سناء صفوان
بين أصوات الغارات والمتفجّرات التي لا تهدأ، يتسلّل مجاهد إلى محيط كنيسة القدّيس يوسف الكاثوليكيّة الواقعة شمال قرية القوزح في جنوب لبنان. يخرج من مخبئه، ويشتبك مع جنود صهاينة من اللواء 551 يعملون في المنطقة الأمنيّة العازلة. يُردي ضابطاً برتبة رائد، هو إيتامار سابير الذي ينحدر من مستوطنة عيلي في الضفّة الغربيّة، ثمّ يلوذ بالفرار!
«كيف وصل؟ وكيف خرج في ظلّ الإطباق الجوّيّ؟ وكيف نجا في ظلّ الاشتباكات؟»(1)، أسئلة كثيرة طرحها الإعلام الإسرائيليّ بعجزٍ ودهشة دون أن يحصل على إجابات! لأنّ الإجابة لا تكمن في معادلات التفوّق التكنولوجيّ التي يتغنّون بها، بل في إرادة ترفض الانسحاب!
*حصار مطبق، ولكن!
تحفل مسيرة المقاومة الإسلاميّة منذ بداية نشأتها بالكثير من البطولات المجبولة بالتضحيات، بحيث تعرّض مجاهدوها، ولا يزالون، إلى أبشع ظروف قد يمرّ فيها مقاتل أو جنديّ في أيّ جيش في العالم؛ من حصار قاسٍ بين دويّ القصف والغارات، وشحّ في الطعام والمياه أو نفادهما، والتعرّض لإصابات دون القدرة على تلقّي العلاج، وغيرها الكثير من المآسي والمشاكل. ولكن، دعونا نخصّص هنا «علي الطاهر»، هذه الرقعة الجغرافيّة الصغيرة المحاصرة منذ أشهر، والتي أفردت لها وسائل الإعلام المحلّيّة والإقليميّة والعالميّة ومحلّلوها مساحات واسعة من تغطيتها الإعلاميّة لأهميّتها الاستراتيجيّة والعسكريّة.
تواجه تلّة علي الطاهر إطباقاً جوّيّاً صهيونيّاً من الطائرات الحربيّة والمسيّرات المسلّحة. غارات متواصلة لا تهدأ للحظة على مدار اليوم، هذا ناهيك عن إغراقها بأطنان من الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجّرة والقنابل الفوسفوريّة وغيرها من المواد الكيماويّة المحرّمة دوليّاً، بحيث تُسمع أصداؤها وارتجاجاتها في القرى المجاورة والبعيدة حتّى! هذا ناهيك عمّا يمكن أن يواجهه المجاهدون من ظروف معيشيّة صعبة ونقص في التموين والإمدادات!
في ظلّ هذه الظروف التي تكسر معنويّات أيّ جيش نظاميّ تقليديّ؛ كيف يعقل لهؤلاء المجاهدين أن يتحمّلوا ويصمدوا؟
*«الاختيار» في مواجهة «الوجود»
هذا ليس سؤالاً بلاغيّاً، بل سؤال علميّ يفسّر حقيقة ما يحصل من استجابة بيولوجيّة لدى الفرد أو المقاتل العاديّ، وما يترتّب على ذلك من تداعيات لحظويّة. فلنشرّح ببساطة الآليّة الدفاعيّة التلقائيّة في جسم الإنسان. عندما يواجه أيّ شخص خطراً، يفرز جسمه فوراً هرمون الأدرينالين، الذي يعمل كوقود طارئ يمنح العضلات الطاقة اللازمة للتعامل مع التهديد عبر تسريع ضربات القلب وضخّ السكّر في الدم. أمّا إذا طال أمد الخطر، فيفرز الجسم هرمون الكورتيزول، ووظيفته إبقاء الجسم في حالة تأهّب قصوى ومستمرّة لضمان بقائه يقظاً وجاهزاً حتّى يزول التهديد تماماً(2).
في الواقع، يواجه كلّ من الصهيونيّ الذي يختبئ في دبابّة ميركافا أو آليّة مدرّعة، والمقاوم الذي يحتمي خلف ساتر ترابيّ، الفيضان الكيميائيّ نفسه، ولكنّ الفرق الجوهريّ بينهما هو: الإرادة والدافعيّة!
لقد شرح أندرو ماك(3) Andrew Mack هذه النظريّة في دراسته “لماذا تخسر الدول الكبرى الحروب الصغيرة؟(8)“، معلّلاً أنّ الجندي النظاميّ يخوض “حرب اختيار” في أرض ليست أرضه، بينما يخوض المقاوم “حرب وجود” في أرضه وبلده؛ وهذا هو الفارق الجوهريّ الذي يحدّد مصير الأدرينالين في الجسد!
بالنسبة إلى الجنديّ الصهيونيّ، فإنّه يجد نفسه مرغماً على خوض معركة لا تهدّد أرضه ووجوده الشخصيّ؛ فلا دافع لديه للحرب. لذلك، تتحوّل هذه الاستجابة العصبيّة في جسمه إلى ارتباك، وشعور بالعجز والخوف، وفقدان الهدف، والرغبة في الانسحاب. أمّا المقاوم، فإنّه يقاتل بإصرار لأنّه يدافع عن أرضه وناسه، بل وجوده؛ فلا يفكّر بالاستسلام أو التراجع، بل يضع نصب عينيه هدفاً واحداً: الثبات أو الاستشهاد!
*عندما يتحوّل الأدرينالين لدى الصهيونيّ إلى كابوس
لتوضيح هذه المقاربة، نستشهد بكتاب We Were Caught Unprepared: The 2006 Hezbollah-Israeli War(5) (كنّا غير مستعدّين: حرب حزب الله وإسرائيل 2006)، للباحث الأمريكيّ مات ماثيوز(6) Matt M. Matthews، الذي يعرض اقتباسات لجنود العدوّ وضبّاطه يتحدّثون فيها عن دهشتهم من قوّة المقاومين وجرأتهم في حرب تمّوز/ يوليو من العام 2006م، حيث كانوا يقاتلون بشراسة من مواقعهم دفاعاً عن بيوتهم وأرضهم. يمكن تلخيص ما واجهوه بالآتي:
1. سقوط الأوهام الاستراتيجيّة: فوجئ جنود وحدة ماغلان بما واجهوه في مارون الراس، فيقول أحدهم: «كنّا نتوقّع العثور على خيمة وثلاثة بنادق كلاشينكوف، وهذا ما أخبرتنا به الاستخبارات. بدلاً من ذلك، وجدنا باباً فولاذيّاً هيدروليكيّاً يؤدّي إلى شبكة متطوّرة ومجهّزة جيّداً من الأنفاق!(7)».
2. تحطّم العقيدة القتاليّة: تحطّمت العقيدة الإسرائيليّة حول سلوك «الجنديّ العربيّ» في الميدان، والاعتقاد المسبق بانهيار الخصم، حين قال أحدهم: «من الواضح أنّهم لم يسمعوا قطّ أنّ الجنديّ العربيّ يفترض أن يهرب بعد اشتباك قصير مع الإسرائيليّين»(8). أمّا في تلك الحرب، فقد أدرك الجنود الصهاينة أنّ المعادلة قد تغيّرت، وأنّهم يواجهون مقاتلين لا يخافون أو يهربون. يُروى عن أحدهم: «إنّهم لا يقاتلون بالطريقة التي ظننّا أنّهم سيقاتلون بها. إنّهم يقاتلون بشراسة أكبر. إنّهم ماهرون في أرضهم الخاصّة»(9).
3. عجز التكنولوجيا: في كمين وادي السلوقي، تحوّل تفوّق الدبّابات المدرّعة إلى نقمة على جنود العدوّ، فيروي أحد أفراد طاقم الدبّابة: «عندما أصيبت الدبّابة الأولى، أدركنا أنّ الكابوس قد بدأ... كانت نيراناً جهنميّة، وليس لدينا أيّ فكرة متى ستصيبنا... كنّا نصلّي حتّى ينتهي وابل النيران!»(10).
4. تآكل الجاهزيّة وضعف المعنويّات: يحكي جنود العدوّ كيف أنّ «حرب الاختيار» قوّضت معنويّاتهم ودافعيّتهم للقتال، كما يروي أحدهم: «في كثير من الحالات، نما التردّد في إرسال القوّات الإسرائيليّة إلى المعركة ضدّ حزب الله، بسبب إدراك القادة أنّ الجنود سيذهبون في مهام انتحاريّة... طوال السنوات الستّ الماضية، كنّا منخرطين في مهام شرطيّة غبيّة في الضفّة الغربيّة... والنتيجة كانت أنّنا لم نكن مستعدّين لمواجهة مقاتلين حقيقيّين مثل حزب الله»(11).
إذاً، هذا اعتراف إسرائيليّ بأنّ التكنولوجيا لا تصنع انتصاراً حين تفتقر إلى الإرادة والدافعيّة، وأنّ «حرب الاختيار» محكوم عليها بالانهيار أمام «حرب الوجود». وهو ما أكّدته أيضاً تحقيقات لجنة فينوغراد (2008م) في اعتراف صهيونيّ رسميّ واضح بالفشل، إذ ورد في الفقرة 11 من تقريرها: «لقد شنّت إسرائيل حرباً طويلة انتهت دون تحقيق نصر عسكريّ واضح لها. فقد قاومت منظّمة شبه عسكريّة قوامها بضعة آلاف من الرجال، لأسابيع عدّة، أقوى جيش في الشرق الأوسط، الذي يتمتّع بتفوّق جوّيّ كامل ومزايا في الحجم والتكنولوجيا. واستمرّ وابل الصواريخ الموجّهة ضدّ السكّان المدنيّين في إسرائيل طوال الحرب...»(12).
إذا كان الأدرينالين قد تحوّل لدى جنود العدوّ إلى كابوس يطاردهم، فكيف سيوظّفه المجاهد في أرض المعركة؟ هذا ما سنكتشفه في العدد المقبل بإذن الله.
(1) قزي، رين. (2026). عمليّة القوزح تكشف ما يخفيه “حزب الله”: https://www.almodon.com/media
(2) Lewine, E. H. (2024). Understanding the stress response-Chronic activation of this survival mechanism impairs health: https://www.health.harvard.edu/healthy-aging-and-longevity/understanding-the-stress-response
(3) أندرو ماك باحث سياسيّ وأكاديميّ كنديّ- أستراليّ، يعدّ من الروّاد المؤسّسين في مجال دراسة الحروب غير المتماثلة والعلاقات الدوليّة.
(4) Mack, A. (1975). Why Big Nations Lose Small Wars: The Politics of Asymmetric Conflict. World Politics.
(5) Matthews, M. M. (2008). We Were Caught Unprepared: The 2006 Hezbollah-Israeli War. Combat Studies Institute Press.
(6) مات ماثيوز مؤرّخ وباحث عسكريّ أمريكيّ، متخصّص في تحليل الحروب الحديثة، ودراسة الصراعات غير المتماثلة، وتطوّر العقائد القتاليّة.
(7) المصدر نفسه، ص 44.
(8) المصدر نفسه، ص 43.
(9) المصدر نفسه، ص 44.
(10) المصدر نفسه، ص 54.
(11) المصدر نفسه، ص 49.
(12) Winograd Commission: Final Report. (2008): https://jewishvirtuallibrary.org/winograd-commission-final-report-january-2008