الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق مع الإمام الخامنئي | سيّدة قمّ المقدّسة نور روح الله | الجهاد مذهب التشيّع‏* كيـف تولّى المهديّ عجل الله تعالى فرجه الإمامة صغيراً؟* أخلاقنا | الصلاة: ميعاد الذاكرين*

مشاركات القراء: فرسان الجبـل الجنوبي

نور كميل حجازي

 



هناك جلس... يغزل بخيوط الفجر أنيناً ومناجاة، يروي ظمأ شوقه بندى عينيه، يستحضر من نسائم الضحى ذكريات دفينةً تلج روحه بألمٍ وعذاب... جلس هناك... لا يدري أيّ ضريحٍ يناجي... أيّ تربةٍ يبثّها نجواه، يرجوها: "اصنعي لي مكاناً عندك، فوالله ما عاد يعنيني البقاء. هو البعد عنك أيا خالقي قد أضناني، حطّم صبري إلى لقياك وما انفكّ يهمس في جفنيَّ أرقاً غير متناهٍ، يجمع آلامي وينثرها على شاطئ الحنين، فترتدّ السفن إلى عينيّ محمّلةً بآلامٍ تجرح الصمت القائم ما بين روحي وملكوتك، هو البعد يقطّع أوصالي، يخطف أنفاسي ويسلب النور من عينيّ...". 

 وضع رأسه المثقل ما بين الضريحين وغاب... غاب في متاهات الذكرى مسافراً إلى عشيّة ذلك اليوم: كانت ليلةً هادئة، الكون كلّه نائمٌ ووشاحٌ من السكون قد التحفت به الغياهب. القمر حاضنٌ سويداء الليل بنوره والنجوم مكلّلةٌ العتمة بوميضها. وهم، ثلاثةً كانوا، جلسوا يتسامرون، يرسمون بنور القمر حكاياهم وأمانيهم. وقد أبت أعينهم أن تغفو، فهي عاهدت، وما عاهدت وحدها، أن تبقى ساهرةً حتّى تبعث في القلوب النائمة سلاماً وطمأنينة. في تلك المغارة المختبئة ما بين أشجار السنديان، الرابضة في أعماق الجبل الجنوبيّ، غاص الثلاثة في بحرٍ من المناجاة، كلٌّ منهمكٌ في ترتيله وسجوده. جواد، أكبرهم سنّاً، إذا ما نظرت في عينيه حيّرتك المعاني التي تحملانها، جلُّ حديثه عن عليّ، ثمرة فؤاده وحياته، الذي ما تجاوز عمره العامين، فصنع منه مقاوماً بطلاً... حسين، الرجل الذي لا تفارق الابتسامة وجهه ولا السبّحة يديه، اقترن بابنة خاله حديثاً وأوَّل ما أخبر به عروسه هو أنّ عمله، جهاده، يأتي قبل أيّ شيء... ورائد، الشّاب المفعم بنشاطٍ لا حدود له، الطالب الجامعيّ الذي يطمح إلى شهادةٍ من نوعٍ آخر، مكتوبةٍ بالدّم لا بالحبر...

هم ثلاثة، جمع بينهم عشقٌ غريبٌ لله وتعلّقٌ شديدٌ بسيّد الشّهداء عليه السلام فاختاروا المقاومة مركباً، ليَقينِهم بأنّ شراعها يقودهم إلى من يعشقون. وإذ بصوتٍ يكسر سكون الظلمة، يستحضر الرفاق من عالم مناجاتهم. ويعود الصوت من جديد، إنّه صوت رصاص! أمسك كلُّ واحدٍ بندقيّته الملقاة إلى جانب المحراب وهمّ بالخروج من المغارة. تعالى التكبير وملأت الفضاء صرخاتٌ اعتنقتها نجوم العتمة "يا أبا عبد الله... يا زهراء... يا صاحب الزمان...". كان رائد قد أخذ موقعاً له خلف صخرة قرب باب المغارة، وقد اشتعل قلبه الشابّ حماسةً أجّجت فيه نيران النّشاط والحيوية.

مرّ الوقت ونفدت ذخيرة رائد فأسرع بدخول المغارة للتزوّد من الرّصاص، لكنّ شيئاً استوقفه، أحسّ بألمٍ رهيبٍ في كتفه اليمنى وحرارةٍ تكوي جسده. نظر إلى كتفه فوجدها ملجأً لرصاصةٍ، رصاصةٍ غادرةٍ فتحت الباب للدم الجنوبيّ النّابض. حاول إيقاف النزيف، ولكن عبثاً، هوى إلى الأرض، ما عاد يشعر بشيء، أغلق عينيه رغماً عنه، أجفانه تأبى الاستسلام، ولكن ما في اليد حيلة. دخل الشّاب دوّامةً أوصلته إلى مكانٍ غريبٍ، مكانٍ لا أبعاد له، لا أفق، لا بداية ولا نهاية. سمع وقع أقدام خلفه، نظر، وجد جواداً وحسيناً يقتربان منه، محاطين بهالة من نور تكاد تحجب ملامح وجهيهما، أسرع إليهما لكنّه اصطدم بتلك الهالة وما عاد يستطيع الاقتراب. ثمّ سمع صوتاً اخترقَه صداهُ البعيد، وسرى في أنحاء جسده ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23).

 ثمّ بدأ كلّ شيءٍ يتلاشى وكأنّ الساعة حانت. فتح عينيه، كان ما يزال ملقىً على الأرض، ولكنّ المكان هادئ، وأزيز الرّصاص توقّف والسّكينة عادت. تحرّك، آلمه الجرح، لكنّه استجمع قواه ونهض. نظر حوله علّ نور القمر المتسلّل من بين الأغصان يهديه إلى شيء. لمح شخصاً متّكئاً على جذع شجرة، اقترب منه يجرّ كتفه المشلولة وراءه، أمعن النظر، إنّه جواد، فرِحَ.. ناداه.. لم يجب. أعاد النداء وجواد لا يحرّك ساكناً... وصل إليه، جلس عنده، خاطبه: "جواد، أظنّهم ذهبوا، هيّا بنا نعد إلى المغارة... قم يا أخي، قم يا كبيرنا.. أوَلا تريد العودة؟! عليٌّ بانتظارك، عليٌّ يا جواد، مقاومك الصغير.. ألن تعود إليه؟! ألن تكون السّائر به في طريق الجهاد؟! كلّمني يا أخي.. بحقّ حبيبك سيّد الشهداء كلّمني.. بحقّ حبيبك الحسين أجبني...". يئسَ، بل أوهم نفسه باليأس، وقام يبحث عن حسين، علّه يجيبه هو. بحث عنه في كلّ مكان. لم يجده... قرّر العودة... في طريقه اصطدم بشيء، نظر إلى الأرض، وجد جثةً متوسّدةً التّراب، هوى نحوها، مسح التراب عن وجهها، إنّه حسين، راقدٌ بكلّ سلامٍ وطمأنينةٍ، وقع نظره على يده، وجدها قابضةً على السّبّحة، بكى رائد، أخرجَ من حشاشة روحه آهاً عميقةً، آهاً اختزنت بين طيّاتها ألماً يتعدّى جرحه، يتعدّى فقدانه أخويه. رفع كلتا يديه إلى السّماء وصرخ بكلّ جوارحه: "أيا ربّ، خذني إليك... أعتق روحي من هذه الدنيا.. أيا إلهي.. أيا مالك وجودي.. إنّي نذرت نفسي الذليلة قرباناً لك، فاقبلها يا ربّ، تقبّلها يا ربّ...".

عاد من متاهات الذكرى، كانت رحلةً متعبةً وما كانت المرّة الأولى التي يسافر فيها. هو يعيش تلك الليلة كلّما عادت به الذّاكرة إلى الوراء وكأنّه يعيشها للمرّة الأولى، يعيشها بسكونها، بضوء قمرها، بمحراب مناجاتها، بألمها، بضياعها... رفع رأسه المثقل، نظر إلى الضريح عند يمينه وجد صبيّاً صغيراً يطبع على الضريح قبلةً، اخترقه المشهد حتّى الصميم، تنهّد.. ونهض.. مضى.. بعد أن عاهد الصبيّ وعاهد التربة وعاهد الضريح أمام عين الله أنّه لن يتوارى عن هذا النهج، وأنّ دمه سيروي تراب الطّهر في عاملة يوماً، وأنّه من المنتظرين الذين لن يبدّلوا تبديلاً.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع