أجيال السيّد على العهد العائد إلى الكتاب كلّما لاح سؤال(١) باعترافات العدوّ: كيف تنتصر إرادة المجاهد؟ (1) القيم في بيانات الإمام مجتبى الخامنئيّ دام ظله (3) قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (4): إن تنصروا اللّه القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة

قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (4): إن تنصروا اللّه

الشيخ بلال حسين ناصر الدين


في العدد السابق، وقفنا عند قاعدة قرآنيّة عظيمة في تثبيت القلوب، وهي أنّ الشدائد والمحن لا تزيد المؤمنين الصادقين إلّا إيماناً ويقيناً وتسليماً. وفي هذا العدد، ننتقل إلى قاعدة قرآنيّة أخرى تربط بين الثبات الداخليّ والفعل الخارجيّ؛ أي بين وعد الله وواجب العبد انطلاقاً من قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: 7).

*من صور النصر الإلهيّ
هذه الآية تُشعركم أيّها المؤمنون بالثبات الفكريّ والمبدئيّ والداخليّ؛ فبما أنّكم اليوم تنصرون الله، فإنّه عزّ وجلّ يعدكم بنصره، وهذه سنّة من سننه سبحانه وتعالى. إنّ نصر الله لا يقتصر على الغلبة الماديّة من أجل الحصول على غنيمة أو إظهار شجاعة، بل هو توفيق منه تعالى للأسباب المقتضية لغلبة المؤمن على عدوّه. وها نحن اليوم نقاتل العدوّ الإسرائيليّ، فينصرنا الله بجعله يعيش القلق والخوف والهاجس من وجود مجموعة من المجاهدين، كمجاهدي المقاومة الإسلاميّة في لبنان الذين يمثّلون مصدر خطر وتهديد له. إنّ هذا النصر المعنويّ الذي ينعم به المؤمنون وبيئة المقاومة، يعد بحدّ ذاته صورة بليغة من صور النصر الإلهيّ. لذا، عندما نؤدّي واجبنا وننصره سبحانه وتعالى، فإنّه يثبّت أقدامنا، ويجعلنا أكثر ثباتاً والتزاماً بقضايانا ومبادئنا.

*هل ينافي الخوفُ الثباتَ؟
قد يتساءل المرء: قلبي ثابت، ولكن تنتابني حالات خوف طبيعيّة، كأن أخاف من صوت طائرة أو انفجار، فهل هذا ينافي ثبات قلبي؟

الجواب: لا، فالخوف غريزة طبيعيّة في الإنسان تتفاوت حدّتها من شخص إلى آخر؛ فقد يكون الرجال مثلاً أكثر ثباتاً من النساء والأطفال في بعض المواقف. وهذا الذعر الفطريّ أمر تكوينيّ خارج عن إرادة الإنسان.

أمّا الخوف المذموم، فهو ذلك الشعور القلبيّ الداخليّ الذي يؤدّي إلى انقطاع الإنسان عن التوكّل على الله.

في هذه الحالة، يستطيع المرء أن يدرّب نفسه على التحكّم بهذه المشاعر. فالشعور بالخوف المستمرّ من أمر لم يقع بعد هو حالة سلبيّة لا ينبغي للمؤمن أن يعيشها. وهنا، يأتي دور التوكّل الحقيقيّ: فلماذا أخشى من شيء لم يحدث بعد؟ إنّ هذا الشعور الموهوم يتناقض مع حقيقة التوكّل على الله والتسليم لأمره، بخلاف الخوف الفطريّ من الأصوات المفزعة، وهو الذي يبقى أمراً طبيعيّاً، ولا يدلّ على نقص في إيمان الإنسان.

*شبهة وردّ: الثبات في الدفاع
إنّ الإسلام لا يفصل بين العقيدة والأرض، وقد بيّن الله تعالى قدسيّة المكان وأهميّته حين أقسم به في قوله تعالى: [وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ](التين: 3). يؤسّس هذا القسم لمبدأ مهمّ تتكرّر الإشارة إليه في آيات أخرى تتحدث عن أماكن أو أوطان معيّنة؛ لتبيان فضل الثبات فيها، وجعل الموت دفاعاً عنها شهادةً في سبيل الله.

من هنا، عندما نتحدّث عن مفهوم «إن تنصروا الله»، فإنّ زاوية النظر تتوسّع لتتجاوز النطاق الجغرافيّ، وترتقي إلى نصرة كلّ مظلوم وكلّ قضيّة حقّ. ولكن قد يقع اللبس أحياناً في التمييز بين الدفاع عن الأرض لذاتها، والدفاع عنها بوصفها جزءاً من مشروع الله سبحانه وتعالى. فكيف يمكننا التمييز بين هاتين الغايتين؟ وهل تعدّ أرض فلسطين من الأراضي التي سنّ الله لأجلها سنّة قرآنيّة بوجوب الدفاع عنها وتطهيرها من المحتلّين؟

يكتسب هذا التساؤل أهميّة بالغة؛ لأنّ خصومنا، ومنهم بعض العرب، يروّجون لشبهة مفادها: لماذا نقاتل المحتلّ الإسرائيليّ وهو يقيم في أرض الله؟

ولتمييز هذه المسألة بدقّة، لا بدّ من استحضار ثلاثة عناوين رئيسة:

1. الدفاع عن المقدّسات: كالمسجد الأقصى، والكعبة المشرّفة، والمسجد الحرام، ومسجد الكوفة. فإذا كان الدفاع عن مسجدٍ عاديّ واجباً، فكيف الحال إذا تعلّق الأمر بمقدّسات المسلمين العظمى؟ هذا عنوان جوهريّ يجب أن يوضع في الحسبان.

2. الدفاع عن المسلمين وأرضهم: هذا عنوان شرعيّ راسخ؛ فعندما يعتدي أيّ عدوّ على المسلمين وأرضهم، يجب عندها على سائر المسلمين في العالم الدفاع عنهم ومواجهة هذا العدوان.

3. نصرة المستضعفين: هذا عنوان أوسع يشمل كلّ مؤمن، ويمثّل روح ثورة الإمام الخمينيّ قدس سره التي قامت على مبدأ «ثورة المستضعفين»(1). لذلك، لا ينبغي حصر الثورة الإسلاميّة في إيران ضمن إطارها الإسلاميّ الضيّق، بل هي ثورة للمستضعفين في العالم أجمع. وكلّ خطابات الإمام الخمينيّ قدس سره كانت تتحدّث عن المستضعفين، ولم تقتصر على المسلمين. ومن أجل ذلك، وصلت ثقافة الثورة الإسلاميّة ومبادئها إلى أمريكا اللاتينيّة وبعض الدول الإفريقيّة وأفغانستان وشمال الهند وغيرها، لأنّها تشمل الدفاع عن الأرض والعِرْض والمقدّسات التي يُعتدى عليها.

*واللّه خير الماكرين
إنّ ما يمارسه الأمريكيّون والصهاينة في أيّامنا هذه من محاولات لإضعافنا وتركيعنا وإخضاعنا، هو مكر سوف ينقلب عليهم بإذن الله سبحانه وتعالى. فالنصر المؤزّر والكبير والمنشود والعظيم، وهو ما سنظفر به بإذن الله تعالى، يتطلّب بالضبط ما نعيشه اليوم. إنّنا نعمل من أجل المسيرة الكبرى التي ستكون خاتمتها بظهور الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. فعندما أقوم بعمل ما اليوم، فليس بالضرورة أن أرى بشائره في حياتي، بل إنّما أعمل من أجل الفتح العظيم في زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. ويُعدّ هذا العمل تمهيداً لذاك اليوم الموعود الذي سيأتي فيه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا كلّه يحتاج إلى جهدي وجهادي وثقافتي وفكري وتمهيدي في الزمن الذي أعيشه.

لذلك، المطلوب أن أقوم بواجبي وأترك النتيجة على الله عزّ وجلّ، وأن أكون على يقين أنّ عملي هذا لن يضيع، إنّما هو مِـدْماك من مداميك التمهيد لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أو للنصر المنتظر بإذن الله تعالى.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع