أجيال السيّد على العهد العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال(١) باعترافات العدوّ: كيف تنتصر إرادة المجاهد؟ (1) القيم في بيانات الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله (3) قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (4): إن تنصروا اللّه القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة

القيم في بيانات الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله (3)

ضحى حمادي*

استعرضنا في العدد السابق مجموعة من القيم المحوريّة في بيانات الإمام القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ  دام ظله، وهي: الاستقلال، والقوّة، ومواجهة الاستكبار، والنصر الإلهيّ، والهويّة الإسلاميّة، والمسؤوليّة الحضاريّة. وفي هذا العدد، ننتقل إلى تحليل الأبعاد الثوريّة التي تشكّل الهيكل الفكريّ والاستراتيجيّ لهذا المشروع الثوريّ.

ثانياً: الأبعاد الثوريّة
1. البعد العقديّ: يُمثّل البعد العقديّ القاعدة الصلبة التي تمنح الفكر الثوريّ شرعيّته وديمومته، وتُخرجه من إطار الحسابات الماديّة الضيّقة إلى فضاء التكليف الإلهيّ المرتكز على الإيمان بالغيب. وتقوم بنية البيانات على تأصيل حركة الجماهير بصفتها «قياماً لله»، لصناعة مجتمع إيمانيّ لا تهزّه العواصف السياسيّة؛ بحيث يستحضر الآية الكريمة: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى] (سبأ: 46). «إنّ القيام لله هو حجر الأساس في مدرسة الإمام»، مؤكّداً أنّ «الالتفات إلى ذكر الله تبارك وتعالى، والتوكّل عليه، والتوسّل بأنوار المعصومين الطاهرة عليهم السلام ، بوصفها إكسيراً أعظم وكبريتاً أحمر، هي أمور تضمن كلّ أنواع الانفراجات وتؤدّي إلى النصر الحتميّ».

2. البعد الحضاريّ: يبرز البعد الحضاريّ في فكر سماحة السيد مجتبى الخامنئيّ دام ظله بوصفه نموذجاً بديلاً ومستقلّاً، قادراً على تقديم رؤية متكاملة لنمط الحياة البشريّ، منافسة للمشروع الرأسماليّ الغربيّ المهيمن ومفكّكة لأدواته. يظهر هذا البعد في توظيف الطاقات الثقافيّة والأدبيّة، ومنها: اللغة الفارسيّة والشاعريّة والملحميّة، وربطها بالهويّة الإسلاميّة لصياغة منتج حضاريّ يجمع بين الأصالة التاريخيّة والتقدّم التكنولوجيّ والعلميّ الحديث؛ بحيث يركّز على أنّ «توصيةَ قائدنا الحكيم والشهيد... بضرورة تقوية اللغة الفارسيّة هي نبراس يهدي إلى اقتدار (الحضارة الإيرانيّة-الإسلامية)»، لافتاً إلى أنّه «في هذه الأيّام، يختبر كثيرون نظرةً حضاريّةً وهم يحدّقون في الآفاق البعيدة، ويرسمون لأنفسهم صورةً ليست وهميّة، بل مستندة إلى حقائق حاضر الخلق ومستقبله». ويؤكّد البعد الحضاريّ في فكر السيّد مجتبى الخامنئيّ   دام ظله على رفض الانعزال، والعمل بدلاً من ذلك على تصدير قيم العدالة ومواجهة الاستكبار بوصفه رسالة إنسانيّة تسعى لإعادة صياغة الوعي العالميّ العام.

3. البعد الاستراتيجيّ: يتحدّد البعد الاستراتيجيّ في الإدارة الذكيّة للتحدّيات المعقّدة، وبناء تحالفات متينة، وتوظيف أوراق القوّة الجيوسياسيّة لفرض واقع إقليميّ جديد يحمي مصالح محور المقاومة واستقراره. ويتّضح ذلك من خلال تفعيل خيارات مثل «إدارة مضيق هرمز»، والقدرة على قراءة نوايا الأعداء وتطوير تكتيكات ردع سريعة ومفاجئة تتجاوز تقديراتهم؛ إذ يخاطب القائد المجاهدين بقوله: «أيّها الإخوة المجاهدون الأعزّاء... ينبغي، من دون شكّ، الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز. وقد أُجريت دراسات حول فتح جبهات أخرى يملك العدوّ فيها خبرة محدودة»، مضيفاً أنّ «الاهتمام بتنفيذ توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة الشهيد والعناية بها... بشأن معالجة الجرائم المرتكبة في الحرب المفروضة الثانية، يقتضيان تعميم ذلك على الحرب المفروضة الثالثة ومتابعته بصورة مستمرّة».

ويكشف تحليل بياناته عن قدرته على الانتقال من منطق الدفاع الموضعيّ إلى إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليميّ، عبر فرض قواعد اشتباك معقّدة على الخصوم الدوليّين.

4. البعد السياسيّ: يقوم البعد السياسيّ لفكر قائد الثورة على معادلة «السيادة الشعبيّة الدينيّة»، وهي تدمج بين الالتزام بالولاية الشرعيّة والمشاركة الفاعلة للجماهير كمالك حقيقيّ وقاعدة أساسيّة لاتّخاذ القرار وصناعة القوّة. ويتجلّى ذلك عبر التشديد على تلاحم الشعب مع حكّامه، والشفافيّة في الأداء، وصون الوحدة الوطنيّة، وتجنّب الخلافات السياسيّة الجوفاء التي يستغلّها العدوّ؛ بحيث يؤكّد القائد أنّ «مجلس الشورى الإسلاميّ هو عصارة الشعب، ومظهر السيادة الشعبيّة الدينيّة وركيزة القانون والتشريع... ويؤدّي دوراً محوريّاً في إنفاذ إرادة الناس»، مشدّداً في السياق نفسه على أهميّة الفعل الجماهيريّ بقوله: «أذكّر بأهميّة الحضور في مراسم يوم القدس لعام 1447هـ، إذ ينبغي أن يحظى عنصر كسر شوكة العدوّ باهتمام الجميع». ويُستنتج من ذلك أنّ البعد السياسيّ في البيان، يسعى دائماً إلى سدّ الفجوات الاجتماعيّة، والتأكيد أنّ شرعيّة النظام واستقراره وقدرته على إدارة الأزمات تنبع أساساً من ثقة الجماهير وانخراطها الواعي.

5. البعد العسكريّ: يتأسّس البعد العسكريّ على عقيدة القتال في سبيل الله ونصرة دينه، وبناء مؤسّسات دفاعيّة شعبيّة مقتدرة تمزج التطوّر التكنولوجيّ الفائق بالروح الجهاديّة المضحّية والصلبة. وتستعرض البيانات كفاءة القوّات المسلّحة (الجيش، الحرس الثوريّ، القوى البحريّة) في مواجهة تحالف الاستكبار، مع التركيز على دور القادة والشهداء العظام كأيقونات تلهم الأجيال لمواصلة التطوير والجهاد العلميّ والعسكريّ؛ إذ يوضح السيّد مجتبى الخامنئيّ   دام ظله أنّ «جيش الإسلام... يقاتل في صفوف متراصّة وصلبة، كتفاً إلى كتف مع سائر المجاهدين في القوّات المسلّحة، ويشتبك مع جيشَي رأس جبهة الكفر والاستكبار»، كاشفاً أنّه «وبذات السلاح، حقّق المجاهدون في إيران ومقاومة لبنان انتصارات كبيرة في حرب الاستنزاف الثالثة ضدّ الجيشَين الإرهابيّين الأمريكيّ والصهيونيّ، فرجموا أمريكا وإسرائيل بصواريخهم ومسيّراتهم برّاً وبحراً وجوّاً». ويُبيّن هذا الطرح قدرة إيران الكبيرة على تحويل التهديد العسكريّ الخارجيّ إلى فرصة حقيقيّة لتحقيق القفزات التكنولوجيّة والسيادة الردعيّة الكاملة في مختلف المسارح والمستويات الدفاعيّة.

6. البعد الاجتماعيّ: يطرح القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ  دام ظله مفهوم «المواساة والتكافل الشعبيّ» ركيزة أساسيّة لتجاوز الآثار الاقتصاديّة والمعيشيّة للحروب المفروضة والحصار الجائر، معزّزاً السلم الأهليّ والتماسك الداخليّ للأمّة. وتظهر بنية البيان اهتماماً خاصّاً بالفئات المستضعفة والمضحّية (كالعمّال، والمعلّمين، وعائلات الشهداء)، وتدعو إلى التكافل الاجتماعيّ الطوعيّ، ومشاركة العائلات والمنظّمات الشعبيّة في تسيير شؤون الحياة والتعليم؛ إذ يقول القائد: «على أبناء الشعب جميعهم أن يسعوا إلى مراعاة بعضهم بعضاً، لتخفيف الضغط الناجم عن النقص الذي تفرضه ظروف أيّ حرب»، موجّهاً بضرورة «أن تُوفَّر سبل تفاعل عائلات التلاميذ والطلّاب الجامعيّين في إدارة شؤون المدارس والجامعات... وكذلك، ينبغي دعم العمّال المنتجين عبر إيلاء الأولويّة لاستهلاك السلع المصنّعة محلّيّاً». ويُستخلص من ذلك أنّ البعد الاجتماعيّ يمثّل «جدار الحماية الداخليّ» للثورة؛ فحين يتضامن أفراد المجتمع ويتشاركون الصبر والمواساة، تفشل الضغوط الاقتصاديّة الخارجيّة في تحقيق غايتها الرامية لإحداث الفتنة والشرخ الداخليّ.

7. البعد الإعلاميّ: يرى قائد الثورة أنّ البعد الإعلاميّ يشكّل في ساحة الإعلام فضاء حرب «مركّبة» و»إدراكيّة» بالغة الخطورة تستهدف عقول المواطنين ونفوسهم لبثّ الشكّ واليأس وتفكيك عُرى الوحدة الوطنيّة والتماسك الداخليّ. وتظهر في رؤية السيّد مجتبى الخامنئيّ  دام ظله استراتيجيّة إعلاميّة مضادّة تقوم على تعزيز الوعي والبصيرة، والدعوة إلى «الهجرة عن وسائل الإعلام المعادية» أو التعامل معها بريبة شديدة، وحثّ المنابر المحلّيّة على بثّ الأمل ونقل روايات الصمود؛ إذ يوضح القائد أنّ أداة العدوّ «الرئيسة في هذه المسألة هي بذر الشكّ، واليأس، والخوف، وسوء الظنّ، والخلافات. بناءً على ذلك... يتعيّن على الجميع إحباط مخطّطه المشؤوم عبر الصمود والبصيرة»، مشدّداً على أنّ «حماية أسماعنا التي هي نافذة العقل والقلب، في مواجهة وسائل الإعلام المدعومة من العدوّ أو المنسجمة معه، أمرٌ ضروريّ... ينبغي إمّا هجرها تماماً أو التعامل بريبة شديدة مع ما تبثّه كلّه». وعليه، فإنّ المعركة الإعلاميّة لا تقلّ أهميّة عن المواجهة العسكريّة، بحيث يتطلّب كسبها حماية الفضاء المعرفيّ للشعوب وتحويل الإعلام إلى أداة لبثّ الأمل والثقة بالذات.

بناءً على ما تقدّم، يمكن استخلاص أنّ بيانات السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله في هذه المرحلة المفصليّة تؤسّس لـ»عقد استراتيجيّ وتاريخيّ جديد» ممتدّ من مسار والده الإمام الشهيد علي الخامنئيّ (رضوان الله عليه) وجهاده، وهو يدمج ببراعة بين صلابة المبادئ العقديّة ومرونة الأدوات السياسيّة والعسكريّة لمواجهة التحدّيات الإقليميّة المتغيّرة. وإنّ القراءة الفاحصة لهذا النتاج الفكريّ تكشف عن صياغة واعية لمعادلة الردع الشامل؛ بحيث إن القوّة الحقيقيّة والسيادة تُقاسان بمدى تلاحم الحاضنة الشعبيّة وتماسك هويّتها الثقافيّة والإعلاميّة في وجه محاولات الاختراق المعرفيّ وبثّ اليأس، إلى جانب العتاد العسكريّ والتطوّر التكنولوجيّ، مستنداً إلى يقين راسخ بالوعد الإلهيّ والتمهيد لمستقبل تقوده الشعوب المستقلّة والمتحرّرة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع