مع الإمام الخامنئيّ | الأربعون ذروة التبيين(*) بدايات إحياء عاشوراء في لبنـــان(٢) العدل وظيفتنا كيف تتجلَّى العدالة في التشريع الإسلاميّ؟ عدلٌ... لا مساواة الافتتاحية | كلّنا مسؤولون الصحيفة السجّاديّة: إرث سيّد الساجدين الإمام الخمينـيّ قدس سره: الإمام الصدر ابن من أبنائي(*) مع الإمام الخامنئيّ | شباب التعبئة: مسؤوليّةٌ وبصيرة بركات الدعاء للإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف

شهيد الوعد الصادق: عبد الرؤوف أحمد نصار (مسلم)

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: علا أبو العلا
محل وتاريخ الولادة: النبطية 20 -6-1987
الوضع العائلي: عازب
تاريخ الاستشهاد: 3 8 2006

لم يأخذ عبد الرؤوف وقته بالتفكير في الإجابة حينما عُرِضَ عليه السفر لمتابعة دراسته الجامعية والعمل في أبيدجان، فجوابه كان قطعاً "لا"، ليس لأنه غير مهتم بتأمين مستقبله، بل لأنه بنى دعائم راسخة الجذور لمستقبلٍ أراد تشييده بين القلم والسلاح. كان في السابعة من عمره حينما عاد عبد الرؤوف من أبيدجان حيث وُلد، إلى بلدته النبطية، فعايش مرارة الأمن المسلوب في شوارع سلّط العدو الإسرائيلي عليها نيران قذائفه من المواقع المشرفة والمحيطة بها، فسرق الخوفُ جزءاً من فرحة طفولته، التي لم يعد يرضيها اللعب في الحقول، بل صار يتطلّعُ إلى تلك المواقع العالية إلا على أقدام رجال المقاومة الإسلامية.

* يحلم بيوم الجهاد
لَكَمْ كان يفرحه الاستيقاظ المبكِّر على صوت القذائف والرصاص، فذلك دليل على أنَّ رجال المقاومة ينفذِّون عملية على تلك المواقع التي لم ترحم حتى الأجنّة في أرحام أمهاتهم. فكان يدعو بقلبه الصغير لهم بالانتصار، وتملأ الغبطة كيانه وهو يغمض عينيه ويحلمُ بأنه في يوم من الأيام، سيرتدي تلك الثياب الطاهرة، وسيصرخ بعلو صوته: "الله أكبر".. "يا زهراء". الفتى الذي لمع ذكاؤه منذ صغره، لم يقتصر تفوقه على دراسته، بل انسحب ذلك على علاقاته المميزة بينه وبين أهله وأصدقائه. فبوعيه المبكر وفهمه للأمور، استطاع عبد الرؤوف لعب دورٍ مميزٍ بين إخوته، فتعلّقوا به كثيراً، وقد رأى والداه في قسمات وجهه شيئاً غريباً، واستشفا من تعامله معهما تديناً متميزاً بالمحبة والحنان والطاعة.

* بين المسجد والكشافة كانت البداية
قبل بلوغه سنّ التكليف، بدأ عبد الرؤوف بالتردد إلى المسجد يومياً لأداء الصلاة، ودائماً في أول وقتها، حتى وإن كان الطقسُ ممطراً وبارداً جداً، فالمسجد بالنسبة إليه هو المنطلق الأساس في الحياة العملية والجهادية. ولطالما كان يلتقي هناك ببعض المجاهدين، فينظر إليهم من بعيد وفي ذهنه يدور ألف سؤال وسؤال حولهم، وفي يوم طلب إلى والديه أن يوافقا على التحاقه بكشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه كي يكتسب المعارف الإسلامية الأصيلة، فهو حمل همّاً حقيقياً تجاه معرفة الأحكام الشرعية بدقة، واجتهد في تحصيلها وتطبيقها.  وفي الكشافة لمس القادةُ تميّزه بين الفتية، بمبادرته وسرعة حركته، ووعيه وتدينه، فاستبشروا به خيراً، وكان على قدرِ هذه الثقة، إذ إنه تدرج في صفوف الكشافة حتى صار عميداً لأحد الأفواج، وعكست شخصيته الرصينة والواثقة، وروحه المرحة في آن، القدوة للفتية الذين علّمهم بأعماله أكثر بكثير مما وعظهم بلسانه، فرسخت تعاليمه في وجدانهم وقلوبهم.

* القناعة طريقه في الحياة
لم تعنِ الدنيا أي شيء لذلك الشابِّ الذي كدّ والده وتحمّل مرارة الغربة لأجل تأمين حياة مستقرة وميسورة الحال لأسرته، حيث عمل مخرجاً تلفزيونياً في أفريقيا لسنوات، فأحب أن يرى أولاده من خلف الكاميرا في صورة زاهية ومطمئنة، ولكن عبد الرؤوف صاحب العينين الحزينتين، والسكون الغريب، لم يهتم بأخذ إلا ما يكفيه، متجلبباً بالزهد، متخذاً القناعة طريقاً في الحياة. لم يترك عبد الرؤوف عملاً في الكشافة والتعبئة لم يخض غماره، تاركاً للتجارب صقل شخصيته، فأدى ذلك إلى طيِّ سنواتٍ من الوعي والإدراك، فكان بعمرِ السابعة عشرة وكأنه في الثلاثين، لما حمله من صفات الفهم والحكمة. 

فهو ما إن التحق بالعمل في التعبئة التربوية بعد دخوله إلى الثانوية، حتى بدأ يعدُّ العدة للتوجه إلى العمل العسكري، وهذا ما كان ينتظره. وإذا كانت فرحة تحرير أيار في العام 2000، قد زيّنت حياة الجنوبيين، إلا أن غُصّةً علقت في حلق عبد الرؤوف، وهي الخوف من عدم التوفيق للجهاد في ساحة المعركة مع العدو الصهيوني. ولكن العاشق الحقيقي، هو ذلك الذي يسعى إلى معشوقه. وقد عرف عبد الرؤوف أنّ سعيه ليل نهار للوصول لا بدّ وأن يكون له ختام، فتزود بخير الزاد، ولم ينسَ طرفة عين أن يخفف من تلك الأمور التي يُسأل عنها يوم القيامة، فحرص على أن تكون صلاته صحيحةً، وكان في قنوته كأنه مسافر عن هذه الدنيا، حتى إذا ما أنهى الصلاة جلسَ ليقرأ القرآن، وقد وضع لنفسه برنامجاً عبادياً خاصاً التزم بتنفيذه ولم يتهاون في يومٍ عن القيام بما حدَّده لنفسه.

* "شهيد بإذن الله"
كان يوم التحاقه بالتعبئة العسكرية من أجمل أيام حياته، وقد لاحت على جبهته السمراء راياتُ الفخر والانتماء. وقد لاحظ الإخوة المجاهدون دقة الملاحظة التي تميّز بها، والرؤية التي ينطلقُ منها لإبداء رأيه، وكان عميق السرّ لا يعرف أحد بما يقوم به إلا مسؤوله المباشر، وقد شارك في العديد من المهمات الجهادية والمرابطة على الثغور.. وكانت حرب تموز في العام 2006. وفي بدايات عامه التاسع عشر، رأى عبد الرؤوف فرصة تحقيق حلمه، الحلم الذي ترك لأجله كل شيء، وكان إذا ما سئل عمّا يريدُ أن يكون عليه، ردّ بكل اطمئنان: " شهيد بإذن الله".  وضع عبد الرؤوف نفسه في خدمة المجاهدين منذ اليوم الأول للحرب، فعيَّنه مسؤوله المباشر في الخطوط الخلفية.. وقف عبد الرؤوف أمامه باكياً، وراح يتمنى عليه أن يضعه في خطوط المواجهة، وبعد إلحاح مستمر، رضخ مسؤوله لطلبه، ونقله إلى خطوط المواجهة، ليرابط كمسعفٍ حربي مع رفاقه في الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية الإسلامية.

* وتحققت فرصة العبور
طوال فترة الحرب لم يهدأ عبد الرؤوف، كان كالطير يتنقلُ من مكانٍ إلى آخر بخفةٍ وبغبطة، فهو لم يرَ من الحرب إلا أنها فرصة العبور إلى الله عزّ وجلّ. وكان يوم الثالث من شهر آب، حينما أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على مكان وجوده ورفاقه، وقد ألقى قنابل عنقودية على المكان، فأصيب عبد الرؤوف بشظية دخلت من خاصرته واستقرت في قلبه.. وبقي ينزفُ لساعةٍ فيما رفاقه يحاولون إسعافه، ولكنه نظرَ إليهم باطمئنان، وتمتم بصوتٍ خفيض: "يا أبا عبد الله.. يا زهراء". وأغمض عينيه ليرتفع إلى أحبائه؛ محمد وآل بيته صلى الله عليهم أجمعين.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع