آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

اقتصاد: النظام الاقتصادي في الإسلام‏

آية الله الشهيد مرتضى مطهري‏

* الاقتصاد السليم‏
أحد الأصول الأولية للاقتصاد السليم، هي حياة وقابلية نمو الثروة، كما أن الشروط الأولية للمجتمع السليم توفر الاقتصاد السليم. الاقتصاد السليم هو الاقتصاد الذي يقوم بذاته بدون عيب ولا يقوم على الغير، وأي مجتمع ينبغي أن يمتلك هكذا اقتصاد ولا يبتلى بفقر دم اقتصادي فيكون مريضاً دائماً.

إن ضرورة وجود الاقتصاد السليم لا ينكرها عالم أو عاقل. وفي الرؤية الإسلامية نجد أنه لا يمكن تحقيق الأهداف الإسلامية بدون الاقتصاد السليم. فالإسلام لا يرضى بأن يتسلط غير المسلمين على المسلمين.
وهذا الهدف إنما يتحقق عندما يقع المسلمون في تبعية اقتصادية. فالتبعية ملازمة للأسر والعبودية، حتى وإن لم تستعمل هذه التعابير.

إنّ كل أمة تحتاج إلى أمة أخرى من الناحية الاقتصادية وتمدُّ يد الطلب إليها سوف تكون أسيرة لها ولا اعتبار هنا للمجاملات الدبلوماسية المتعارفة. ويقول نهرو: "الأمة المستقلة هي التي تمتلك اقتصاداً مستقلاً".
قال الإمام علي عليه السلام: "احتج إلى من شئت تكن أسيره، استغن عمن شئت تكن نظيره، أحسن إلى من شئت تكن أميره".
فإذا طلبت أية أمة مساعدة وحصلت عليها من أمة أخرى فإن الأولى شئنا أم أبينا سوف تكون "العبد" والثانية "السيد".
وما أشد حماقة وجهل من لا يقدّر قيمة سلامة البناء الاقتصادي ولا يفهم أن الاقتصاد المستقل أحد شروط حياة الأمة. هذا مطلب.

والمطلب الآخر: إن الإسلام يتبع دائماً المنهج الوسط والمعتدل، وهذا الأمر ناشئ‏ من حيثية شمولية الإسلام لكل الأبعاد.
فهناك منهجان إفراطي وتفريطي: أحدهما لا يدرك بالأساس قيمة سلامة البناء الاقتصادي ويتبع الفقر ويظن أن الفقر كما أنه ليس عيباً للفرد فكذلك هو ليس عيباً للمجتمع. ولكن الفقر بأحد المعاني عيب، ولو فرضنا أنه ليس عيباً مطلقاً فإنه معيب للمجتمع. أما المنهج الآخر فإنه أدرك قيمة الاقتصاد ولكنه نسي كل شي‏ء آخر واعتقد أن مصدر الدخل هو ميول الناس وإن كل ما يطلبونه - في حال توفر المال لشرائه - ينبغي أن يعرض عليهم.

فالطلب هو العلة التامة للعرض، ولو كان عرض المواد المهلكة أو المفسدة للمجتمع. المجتمع المريض الذي يطلب أسباب اللهو والكماليات، مثل المريض الذي يشتهي شيئاً مضراً له...
وأشد من هذا إيجاد الطلب الكاذب، كصناعة الهيرويين والحصول من خلاله على مدخول عظيم...
ولكن الإسلام قبل أن يبحث في تفاصيل المكاسب يطرح أولاً المكاسب المحرمة؛ فهو يحرِّم بيع الصنم والصليب حتى لغير المسلمين، وكذلك بيع المشروب وآلات القمار ووسائل التضليل، يحرم بيع كتب الضلال والسلاح للأعداء و.. و..

ومن هذا كله تتضح نظرية الإسلام:
"مصدر الدخل لا يكون ميول الناس وطلباتهم، وإنما المصالح العامة": وبتعبير الفقهاء: يجوز البيع والشراء عندما يكون فيه "المنفعة المحللة المقصودة". إن هذا الاقتصاد اقتصاد واقعي يرتبط بالأخلاق وتربية الناس. إذاً، ففي تأييده لازدياد الثروة واعتبارها وسيلة لتأمين أهدافه السامية، فإن الإسلام انطلاقاً من هذا الهدف الذي هو فوق الثورة لا يعتبر أن طريق الدخل هو الميول والطلب، وإنما المصلحة؛ وهذا (التحديد) لا نجده في الاقتصاد الجديد اليوم، خاصة الاقتصاد الرأسمالي.
ويمكن فهم هذه الحقيقة من خلال النظر إلى ما يصدّرونه إلينا، نحن الدول الفقيرة والمحتاجة.

المطلب الثالث: كما أنه لا يجوز تحصيل الثروة من كل طريق كذلك لا يجوز أن يكون النظام الاقتصادي بشكل يعطل النمو ويشلّه. ووفق عقيدتنا فإن من جملة الأمور التي تمنع النمو نظرية "كل يعمل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" والذي يلزم اشتراك الناس في منافع بعضهم البعض. فلهذه النظرية عدة عيوب:
أولاً: هي خلاف الفطرة والطبيعة. فارتباط الناس الطبيعي ليس كأجزاء الجسم الواحد.
ثانياً: يعد هذا بحد ذاته استغلالاً.
ثالثاً: يقف سداً ومانعاً من النشاط. فالإنسان ينشط في عمله عندما يرى أن نتيجة عمله ترجع إليه. ولماذا يكون معظم الإداريين كسولين؟ أو كما يقال: مصابون بالمرض الإداري؟ لأنهم يعتقدون أن ترقياتهم ومداخليهم لا ترتبط بنشاطهم وفعاليتهم، ولهذا ترى الكثيرين منهم يتجهون من أجل تحصيل المال إلى الارتشاء والكسب الحرام...

طوبى للمجتمع الذي ينحصر طريق الدخل في نظامه الاقتصادي بالنشاط والفعالية، وتعود آثار فعالية الفرد فيه إليه. وبئس حال المجتمع الذي لا يُنشّط فيه العمل وإنما الرشوة والاحتيال والأعمال غير المنتجة، فلا يكون فيه عمل معين وسليم. وأيضاً ما أسوأ حال المجتمع الذي أغلق طريق الكسب اللامشروع ولكنه أغلق أيضاً طريق الكسب الخاص واتّبع نظرية "العمل حسب الطاقة والأخذ حسب الحاجة". وجلّ الإسلام الذي حلل الكسب الخاص واهتم بالتربية الإيمانية وأغلق الباب أمام الكسب الحرام.

نحن لا نحتاج إلى نظرية تأتينا من وراء الجدار الحديدي أو من وراء البحار، فنظرية الإسلام كافية. ولكن ينبغي أن نعلم بشكل قطعي أنه "لا يجمع عشرة آلاف درهم من طريق الحلال" كما في الحديث، وبالطبع مع النظر إلى الحياة في ذلك العصر. والمقصود أن الكسب الحلال له حد دائماً، فإذا أردنا أعلى منه لن يأتي من طريق الحلال. ولا يعني هذا أن مجرد الحصول على هذا المبلغ يستدعي أخذه من صاحبه؛ فأكثر النظريات خطأ: نظرية تحديد الملكية.

خلاصة المطلب هو أن الإسلام يؤيد تقوية البنية الاقتصادية ولكن ليس بعنوان أن الاقتصاد هدف بنفسه أو هو الهدف الأوحد بل العنوان أن الأهداف الإسلامية لن تتيسر بدون الاقتصاد السالم والقوة الاقتصادية المستقلة؛ فالإسلام يعتبر الاقتصاد ركناً من أركان الحياة الاجتماعية، ولهذا فهو لا يضرب سائر الأركان لأجل الاقتصاد. الإسلام لا يؤيد النظرية التي تقول أن مصدر الدخل والكسب هو ميول الناس ورغباتهم، بل يعتقد بضرورة تطبيق الميول مع المصالح العليا والشاملة للبشر، ولهذا يوجد في الإسلام فصلٌ مهمٌ باسم المكاسب المحرمة.

الكسب المشروع في الإسلام هو الكسب الذي يكون من جانب، نتيجة نشاط الإنسان أو على الأقل لا يكون فيه استغلال، ومن جانب آخر يلحظ الصرف فيه أن يكون له قابلية الصرف المشروع والمفيد، وبالاصطلاح الفقهي له منفعة محللة ومقصودة.
                                                                                                                                                                                                                                                          

(يتبع)
أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع