مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*) أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*) الزهراء عليها السلام جمعت خواص الأنبياء عليهم السلام المهندس: "القـائد الرساليّ" سليمانيّ: "رسولٌ إلى سامرّاء" من نهج الرسول: رجال يحبهم الله فقه الولي: من أحكام الرهن آلام المفاصل: الأسباب وطرق العلاج جـهـاد التبـيـيـن في تراث المعصومين عليهم السلام

نظام القضاء في الإسلام

آية الله جوادي آملي


- حلقة أولى -
تمر علينا في الآيات القرآنية الكريمة، آيات عديدة تعالج "نظام القضاء" معالجة شاملة لا بد من الوقوف عليها والإمعان فيها.

ودراسة هذه الآيات واستخلاص النتائج المتوخاة منها تتم في فصول هي:
1- ضرورة القضاء والذي لا يمكن أن يعيش الإنسان بدونه.
2- معيار القضاء.
3- أدب القاضي، وما يعتبر فيه من الأوصاف، وما له من الحقوق، وما عليه من الوظائف الخاصة.
4- وظيفة المتخاصمين في تعيين الرجوع إلى الموازين التي عيَّنها الوحي لا غيرها، والمنع من الإعراض عنها، والاعتراض على ما صدر من منبع القضاء.
5- ما له مساس بالقضاء كالشهادة، وما على الشاهد من التكاليف.
وتندرج في هذه الأمور مباحث مهمة لا بد من الكلام حولها، واستفادة النظرة القرآنية فيها. فإلى الفصول الآتية.

* الفصل الأول: ضرورة القضاء
الإنسان مخلوق اجتماعي لا يقدر أن ينفصل عن الآخرين انفصالاً كلياً في زاوية الخمول والانفراد، كما لا يمكنه أن يتحد مع غيره من كل جوانب الاتحاد، لما يحمله كل شخص من الأفكار الخاصة والصفات التي تختص به والأعمال التي يميل إليها بطبعه وينفرد بها ولا يشاركه فيها غيره كلاً أو بعضاً.
وإذا لم يتمكن الإنسان من الانفراد والإخلاد إلى الوحدة المطلقة ولا الاتحاد الصرف مع الآخرين، فلا بد أن تظهر الخلافات بين الأفراد والجماعات، ويقع النزاع فيما بينهم، وتحدث المشاجرات حول المصالح الخاصة، وغيرها "كل يجر النار إلى قرصه".

فلو لم تكن هناك ضوابط يرجع إليها الناس وملاكات بها يتميز الحق عن الباطل، لاختلَّ النظام، وانهدم المجتمع الإنساني وسادت الفوضى بين الناس. وفي النصوص القرآنية الكريمة دلائل على ما قلناه:
أما الأول: وهو كون الإنسان اجتماعياً، فيدل عليه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
إذ لو لم يكن الإنسان اجتماعياً بالطبع، وكان يمكنه أن يعيش وحده، لما احتاج إلى تكون الشعوب والقبائل، لأنه لم يحتج إلى التعارف المتوقف على الروابط الاجتماعية المفروض انتفاؤها.

وأما الثاني وهو كون التنازع ضرورياً فيدل عليه قوله تعالى:  ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ وقوله تعالى:  ﴿وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .
فلا يصح جعلهم أمة واحدة لأن ذلك الإلجاء مناف للتكليف، بل مناف للتكامل أيضاً، بل هذا الإلجاء مناف للحكمة أيضاً، إذ أن الاختلاف في الجملة أمر نافع كاختلاف كفتي الميزان، وبه يتحقق القسط ويتجنب عن الحيف.
وهذا اختلاف مقدَّس ممدوح، إذ المذموم منه هو خصوص ما كان بعد تبين الرشد من الغيِّ، واتضاح الحق.

ولقد أشار إلى هذين القسمين من الاختلاف قوله تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .
فإن المستفاد من صدر الآية أن الإنسان البدائي كان ساذجاً في عقائده، سليم الفطرة، بعيداً عن الزيغ والهوى، وإن كان يختلف مع بني نوعه في بعض شؤونه الحياتية. والاختلاف في مثل هذه الأمور لا بد منه في مسيرة حياته، لأنه خلق معدَّاً للكمال، وهذا دخيل في مراحل تكامله.
ولأجل تعديل هذا الاختلاف وبيان ما هو الحق عند التنازع فقد أنزل الله تعالى الكتاب المصحوب بالحق، يدور معه حيثما دار.
وعن تبيين الحق واتضاحه، انقسموا إلى قسمين، فبعضهم آمن واتبع ما جاء به الكتاب، وبعضهم لم يؤمن بغياً وعدواناً.
هذا هو الاختلاف في العقيدة، وهو الاختلاف المذموم.

وأما الثالث: هو لزوم تعيين الضابط لحل الاختلاف- فيدل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ .
فإنه عز شأنه ذمهم باختلال أمرهم، وأنهم وقعوا في هرج ومرج بتكذيبهم الحق، فيلزم عليهم الرجوع إلى الحق، والتجنب عن ايجاد المرج، والمحافظة على النظام الصحيح.
لقد اهتم الإسلام في دفع هذا الاختلاف بالتعليم والتربية والتهذيب والتصفية، وأكد الحث على الاعتصام بحبل الله المتين وعدم التنازع الموجب للفشل، وأوجد الإخاء والتآلف بين المؤمنين، وجعلهم رحماء بينهم وإن كانوا أشداء على الكفار.

ووصفهم بأنهم أمام الباطل كأنهم بنيان مرصوص، وأن بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ودعاهم إلى الدخول في السلم كافة وأن لا يشذوا عن ربقة الإسلام ولو بشبر "إذ الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب" ومدح الذين يستغفرون الله تعالى لهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، وعرفهم بأنهم يدعونه تعالى بأن لا يجعل في قلوبهم غلاً للذين آمنوا... إلى غير ذلك من الأوصاف السامية الموجبة لدفع الاختلاف المانعة لتكونه في الجوانح أو بروزه في الجوارح، حيث أدبهم بأن الله يعلم ما يخفون في أنفسهم وما يبدونه بجوارحهم.

وأن في رفع هذا الاختلاف- بالتحاكم إلى الله ورسوله، والرد إليه، وتحكيمه فيما شجر بينهم، وعدم العدول عنه إلى غيره، وأن حكمه هو المرجع القضائي الوحيد لفصل الخصومات وحل الخلافات، وأن ليس لأحد الخيرة فيما قضى الله ورسوله- صوناً للنظام، وحفظاً للوحدة. لأن القضاء هو الضامن لتطبيق النظام العادل، والمانع من الاضطراب في الأمور، والموجب لاستقرار كل شيء في مقره الخاص ورجوع كل حق إلى صاحبه ونيل كل ذي حقٍ حقه.

من هنا سميت القضيه "قضية" لأن المحمول ما لم يتبين وضعه وحكمه بالنسبة إلى الموضوع ولم يتعين حكمه بالقياس إلى المحمول سلباً أو إثباتاً، يكون الإنسان متردداً غير مطمئن إلى شيء، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى إلى أن يتبين الرشد من الغي ويمتاز الصحيح من السقيم. ويحكم العقل بأمر خاص، ويقضي بحكم مخصوص.
فتحصل الطمأنينة النفسية وتزول عنه الشكوك، فيتصف حينئذ ذلك الأمر بلحاظ أجزائه المتصورة بالقضية، كما وتتصف تلك الصورة النفسانية بلحاظ مقدماتها التصورية بالتصديق.

* الفصل الثاني: ميزان القضاء
قد تبين في الفصل السابق أن القضاء ضروري في حفظ النظام والحد من الجموح، ونعطف العنان في هذا الفصل إلى البحث عن المعيار فيه ومعرفة ميزانه، فنقول:
يحتمل بادئ الأمر استقلال العقل الإنساني في ذلك، وأن مداره هو ما ناله البشر المتفكر برأيه من دون الرجوع إلى الرسالات السماوية بل من دون الحاجة إلى ذلك رأساً.
ولكن التعمق في دليل ضرورة القضاء وتحتمه يرشد إلى عدم كفاية العقل الإنساني في ذلك، وأنه قاصر عن تعيين ميزان القضاء وتحديد مداره، لأن الإنسان- كما تقدم- ليس موفقاً في كل آرائه ونظرياته مع غيره من بني نوعه، فكل شخص يرى نفسه مصيباً فيما يراه وغيره مخطئاً فيما يذهب إليه، ويتخيل أن رأيه الصائب النافع للناس، ورأي غيره هو القاصر الضار لهم.
فينشأ النقاش الفكري والنزاع العلمي والأخذ والرد.
هذا بالإضافة إلى أنه جبل الكلَّ على النفع إلى النفس والقوم والعشيرة واعتبر أنهم أولى من غيرهم به، وهذا يؤثر كل الأثر في كيفية وضع القانون وتطبيقه.

* والنتيجة:
إن العمل للاختلاف الموجب لضرورة القضاء لا يمكن أن يكون رافعاً للاختلاف وعاملاً لحل الخصومات.
ومن هنا نستنتج أن العقل الإنساني غير كافٍ لتوفير السعادة في المجتمع البشري بالاستقلال، بل هو سراج ينير الطريق ويهدي سالكه إلى الهدف المنشود، ونعني به الطريق الذي دلَّ عليه الوحي الإلهي.
وإذا كان العقل البشري- لقصور باعه العلمي واحتفافه بدواع زائفة نفسانية- غير كاف لتعيين ميزان القضاء، فينبغي البحث عما هو المعيار الكامل للحكم بين الناس. ويتم ذلك بالنظر في أمرين:
أحدهما: قصور الفكر البشري وعدم توصله إلى بيان المعيار القضائي، والآخر هو: نبوغ الوحي الإلهي وصلوحه لتبيين النظام القضائي، لأنه مستمد من الغيب وخارق لنواميس الطبيعة، كما سيظهر ذلك- إن شاء الله-.

أما الأمر الأول، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿رسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .
حيث دل على أن العقل وحده غير كاف لنيل الكمال والهداية إلى السبيل الأقوم، إذ لو كان ذلك كافياً لصح الاحتجاج بهبة العقل والاستناد إلى إرشاده. فلو ارتكب الناس إثماً، وفعلوا باطلاً، كانت حجة الله عليهم قائمة بأن العقل الذي أوتوه قد نهاهم عنه، فلم لم يتبعوه، ولم خالفوه، ولصح حينئذ تعذيبهم على ما ارتكبوا من الذنوب وما اجترحوه من السيئات.
ولكن القرآن الكريم لا يصحح التعذيب قبل الارسال، ولا يجوزه، فقد قال تعالى:  ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً .

وقال عز شأنه:
 ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى .
دل هذا على أنه ليس من سنن الله تعذيب العباد قبل إرسال الرسل، والإذلال والإخزاء والأهلاك بالعذاب قبل بعث الأنبياء، وإلا لاحتج هؤلاء عليه تعالى بأن ذلك كان قبل إتمام الحجة.
ومما يدل على قصور باع الفكر البشري وأنه ليس محيطاً بجميع المصالح والمفاسد حتى في أقرب الأمور إليه قوله تعالى عن بيان توزيع الإرث وتعيين النصاب الخاص لكل واحد من الوارث:  ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً
وكذا قوله تعالى عند بيان لزوم الإيمان بالوحي وعدم جواز التولي عنه:   ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون .

حيث يدل على ما أن ما عند البشر من العلم لا يضمن توفير السعادة له وإلا لم يكن الاكتفاء به مذموماً، ومما يدل على أن الإنسان لا يقدر على إقامة القسط وتعيين ميزان القضاء العادل بما أوتي من العقل، قوله تعالى:
 ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ .
فإنه يدل على أن الغاية المترتبة على ارسال الرسل مع البينات وإنزال الكتاب معهم، هو قيام الناس بالقسط، فلو كان الإنسان قادراً بعقله على إحراز القسط بدون الوحي لما احتيج إليه.
والسر في أن الإنسان غير قادر على تعيين المعيار للقضاء هو:
إن الإنسان موجود له عوالم ودرجات أو دركات، ينتقل من عالم إلى عالم ومن مرتبة إلى أخرى وهو موجود دائمي لا يفنى وإن كان ينتقل من دار إلى دار، فعليه لا بد من تكامله بأمر لا يزول ولا يفنى ولا يضر بدنياه ولا بآخرته.

ومن المعلوم أن تعيين ما هذا شأنه يحتاج إلى العلم المحيط بحقائق الإنسانية وما به يترقى إلى الدرجات العلى أو يهوي إلى الدرجات السفلى.
وأين هذا من الإنسان الذي قد أوتي من العلم قليلاً ولا يدرك كثيراً مما ينفعه أو يضره؟

وأما الأمر الثاني- وهو صلوح الوحي الإلهي لبيان النظام القضائي لا غيره- فيدل عليه غير واحد من الآيات القرآنية:
منها قوله تعالى:  ﴿...َمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ

وقوله: ﴿.. مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

وقوله: ﴿... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
وسيتضح الفرق بين الكفر وغيره من السيئات الطارئة حال القضاء.

ومنها قوله تعالى:  ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
فقد دل على أن الحكم لا بد وأن يكون حكم الله المعين بالوحي أو حكم الجاهلية. هذا يشمل كل حكم وقانون يتبعه الناس، سواء توسم ذلك القانون بالمدينة أم لم يتوسم، وسواء تقبله كل الناس أو بعضهم أو رفضوه.
والسر فيه، أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، واتباع ما ليس من الله تعالى يوجب البعد عن الصراط المستقيم المفضي إلى دار السلام، فإن الطريق اثنان، لا ثالث لهما مهما سميت الطرق، طريق الله عز شأنه الهادي إلى سواء السبيل وطريق الطاغوت الهاوي في المهوى السحيق.

ومنها، قوله تعالى:
 ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
تدل الآية على أن المرجع الوحيد لحل الخلافات هو حكم الله لا غيره، سواء كان ذلك في الحقوق والأموال، أو في غيرهما.

ومنها، قوله تعالى:
 ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
فجعل مدار الحكم هو ما أنزله الله لا غيره.
إلى غير ذلك من الآيات الحاصرة لميزان القضاء في الوحي الإلهي الدالة عن أن ما عداه جاهلية وطاغوت، وأن غير دين الله لا يقبل، وأن غير سبيل المؤمنين لا يهدي إلى الرضوان ودار السلام، بل يسوق إلى السخط ودار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار، لأنه ليس سبيلاً هادياً إلى سواء القصد، ولذا خاطب عز وعلا، المنحرفين عن الوحي المعرضين عن الرسول بقوله: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾.

ومن هنا يظهر المراد من العلم الذي قد حث الله تعالى على ألا يقولوا ما لا يعلمون ولا يكذبوا ما لا يعلمون، وأكد على أن تصديقهم وتكذيبهم لا بد أن يكون عن علم، وإثباتهم ونفيهم عن بصيرة، فقال تقريعاً للمكذبين بغير علم:  ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .
وقد دلت هذه الآية على الاقتصار على خصوص القول عن علم والتصديق عن بصيرة كما في قوله عزَّ من قائل:  ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاًَ .
يراد من العلم في هذه الموارد ونظائرها مما يرجع إلى ما له مساس بالسعادة والحياة الطيبة، ما يكون مطابقاً لما أنزل الله تعالى على رسوله، فإنه هو المصون عن آفة الجهل والنسيان والطغيان، وهو الذي يصلح أن يكون مناطاً ومداراً وحيداً للقضاء.
وأما العقل فهو مستقل في الأصول الدينية، وبإرشاده يمكن معرفة الله تعالى والتصديق به ونفي الصفات الزائدة عنه، وهكذا معرفة الرسول ولزوم عصمته وبراءته عن الذنب والخطأ في التبليغ، ومعرفة أصل المعاد وعودة الإنسان بروحه وبدنه للمحاسبة، ولكن العقل مع هذا قاصر عن درك كثير من الشؤون الراجعة إلى هذه الأصول المهمة، كما أنه قاصر عن درك المصالح والمفاسد الخفية في الأشياء والأفعال والسنن والآداب.

فلذا يحتاج دائماً إلى تسديد الوحي فيما يدركه ويحتاج إلى تعليمه فيما لا يناله بالاستقلال، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونََ.

ونتيجة هذا الكلام:
إن معيار القضاء هو الميزان الذي أنزله الله بالوحي ووضعه للناس ليقوموا بالقسط والعدل فيما بينهم.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع