فاطمة فقيه*
تتّخذ المقاومة عبر الزّمن، ونتيجة الحاجة، أشكالاً عدّة، منها العسكريّ والثّقافيّ والإعلاميّ. لكن، هل فكّرتَ يوماً أنّ لديكَ تاريخاً تستطيع أن تُقاوم به وتحمي وطنك من خلاله؟
مشروع “وثاقيّة” لحفظ أرشيف مجتمع المقاومة، يُقدِّم لك هذه الفرصة من خلال حملة “قاوم بوثيقة”؛ ففي بلادنا التي يطمع بها المحتّل، لكلّ وثيقة تاريخ وحكاية.
*مشروع “قاوم بوثيقة”
وُلِدَ مشروع “وثاقيّة” من رَحِمِ الحاجة إلى حِفظ التّاريخ، والأحداث، والمحطّات الّتي مرّ بها لبنان في مواجهة العدوّ الصهيونيّ، وتوثيقها، بهدف تثبيت فكرة أنّ الأرض لأهلها، وأنّها تُشكّل جزءاً من هويّتهم وانتمائهم لوطنهم لبنان. بالإضافة إلى حماية تاريخها من التّشويه والتّحريف، في مواجهة عمليّة المَحو المُمنهجة لتاريخ القُرى وآثارها ومنازلها الّتي يَقوم بها العدوّ الغَاشِم. يتكفّل مشروع “وثاقيّة”، بجعلكَ تُسْهِم في المقاومة، وذلك عبر جمع الوثائق الورقيّة الناجية من الاعتداءات الإسرائيليّة وما تزال محفوظة في المنازل، وترقيمها، والّتي تُوثِّق مراحل الصّراع مع العدوّ الصّهيونيّ في لبنان، وتمتدّ زمنيّاً ما قبل العام 1948م حتّى 2026م. فضلاً عن حِفظ الوثائق الإلكترونيّة (الصّور الفوتوغرافيّة والفيديو) الّتي التقطَها النّاس عبر الهواتف المحمولة أو كاميراتهم الرّقميّة خلال حرب 2023م-2026م على لبنان، والّتي تُشكِّلُ سجلّاً للحياة الاجتماعيّة أثناء الحرب.
وفي إطار سلسلة نشاطات “وثاقيّة”، قامَت القيّمَة على المشروع، السّيّدة أماني رمّال (الحائزة على درجة ماجستير في علم الأرشيف) بافتتاح متحف وثاقيّة “لكلّ وثيقة حكاية” بنسخته الثّانية، في قاعة الاحتفالات بجامعة المعارف في بيروت في شهر أيلول/ سبتمبر 2026م. تعود الوثائق الّتي عُرِضَت صور منها لأيّام الاحتلال الإسرائيليّ لجنوب لبنان، وذلك من فترة ما قبل اجتياج 1982م إلى الحرب الأخيرة 2026م. وقد تنوّعت هذه الوثائق بين خرائط، ورسائل، وعُملات نقديّة، وأشرطة تسجيل، وغيرها. وتضمّن هذا المتحف فعاليّات عديدة على مدى أيّام.
*الأدلّة ودورها في مواجهة محو هويّة الجنوب
من هذه الفعاليّات كانت ندوة خبرات ورؤى ميدانيّة تحت عنوان: “عمارة الأدلّة: الوثائق الميدانيّة والبيئيّة في مواجهة المحو العمرانيّ والبيئيّ جنوباً”.
تهدف هذه النّدوة إلى بيان أهميّة توثيق كلّ ما له علاقة بذاكرة الوطن في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ، وأرشفته؛ من أجل الحِفاظ على التّراث والتّاريخ والهويّة من المَحو والتّحريف، وبيان حجم المُعاناة الّتي تعرّض لها أصحاب الأرض، خاصّة في جنوب لبنان، وتحديداً المناطق الواقعة بالقرب من الشّريط المحتلّ. في البداية، دار الكلام حول أهميّة الحِفاظ على تُراثيّة بعض الأماكن في الجنوب اللّبنانيّ، وكانت بلدة شمع أنموذجًا؛ إذ تعرّض مقام النّبيّ شمع Qلاعتداءات عدّة من قِبل العدوّ الإسرائيليّ شوّهَت هيكليّته العمرانيّة لناحية القِبّة القَلميَة والهندسة الإسلاميّة، والّتي تَشكلَّت وِفقَها كلّ مساجد قُرى جبل عامل وقبابها. وقد أُعِيدَ ترميم المقام بعد حرب تمّوز/ يوليو 2006م، لكنّه فقد طابعه التُّراثي، بحيث بُنيت القبّة بطريقة مغايرة للعمارة الإسلاميّة. وما أسهم في استعادة هويّة المقام والقبّة كان وجود صُوَر تُوثّق الحالة الّتي كان عليها المقام قبل 2006م؛ الأمر الّذي جعلَ المعنيّين يُعيدون التّرميم بعد حرب الإسناد الأولى في العام 2024م وفق هذا التّوثيق. وعليه، إنّ الذّاكرة البصريّة الموثّقة تحفَظ معالم الأمكنة وأصالتها، وتجعل من إعادة الإعمار والتّرميم عمليّة تجديد للهوّيّة لا فقط عمليّة إعادة بناء لما هدَّمهُ العدوّ.
*الأراضي غير المفرزة وأطماع المحتّل
في المسألة الثانية، كان الكلام حول كيفيّة استغلال الصّهاينة للأراضي غير المُفرَزة عقاريّاً أيّام العثمانيّين لبناء مستوطناتهم عليها بطريقة محصَّنة تمنع غير اليهود من الولوج إليها؛ بهدف بيان خطورة وجود أراضٍ غير مفرزة في لبنان، خاصّةً تلك القريبة من الحدود مع العدوّ الصّهيونيّ. وقد أُشير إلى إمكانيّة استغلال العدوّ لذلك مجدّداً إنْ لم تعمد الدّولة اللّبنانيّة إلى فرز الأراضي وتسجيلها وتوثيقها لحمايتها وحماية أهل الأرض فيها.
*الإبادة البيئيّة
وأخيراً، تمّ التطرّق إلى الحجم الهائل للانتهاكات البيئيّة والزراعيّة التي قام بها العدوّ الصّهيونيّ على مدى سنوات، ومضاعفته لهذه الإبادة في الحربين الأخيرتين (2023م- 2026م) في خطوةٍ تهدف إلى إخراج أهل الأرض منها وتهجيرهم، وجعلهم يُعيدون النّظر في الرّجوع إليها بسبب فقدان أسباب الحياة فيها من بساتين وأراضٍ وحقولٍ زراعيّةٍ وتلفٍ وحرقٍ وتلويثٍ للمحاصيل والأشجار. وقد كانت التّوصيّة البيئيّة في هذا الصّدد، بضرورة أن توثّق الدولة اللبنانيّة هذه الإبادة البيئيّة على نطاقٍ أوسَع ممّا تقوم به الآن؛ لأنّ ما تقوم به لا يَطال كلّ الجغرافيا الّتي تتعرّض لهذه الانتهاكات، فضلاً عن عدم حضورها الميدانيّ الفَاعِل في هذه العمليّة، من أجل ضمان توثيق أفضل.
*لأرضنا قلبٌ وحكاية نحرسها
ستبقى الأرض تحكي عن أهلها، وتاريخها، والدّماءِ الّتي سقَتْ عروقها وحَمَتها على الرغم من أنوف الحاقدين. نقول للصهاينة: إن فجّرتُم البيوت ودمّرتُم الكنائسَ والمساجد، فلنْ تمحوا الذّاكرة والأثر والتّاريخ. أشجارُ زيتونِنا وسِنديانُنَا الأخضر شاهدان على وحشيّتكُم يا أعداء الإنسانيّة. هنا، استلقى طفل اسمه محمّد. وهناكَ، لعبت وردةٌ اسمها زينب؛ كبُرا في أرضنا، أرض الجنوب، تنشّقَا هواءها، وشَربا من مائها، وشمسُها نورّت حياتهما، وسماؤها صافحت جباههما. مَنْ أنتُم لتأخذوا دارنَا، وتقتلعوا أشجارنا، وتقتلوا الطّفولة في مهدها والشّباب في ريعانه؟! أنتم لستُم حماتنا ولا طالبي سلام. أنتم بلا هويّة ولا انتماء، ونحن أصحاب الأرض والإنسان.
*طالبة ماجستير فلسفة – جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالميّة.