشهادة المتوسّطة، مؤكّداً أنّ «الغرسة هنا ليست شجرة فقط، بل علاقة تربويّة بين الطالب والأرض».
نتعرّف في العدد المقبل، بإذن الله، على أحد النماذج الناجحة في مواجهة التصحّر، وهل ثمّة موقف دينيّ بخصوص ذلك؟