مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

أمراء الجنة: القائد الحاج حسان اللقيس

 نسرين إدريس قازان


هو الشهيد المجاهد الصامت.. والقائد المجهول..
أحدٌ لن يعرف من يكون..


كان الحاج حسّان أكثر من يعلم أنّ العدو الإسرائيلي يلاحقه، وكيف له أن ينسى وقد استشهد ولده البكر علي الرضا في حرب تموز من العام 2006 جرّاء ذلك؟! وكان يدرك جيداً التطور التكنولوجي الذي يستطيع من خلاله العدو تشخيص مكانه، ولم يمنعه ذلك من التنقّل وحيداً بسيارته أو بسيارة الأجرة، فالمهم أن يصل إلى وجهته الآنية، أمّا وجهته الاستراتيجية فقد كان وضعها منذ ما قبل العام 1982، الشهادة في سبيل الله..

*من أين نبدأ؟
أن يكون الحاج حسان اللقيس هو كما كُتب عنه في صفحات الجرائد أو لا يكون، ليس هذا المهم، بل الأهم هو ما كتبه في حياته الشخصيّة والجهاديّة من سطورٍ يتحيَّر المرء من أين يبدأ بقراءتها! فالرجل الذي قال عنه رئيس جهاز الموساد السابق "مئير داغان" إنه: السبب الرئيس بجعل حزب الله يمتلك قوة عسكرية لا تملكها 90 % من الدول، أو إنه عمل على بناءِ منظومة التصدّي والصمود مع الحاج عماد مغنية عام 2006، أو إنه رجل المشتريات العسكريّة والتكنولوجيّة لحزب الله، لا يزيد كل هذا في أهميّته كإنسان أسر مَن حوله برفعَة أخلاقه، وسموّ نفسه. كان مصداقاً فريداً بين المجاهدين، وفي المجتمع على حدٍّ سواء..

الحبّ، هو كنزه الثمين الذي امتلكه طوال عمره الذي كان محفوفاً بالتعب.. تعبٌ لم يترك بارقة على مُحياه يوماً، فمن يَرَه يعيش بهدوء وسكينة، يتملّى من كل شيء حوله، لا يخطر في باله أنه نفسُ الرجل المُلقى على عاتقه عملٌ قد ينوء بحملِه غيره من الرجال..

*دائماً مع الأهل والأصدقاء
الحاج حسان، الذي لم يُعرف له اسم جهادي، وبالكاد تُعرف رتبته التنظيمية بين المقرّبين، عاش حياته في بحبوحة ويسرٍ، إذ كان والده وعدد من أقربائه يعملون في التجارة في أفريقيا، وقد قضى قسطاً من طفولته هناك، قبل أن تعود العائلة لتستقر في مسقط رأسها بعلبك، وليكمل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت بموازاة بدء تعرّفه إلى مجموعة من الشباب المؤمن والمجاهد أواخر السبعينيات..

وعلى غير عادة أولئك الذي يتحلّون بذكاء علمي بحت، تميّز الحاج حسان بذكاء اجتماعي وعاطفي ونباهةٍ فريدة وفراسةٍ اختصرت عليه الكثير في تعامله مع الناس. كل ذلك خوّله تكوين صداقات ومعارف قوية داخل لبنان وخارجه، حافظ عليها لسنوات، فلم يتغيّبْ عن جنازته سوى الأصدقاء الذين ارتحلوا عن هذه الدنيا، وكُثر هم الذين قَدِموا من الخارج للمشاركة في رحيل هذا "الفريد من نوعه" كما عبّر أحدهم.. فالوفاء الذي طالما عامل به الآخرين، كان مدرسةً بحقّ، تعلّم منها رفاقه أنه لا يجب أن يمنع الإنسان أي شيء عن مواكبته للحياة الاجتماعية، حيث يركن المرء إلى أهله وأصدقائه. وكانت منظومة الصداقة التي نسجها الحاج حسان متنوعة تضم المجاهد والقائد، والبائع والتاجر، ما عكس الشمولية التي امتازت بها شخصيته.

* ويكبيديا تكنولوجية
برزت شخصيته القيادية مع بدايات عمله الجهادي في العام 1982، إذ كان متفوقاً بين أترابه وقد ساعدته اللّغتان الفارسية والإنكليزية اللتان أتقنهما على فتح آفاقٍ أمام تعطّشه الشديد للثقافة والمطالعة والمعرفة، وخصوصاً في الشؤون التكنولوجيّة، فعمل على بناء نفسه وتطويرها، حتى وصل إلى نقطة وُصِف معها بـ"الويكيبيديا التكنولوجية العسكرية" بين من يعرفه، إذ صار بمقدوره مناقشة أي تفصيل من التفاصيل الدقيقة جداً في أي سلاح من دون الاستعانة بأي كتابٍ أو أقصوصة من ورق، فما يطّلع عليه يُطبع في ذاكرته، فلا يصدرُ كتاب أو مجلة تهتم بهذا الشأن إلا ويكون الاطلاع عليها ضمن رُزمة أولويّاته..

* قائد يجاهد بصمت
منذ أن كان عنصراً وإلى ما بعد القيادة، لم يتغير شيء في الحاج حسّان سوى تبلور شخصيته ونضوجها، فهو ذلك المتواضع البسيط، الذي لا يفتأ يبادر إلى التواصل مع الآخرين ليسأل عن أحوالهم، ويتابع شؤونهم ويتفقدهم، وهو القائد الذي يطهو الطعام للأفراد العاملين معه، ويساعدهم ويخدمهم ويغسل الصحون عنهم، ويدقق في مشاكلهم ليساعدهم في حلها. لم يسمح يوماً لانشغالاته أن تمنعه من حضور درس ثقافي أسبوعي، أو مجلس عزاءٍ، أو زيارة اجتماعية، أو تفقّد مريض.. وهو القائد الذي لم يكن يقبل أن يرافقه أحد لأنه لم يرَ نفسه إلا مجاهداً في هذه المسيرة، فاعتمد بتنقلاته على حذاقته الأمنية فحسب، وكان يدري أن استعماله للهاتف الخلوي خطرٌ محدق، ولكن على شخصه فقط، ولم يكن هذا ليمنعه من مواكبة عمله الذي كان يدور به في أقطار العالم.

بين البقاع وبيروت قضى أيام عمره بهدوء مفرط، كان يُغبَط عليه. عاش حياته بسلاسة ومن دون تعقيد، يحلّ مشاكل من حوله بأقل خسائر ممكنة. لم يترك لأي مشكلة في يوم من الأيام أن تستفزّه، أو أنْ تكسر صمته، وكان أقصى ما يمكن أن يردّ به على من ينتقده هو تلك الابتسامة المحبّبة التي لم تفتُر يوماً على شفتيه..

* كالقطب من الرّحى
وكما مع أصدقائه ورفاقه المجاهدين، كان مع أهله وفي المجتمع، هو القطبُ من الرحى، بيته يكاد يكون بيتاً للناس جميعاً، تراهُ يحمل همّ الجميع، هو الذي لم يترك يوماً للهمّ أن يكدر عليه صفو عيشه الذي اصطفاه من تلك الطمأنينة والسكينة التي تجلّت على صفحات وجهه.

عندما يلمح الحاج حسان أحدهم يبادره بالسلام، ولا ينتظر مبادرة منه. تراهُ يقترب من الشخص بابتسامة عريضة وحفاوة مميّزة، يسلّم ويحضنُ الآخر فيشعره بمحبة واهتمام، حتى وإن كان ليس من معارفه. فالأب لسبعة أولاد - توفي له ولدان - كان يتعامل مع مَنْ حوله مِنْ منطلق الأبوة التي عامل بها أولاده، فكان محباً وحريصاً وحنوناً في تعامله.

* "خذ حتى ترضى"
في تموز 2006 استشهد ابنه البكر علي الرضا، وكان هو المستهدف بذلك، فافتخر بولده كثيراً، ولاح في طيّات حديثه شوقٌ للشهادة لم يستشفه منه إلّا المقربون. بعد سنة من ذلك توفيت ابنته آية ولها من العمر 16 عاماً. تزامن ذلك مع رحيل والده ووالدته، فلم تكسره الرزايا، بل عكست عُمقاً في شخصه، ووضع صورة لهم جميعاً في منزله كتب عليها: "خذ حتى ترضى"، وبهذا التسليم كان الحاج حسان يواجه الحياة ونوائبها.
لم يصدر عنه يوماً أي تصرف يشي بمسؤوليته في حزب الله، ولهذا فوجئ الناس بشهادته، وخصوصاً في بعلبك حيث يقطن، فهو لم يظهر يوماً إلّا كما عرفوه منذ زمن بعيد، ذلك الرجل الأنيق بتعامله المضياف الكريم، الذي كانت له وجاهة بين الناس والمهتم بأدق التفاصيل في ودّ العلاقة معهم، وحسبه أنه كان الحاج حسان، لا غير..

المجاهد الصامت، والقائد المجهول.. استشهد غيلةً.. وليس ذلك غريباً، فهو قال قبل سنة: "إذا كان الجهاد باباً فتحه الله لخاصة أوليائه، فالشهادة باب فتحه الله لخاصّة خاصّة أوليائه..".
وبعد رحيله، ترك الكثير من علامات الاستفهام حول شخصه داخل حزب الله، وفي العالم على حدّ سواء، مَنْ يكون؟ وما هو المنصبُ الذي شغله في حزب الله؟

لن تكون سرّيته آخر الدروس التي نتعلم منها في هذه المسيرة التي لا تميط اللّثام عن وجوه عظمائها إلّا الشهادة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع