مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟

مسجدٌ أُسِّس على التقوى

الشيخ د. لبنان حسين الزين*


اعتنى الإسلام عناية كبرى بالمسجد؛ بوصفه مركزاً للتربية العقديّة والاجتماعيّة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ* رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 36-37).
ونظراً إلى أهمّيّة المساجد ومكانتها وفضلها، فقد نسبها اللّه تعالى إليه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18)؛ مؤكّداً أنّ الأعمال التي تنطلق منها وتُمارس فيها، لا بدّ من أن تكون مرتبطة به سبحانه، ولهدف مصلحة الإسلام، ووحدة المسلمين.
لذلك، نجد أنّ أعداء الإسلام كانوا وما زالوا يسعون لتخريب مساجد الله؛ لما تشكّله من قاعدة للتوحيد ومنطلق للثورة ضدّ ظلمهم وطغيانهم واستبدادهم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة: 114).
فما المراد بالمسجد في الإسلام؟ وما دوره وعلاقته بالتوحيد والتقوى؟ وما هي حادثة مسجد ضرار؟ وكيف نستفيد من دروسها وعِبَرها في واقعنا؟


• مفهوم المَسجِد ودوره
«سجد» في اللغة أصل يدلّ على تطامن وانحناء وذلّ في الشيء(1). وحقيقة السجود هي خضوع العبد وتسليمه المطلق لله تعالى؛ بحيث لا يبقى في النفس أثر للأنا، وترتفع الحجُب بينه وبين ربّه، فيرى نفسه محض العبوديّة والتعلّق بالله تعالى والارتباط به.
والمسجد هو من السُّجُود؛ وجُعل ذلك عبارة عن التّذلَّل للَّه وعبادته. وخُصّ السّجود في الشريعة الإسلاميّة بالرّكن المعروف من الصلاة، وكذلك سجود التلاوة، وسجود الشّكر، وقد يُعبّر بالسجود عن الصلاة: ﴿وأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (ق: 40)؛ أي: أدبار الصلاة. والمَسْجِدُ: موضع الصلاة؛ اعتباراً بالسجود(2).
فالمسجد هو المَوضِع والمكان الذي يتحصَّل فيه ارتفاع الحجب بين العبد وربّه: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ (الجن: 18)؛ ليتحقّق بحقيقة العبوديّة والقُرب: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

• مسجد ضرار
بنى المنافقون مسجداً في المدينة المنوّرة؛ لصرف المؤمنين عن مسجد قبا، وقد عُرِف هذا المسجد‍ بـ «مسجد ضرار». وتناول القرآن الكريم هذه الحادثة؛ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ* أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 107-110).

• خلاصة الحادثة
إنّ جمعاً من المنافقين جاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وسألوه الإذن لهم ببناء مسجد في حيّ بني سليم؛ قرب مسجد قبا، رفقاً بالمصلّين من المرضى والشيوخ والعجزة، وبكلّ من يشقّ عليه الحضور إلى مسجد قبا عندما تُمطر السماء؛ لكي يؤدّوا فريضة الصلاة. وكان سؤالهم إيّاه عندما كان عازماً على التوجّه إلى تبوك لمواجهة الروم. فأذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وقد طلبوا منه أن يقيم الصلاة فيه، فأخبرهم بعزمه على التوجّه إلى تبوك، على أن يأتي مسجدهم بعد رجوعه.
وقبل عودة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من مقصده والدخول إلى المدينة المنوّرة، نزل الوحي عليه بالآيات المتقدّمة؛ كاشفاً عن حقيقة عمل المنافقين!
فلمّا دخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، جاؤوا إليه وطلبوا منه إقامة الصلاة في مسجدهم والدعاء لهم بالبركة. فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحرق مسجدهم وهدمه، وجعل مَوضعه محلّاً لرمي الأوساخ والقاذورات!(3).

• دوافع هدم مسجد ضرار
قد يسأل المرء: ما الضير في بناء مسجد، ولا سيّما أنّه للرفق بالمسنّين والمرضى والضعفاء للحضور للصلاة بفعل عوامل الطقس؟!
لكنْ لو أمعنّا النظر، لرأينا أنّ فعل حرقه وهدمه هو في غاية الحكمة ومنتهى الصواب.
وبيان ذلك: أنّ رجلاً في الجاهليّة من الخزرج، نافذاً فيهم، اسمه أبو عامر، اعتنق النصرانيّة، وسلك مسلك الرهبانيّة. فلمّا أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، كان من المناوئين له، وتآمر عليه مع المشركين، وحرّض منافقي المدينة على بناء مركز ومقرّ في المدينة لمواجهته صلى الله عليه وآله وسلم وإبطال دعوته. لكنّ ذلك لم يكنْ مقدوراً عمليّاً للمنافقين آنذاك! فعمدوا إلى بناء مركزهم المشؤوم تحت غطاء المسجد!

• موقف الوحي من مسجد ضرار
لقد فضح الوحي الإلهيّ عمل المنافقين الخبيث، وأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحرق مسجدهم وهدم بنيانه واجتثاث جذوره النفاقيّة!
وقد بيّن القرآن أهدافهم الخبيثة؛ وهي:
- إلحاق الضرر بالمسلمين: ﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾.
- تقوية شوكة الكفر: ﴿وَكُفْرًا﴾.
- التفريق بين المسلمين: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
- تأسيس مركز للكفر والشرك والنفاق، والانطلاق منه لمحاربة الإسلام: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وبذلك، كشف مخطّطهم المشؤوم، الذي حاولوا أن يُلبسوه لباساً جميلاً ويُظهروه بمظهر حسن: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾؛ وهذا هو ديدنهم في كلّ زمان ومكان؛ بالتوسّل بالأيمان الكاذبة والحجج الواهية؛ من أجل تضليل الرأي العام وتعميته عن أهدافهم الخبيثة! لكنّ الله تعالى كشف باطنهم وبيّن كذبهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وأمر نبيّه بأن يواجه مشروعهم الشيطانيّ التخريبيّ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، فالمسجد الذي أُسِّس على الكفر والنفاق يقوِّض أركان الدين!

• مسجد المتّقين
المسجد لا بدّ من أنْ يتأسّس على أساس الإيمان والتقوى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾؛ ومسجد كهذا مرتادوه هم رجال مؤمنون ينشدون طهارة الظاهر من الأوساخ والنجاسات، وكذلك طهارة الباطن من الكفر والشرك والنفاق والذنوب: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
ومسجدٌ أسّس على التقوى خيرٌ من مسجد أسّس على النفاق والكفر: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ فمسجد المنافقين؛ كأنفسهم وبقيّة أعمالهم، متزلزل ومضطرب: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾؛ بينما مسجد المؤمنين المتّقين؛ كنفوسهم مُستَحكِم البنيان، وكأعمالهم دائم ومزهر.
إنّ مسجد المتّقين هو ذلك المركز المُفعَم بالنشاط الإيجابيّ على المستويين الدينيّ والاجتماعيّ، لذا، لا بدّ من الحفاظ عليه؛ بالحفاظ على ركنين أساسيّين، هما:
- أن يتأسّس على التقوى.
- أن يكون روّاده مؤمنين طاهرين ومخلصين.
إنّ فقدان هذين الركنين نتيجته الحتميّة هي الانهيار؛ كما حدث لمسجد ضرار!

• دروس وعِبَر من حادثة مسجد ضرار
إنّ حادثة مسجد ضرار ليست حدثاً تاريخيّاً مضى، بل هي درس عابر لحدود الزمان والمكان، فعلى المسلمين أن لا يكونوا ساذجين وسطحيّين في نظرتهم إلى الأمور، وأنْ لا يغفلوا عن مكائد الأعداء، وأنْ لا ينخدعوا بأقوالهم وأفعالهم؛ مهما ألبسوها لباساً برّاقاً؛ حتّى لو كانت بصورة بناء مسجد!
فالمسلم المتّقي يجعل الله تعالى له فرقاناً: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ (الأنفال: 29)؛ يميّز به بين الحقّ والباطل، فلا ينخدع بتزيينات الأعداء للباطل، ولا يقبل أو يتقبّل كلّ قول أو فعل من أيّ جهة يصدر، بمجرّد أنّه موافق بالظاهر للحقّ، ولا ينجذب إلى كلّ بناء يُشيّد باسم الدين باطلاً، ولا ينضوي تحت راية ترفع اسم الدين زوراً!


* كاتب وأستاذ في الحوزة العلميّة.
1. ينظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 133.
2. ينظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 396-397.
3. ينظر: الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 5، ص 125.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع