الشيخ حسين علي الطقش
يظهر من بعض الأخبار أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام كانوا يواظبون على إلقاء خطبة في الناس في كلّ عام قبيل بدء شهر رمضان المبارك أو بعد دخوله بأيّام قليلة جدّاً، رحمة منهم عليهم السلام وتفضّلاً، ليكون هؤلاء على استعدادٍ لاستقبال الشهر بأتمّ استعداد، وليستفيدوا من فيوضاته المباركة وبركاته الوافرة، وليطهّروا أنفسهم من موبقات الذنوب، ويدرأوا عنها المعاصي، فيحلّ عليهم شهر رمضان المبارك وهم يملكون قلوباً طاهرة، ونيّات حسنة، وأعمالاً صالحة، ولا يُحرمون من غفران الله خلاله.
• الاستعداد للشهر الفضيل
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يطلبون من الناس التهيّؤ لاستقبال الشهر الفضيل حتّى يدركوا بركاته، وتعمّهم مغفرته، وتوسعهم رحمته، وذلك عبر الأمور الآتية:
1. استقبال الشهر بالتوبة
في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام، عن عبد السلم بن صالح الهروي، قال: دخلت على أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في آخر جمعة من شعبان، فقال لي: «يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك في ما بقي منه تقصيرك في ما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يعنيك، وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتُب إلى الله من ذنوبك؛ ليُقبِلَ شهر الله إليك وأنت مخلص لله عزّ وجلّ، ولا تدعنّ أمانة في عنقك إلّا أدّيتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلّا نزعته، ولا ذنباً أنت مرتكبه إلّا قلعت عنه، واتّق الله وتوكّل عليه في سرّ أمرك وعلانيّتك، ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدراً﴾ (الطلاق: 3). وأكثر من قول في ما بقي من هذا الشهر: (الّلهمّ إن لم تكن قد غفرت لنا في ما مضى من شعبان، فاغفر لنا في ما بقي منه)، فإنّ الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان»(1).
والتوبة كما عرّفها علماء الأخلاق: «ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال»(2).
قال أمير المؤمنين عليه السلام : «التوبة على أربعة دعائم: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وعمل بالجوارح، وعزم أن لا يعود»(3).
وفي هذا الصدد، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «فما عليكم في هذه الأيّام القلائل التي تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، إلّا أن تفكّروا في إصلاح أنفسكم والتوجّه إلى بارئكم. استغفروا الله من أفعالكم وأقوالكم التي لا تليق. وإذا كنتم قد ارتكبتم -لا سمح الله– ذنباً، فتوبوا إلى الله قبل الدخول في شهر رمضان المبارك. عَوِّدوا ألسنتكم على ذكر الله ومناجاته. إيّاكم أن تصدر منكم غيبة أو تهمة أو نميمة أو أيّ ذنبٍ في هذا الشهر، وأن تدِنّسوا أنفسكم بالمعاصي وتسيئوا آداب الضيافة وأنتم ضيوف الله سبحانه»(4).
2. كفّ الجوارح والجوانح قبل حلول شهر رمضان
من الأمور المهمّة التي ينبغي تحقيقها لمن أراد أن يحلَّ ضيفاً على الله تعالى في شهر رمضان المبارك، أن يهيّئ نفسه بكفّ جوارحه وجوانحه عن المعاصي والذنوب والخبائث قبل حلول الشهر الفضيل، لكي يأتي الشهر وهو لائق باستقباله، مستعدّاً له أفضل استعداد. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «فاعلموا، على الأقلّ، بالآداب الأوليّة للصيام. فكما تمسكون البطن عن الطعام والشراب، فأمسِكوا عيونكم وألسنتكم عن المعاصي. عاهدوا أنفسكم من الآن، أن تكفّوا اللسان عن الغيبة والتهمة والكذب والإساءة. وأخرجوا من قلوبكم الحسد والحقد وسائر الصفات الشيطانيّة القبيحة»(5).
3. التأدّب بالآداب الظاهريّة والباطنيّة للصوم
من الآداب التي ينبغي أن يتحلّى بها المستعدّ لاستقبال شهر رمضان المبارك، مراعاة الآداب الظاهريّة والباطنيّة للصوم. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «لقد دُعِيتم في هذا الشهر الفضيل إلى ضيافة الحقّ تعالى، فهيّئوا أنفسَكم لهذه الضيافة العظيمة. تحلّوا، على الأقلّ، بالآداب الصوريّة والظاهريّة للصيام. فالآداب الحقيقيّة موضوع آخر، حيث هي بحاجة إلى جهدٍ وجدٍّ وتعبٍ.
فالصوم لا يعني الإمساك عن الطعام والشراب فحسب، بل أيضاً الاجتناب عن المعاصي. وهذا من الآداب الأوليّة بالنسبة إلى المبتدئين»(6).
• أهم الآداب الظاهريّة والباطنيّة
نذكر هنا أهمّ الآداب الظاهريّة والباطنيّة للصوم:
1. أكل الحلال(7): عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وكُلوا الحلال يتمّ لكم صومكم»(8). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «العبادة مع أكل الحرام كالبناء على الرمل، وقيل: على الماء»(9).
2. الانقطاع إلى الله: ينبغي التفكّر في أنّ الصوم هو انقطاع إلى الله تعالى، واجتناب اللذات الدنيويّة. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «إنّ جملة: (إِلَهِي! هَبْ لِي كَمَالَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْكَ)، ربّما تريد أن توضح هذا المعنی، وهو أنّ الرجال الربّانيّين الواعين ينبغي لهم أن يُعِدّوا أنفسهم ويهيّئوها قبل حلول شهر رمضان، لصومٍ هو في الحقيقة، انقطاعٌ عن الدنيا، واجتنابُ لذائذها، وهذا الاجتناب، في صورته الكاملة، هو هذا الانقطاع إلى الله».
إنّ كمال الانقطاع لا يتحقّق بهذه البساطة. إنّه بحاجة إلى ترويضٍ غير اعتياديٍّ للنفس، وجهد ورياضة واستقامة وممارسة؛ حتّى يتحقّق الانقطاع، بكلّ القوی، عن كلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى، ولا يكون ثمّة توجُّهٌ لغيره. فجميع الصفات الإيمانيّة الجليلة، وكلّ مستويات التقوى كامنة في الانقطاع إلى الله، ومَن يتمكّن من الوصول إلى هذه المرحلة، فقد بلغ غاية السعادة. ولكن، من المستحيل أن يستطيع الإنسان بلوغ هذه الذری، ما دام في قلبه مثقال ذرّة من حبّ الدنيا. والذي يريد أن يقوم بأعمال شهر رمضان بالصورة المطلوبة، عليه أن يحقِّق في نفسه هذا الانقطاع إلى الله، وإلّا، لن يستطيع مراعاة آداب الضيافة، ولن يتسنّى له إدراك عظمة المضيف»(10).
3. قراءة كتب تتناول الآداب الظاهريّة والباطنيّة للصوم: ينبغي لمن أراد أن يكون صومه صوم المعتبرين وصوم أهل الخصوص، بل صوم أهل خصوص الخصوص(11)، أن يهيّئ نفسه وقلبه وعقله لشهر رمضان المبارك، وذلك من خلال وضع برنامج مطالعة وقراءة قبل حلول الشهر الفضيل بمدّة من الزمن ليطالع كتباً تتناول الآداب الظاهريّة والباطنيّة للصوم، وأهم تلك الكتب:
أ. كتاب جامع السعادات، للعلّامة النراقي (باب أسرار الصوم).
ب. حكمة العبادات، للشيخ جوادي آملي (القسم الخامس).
ج. أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، للسيد حيدر الآملي (باب الصوم).
د. كتاب المراقبات، للميرزا جواد ملكي التبريزي (مراقبات شهر رمضان المبارك).
هـ. أسرار الصوم، للشيخ حسين علي الطقش.
4. صيام ثلاثة أيّام من آخر شهر شعبان: عن أنس بن مالك: قيل: يا رسول الله، أيُّ الصوم أفضل؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «صوم شعبان تعظيماً لرمضان»(12).
روي عن الإمام الصادق عليه السلام : «من صام ثلاثة أيّام من آخر شعبان، ووصلها بشهر رمضان، كتب الله له صوم شهرين متتابعين»(13).
5. أدعية التهيّؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك: وردت أدعية عديدة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام للتهيّؤ واستقبال شهر رمضان المبارك، نذكر منها:
- عن الحرث النصريّ عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال في آخر شعبان: «إنّ هذا الشهر المبارك الذي أنزلت فيه القرآن وجعلته هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان قد حضر، فسلِّمنا فيه وسلِّمه لنا وسلِّمه مِنّا في يسر منك وعافية»(14).
- كان أبو عبد الله الصادق عليه السلام يقرأ في آخر ليلة من شعبان وأوّل ليلة من شهر رمضان الدعاء الآتي: «الّلهمّ! إنّ هذا الشهر المبارك الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان قد حضر...»(15).
6. قراءة دعاء وداع شهر رمضان المبارك: يوصي الإمام الخامنئيّ دام ظله بقراءة دعاء وداع شهر رمضان المبارك المرويّ عن الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجّاديّة في بداية الشهر، وذلك لنتعرّف على قيمة الشهر، وعلى الفرص التي تحلّ فيه، بالتالي، لاغتنام تلك الفرص على أتمّ وجه. يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: «كُنت أُوصي الإخوة دائماً بقراءة دعاء الوداع لشهر رمضان في بداية الشهر ولو لمرّة واحدة، لأنّه عندما نقرأ هذا الدعاء بخشوع وأنين في آخر ليلة من شهر رمضان المليء بالفضائل والحسنات، تكون قد انتهت الفرصة، لذا، ينبغي على المؤمنين قراءته في بداية الشهر ليعرفوا قيمة هذه الفرصة»(16).
1. تفسير القرآن الكريم، الشيرازي، ج 3، ص 141.
2. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75، ص 81.
3. الجهاد الأكبر، الإمام الخمينيّ قدس سره، ص 50.
4. المصدر نفسه، ص 51.
5. المصدر نفسه، ص 51.
6. انظر لذلك: أسرار الصوم، الطقش، ص177-213.
7. كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، المتقي الهندي، ج 15، ص 844.
8. عدّة الداعي ونجاح الساعي، العلامة الحلّي، ص 141.
9. الجهاد الأكبر، مصدر سابق، ص 49-50.
10. ذكر علماء الأخلاق بأنّ الصوم له ثلاثة مراتب:
- المرتبة الأولى: صوم العموم، وهو الإمساك عن المفطرات المذكورة في الكتب الفقهيّة.
- المرتبة الثانيّة: صوم الخصوص، وهو بالإضافة إلى الإمساك المتقدّم، إمساك القوى الظاهرة؛ كالعين واللسان واليد والبطن...، والقوى الباطنة؛ كالوهميّة والغضبيّة والشهويّة.
- المرتبة الثالثة: وهو عبارة عن الإمساكَين المتقدّمَين، ويُضاف إليهما إمساك الصائم عن مشاهدة غير الحقّ تعالى.
11. السنن الكبرى، البيهقي، ج 4، ص 305.
12. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 2، ص 94.
13. تفسير العياشي، العياشي، ج 1، ص 80.
14. انظر: مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، الشيخ الطوسي، ص 850-852.
15. من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله في شهر رمضان المبارك في العام 1414ﻫ.