سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)
استهدف العدوّ الإسرائيليّ يوم الثلاثاء في 17 أيلول/ سبتمبر 2024م آلاف أجهزة «البايجرز» وفجّرها في وقت واحد، متجاوزاً في هذه العمليّة الضوابط والقوانين والخطوط الحمراء كلّها؛ فلم يكترث لأيّ شيء على الإطلاق، سواء كان ذلك يتعلّق بالقيم الأخلاقيّة أو الإنسانيّة، أو حتّى الالتزامات القانونيّة.
* جريمة كبرى في دقيقتين
لقد أراد العدوّ أن يستهدف مقاتلي حزب الله، ولكن بما أنّ بعض المدنيّين في قطاعات مختلفة يستخدمونه أيضاً، فقد استهدف في الوقت نفسه كلّ هذا المحيط المدنيّ الذي يوجدون فيه، من مستشفيات وأطبّاء وشركات تجاريّة ومؤسّسات نقل وغيرها. ثمّ عاود ذلك يوم الأربعاء بتفجير أجهزة لاسلكيّة، فطال أيضاً أشخاصاً يعملون في مستشفيات وصيدليّات، أو يمكثون في البيوت أو أماكن مدنيّة أخرى. فارتقى نتيجة هذا العدوان عشرات الشهداء، بينهم أطفال ونساء ومدنيّون، وأصيب الآلاف بجراح مختلفة.
العدوّ باستهدافه هذا، كان يتعمّد قتل أربعة آلاف إنسان في دقيقة واحدة! هذا مستوى الإجرام الذي أقدم عليه. ثمّ في اليوم الثاني، كانت نيّته كذلك قتل الآلاف ممّن يحملون الجهاز اللاسلكيّ أو يستفيدون منه. إذاً، على مدى يومين، أراد أن يقتل ما لا يقلّ عن خمسة آلاف إنسان في دقيقتين، وبدون اكتراث لأيّ ضابطة. هذا العمل الإجراميّ عمليّة إرهابيّة كبرى، هو إبادة جماعيّة، ومجزرة كبيرة.
* لطائف الله
إنّ الله سبحانه وتعالى، برحمته الواسعة ولطفه وكرمه، دفع الكثير من البلاء؛ لأنّ كثيراً ممّن أصيبوا كانت إصاباتهم طفيفةً ونجوا وإلّا كانوا في عداد الشهداء، ولأنّ عدداً من أجهزة «البايجرز» كان خارج الخدمة، وبعضها كان بعيداً عن متناول الإخوة، وبعضها لم يُوزّع أساساً. والفضل أيضاً يعود إلى لهفة الناس الذين هبّوا لنجدة الجرحى في الطرقات، وإلى جهود هيئات الإسعاف المختلفة وتعاون الجيش والأجهزة الأمنيّة. هذه المبادرات كلّها حالت دون أن يحقّق العدوّ أهدافه كلّها. لا شكّ في أنّنا تعرّضنا لضربة كبيرة غير مسبوقة في تاريخ المقاومة ولبنان، أمنيّاً وإنسانيّاً، وقد تكون غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع العدوّ الإسرائيليّ على مستوى المنطقة كلّها والعالم. لكن هذه حال الصراع والحرب، ونحن نعرف أنّ عدوّنا لديه تفوّق واضح على المستوى التكنولوجيّ، لأنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة ودول الناتو التي تملك أحدث قدرات تكنولوجيّة في العالم، تقف إلى جانبه.
الحرب سجال؛ يوم لنا من عدوّنا ويوم لعدوّنا منّا. وهذان اليومان كانا امتحاناً كبيراً، وسنتمكّن إن شاء الله من تجاوزه بشموخ ورؤوس مرفوعة. المهمّ أن لا تُسقطنا الضربة مهما كانت كبيرة وقويّة. وأقول لكم بكلّ اطمئنان وثقة وتوكّل على الله سبحانه وتعالى: هذه الضربة الكبيرة والقويّة وغير المسبوقة لم تُسقطنا ولن تُسقطنا إن شاء الله. من خلال هذه التجربة ودروسها وعِبَرها، سنصبح أقوى وأمتن وأشدّ صلابةً وعزماً وعوداً وقدرةً على مواجهة كلّ الاحتمالات والمخاطر.
* أهداف العدوّ
لماذا قام العدوّ بهذه الجريمة والمجزرة؟
للتذكير، اندلعت معركة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023م. وفي اليوم التالي، انطلقت جبهة الإسناد اللبنانيّة، وكانت فاعلة ومؤثّرة وضاغطة جدّاً على العدوّ، والدليل ما يعترف به قادته، في أنّها أوّل هزيمة تاريخيّة لـ«إسرائيل» في الشمال، وأنّ حزب الله يُحقّق إنجازات استراتيجيّة. هم يتحدّثون عن حزام أمنيّ داخل الكيان وفلسطين المحتلّة في الحدود الشماليّة لأوّل مرّة منذ 75 عاماً، وعن حجم التهجير، والخسائر الاقتصاديّة في الصناعة، والزراعة، والسياحة.
العدوّ سعى منذ اليوم الأوّل إلى إخماد جبهة الإسناد اللبنانيّة، واستخدم في ذلك الكثير من محاولات الضغط والتهويل والقتل والتدمير والاغتيالات. هذه الضربة أيضاً جاءت في هذا السياق بعدما فشلت كلّ المحاولات السابقة، وبقيت المقاومة في لبنان مصرّة على موقفها، فلجأ إلى هذا الأسلوب الذي هو أعلى مستوى إجراميّ يمكن أن يُقدم عليه، من أجل تحقيق بعض الأهداف:
1. فصل الجبهتين: بعد العمليّة بساعات، وصلت رسائل عبر قنوات رسميّة وغير رسميّة تقول بوضوح: «هدفنا من هذه الضربة أن تتوقّفوا عن دعم غزّة وأن توقفوا القتال في الجبهة اللبنانيّة، وإن لم تتوقّفوا، فلدينا المزيد». فكان الأربعاء المزيد الذي توعّدوا به. إذاً، الهدف من هذه الضربة فصل الجبهتين. من هنا، فإنّني أقول بوضوح: أيّاً تكن التضحيات، والعواقب، والاحتمالات، والأفق الذي تذهب إليه المنطقة، المقاومة في لبنان لن تتوقّف عن دعم أهل غزّة والضفّة والمظلومين في تلك الأرض المقدّسة. هذا أوّل ردّ وأوّل تعطيل لأهداف العدوّ.
2. ضرب بيئة المقاومة: في سياق ذلك، ثمّة هدف ضمنيّ، هو ضرب بيئة المقاومة. فالتفجيرات حصلت بشكل رئيس في الضاحية الجنوبيّة، والبقاع، والجنوب، وهذا طبيعيّ لأنّ وجود شباب حزب الله ومؤسّساته يتركّز في تلك المناطق، وحصل بعضها أيضاً في الشمال وجبيل – كسروان. لقد أراد العدوّ أن يضرب هذه البيئة، ويُتعبها، ويستنزفها، ويُخضعها، ويجعلها تصرخ وتقول للمقاومة: كفى، لقد أدّينا قسطنا للعلى. ولكنّ الردّ سمعناه بوضوح من الجرحى الذين أعربوا بمعنويّاتهم العالية، وصبرهم العظيم، وإرادتهم القويّة عن عزمهم للعودة إلى الميدان والجبهات. عندما نسمع كلام عوائل الشهداء والجرحى عن ثباتهم وعزمهم وصبرهم وتصميمهم، فإنّنا نخجل منهم ومن صبرهم وعزمهم وشجاعتهم وإيمانهم واحتسابهم. والرسالة نفسها سمعناها في تشييع الشهداء الضخم في كلّ القرى والبلدات والمدن، من خلال ما ردّده المشيّعون من شعارات وهتافات. هذه المواقف أيضاً إسقاط لهدف العدوّ.
3. ضرب بنية المقاومة وقيادتها: من جملة الأهداف أيضاً ضرب بنية المقاومة. العدوّ كان يفترض أنّ جزءاً كبيراً من هذه «البايجرز» أو أجهزة اللاسلكيّ بحوزة كبار شخصيّات المقاومة وقادتها، فيُحدث بذلك خللاً في نظام القيادة والسيطرة، وتشيع حالة الفوضى والارتباك والضعف والوهن في بنية المقاومة. طبعاً، هذا لم يحصل على الإطلاق. منذ اللحظة الأولى، أعلنّا الجهوزيّة في الجبهة، لأنّنا احتملنا أن يشنّ أيضاً هجوماً عسكريّاً واسعاً على بلدنا.
أؤكّد لكم أنّ هذه البنية لم تتزلزل ولم تهتزّ. بحمد الله عزّ وجلّ، وبتراكم الجهود وبركة دماء الشهداء وتضحيات المجاهدين والجرحى والقادة والكوادر في كلّ المستويات من 1982م إلى اليوم، هذه البنية هي من القوّة والمتانة والقدرة والعدّة والعديد والتماسك ما لا تهزّه جريمة كبرى بهذا الحجم. كونوا مطمئنين، وليعرف العدوّ أنّ ما حصل لن يمسّ بُنيتنا وإرادتنا وعزمنا وتماسكنا وقدرتنا ونظام القيادة والسيطرة، وجهوزيّتنا، بل سيزيدنا قوّةً ومتانةً وصلابةً وحضوراً.
* الموقف واضح
صحيح أنّ العدوّ الصهيونيّ على درجة عالية من الذكاء في الجانب التكنولوجيّ، ولكن ما فعله كشف للعالم أنّه على درجة عالية من الغباء، لأنّه لا يستطيع أن يُحقّق أهدافه. حتّى الآن هو لا يفهم العمق المعنويّ والثقافيّ والإيمانيّ لهذه البيئة والمقاومة.
وأنا أقول لنتنياهو وغالانت وجيش العدوّ وكيانه: لن تستطيعوا أن تعيدوا سكّان الشمال إلى الشمال، لن تستطيعوا أن تعيدوا المستوطنين المحتلّين المغتصبين إلى المستعمرات في الشمال، وافعلوا ما شئتم، هذا تحدٍّ كبير بيننا وبينكم. أمّا السبيل الوحيد لذلك، فهو وقف العدوان والحرب على قطاع غزّة والضفّة الغربية. وأيّ تصعيد عسكريّ وقتل واغتيالات وحرب شاملة، سيزيد تهجير السكّان في الشمال.
* الحساب آتٍ
بما أنّ العدوان الذي حصل كبير جدّاً وغير مسبوق، فسيواجه بحساب عسير وقصاص عادل من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون. ولأنّ هذه المعركة الجديدة كانت في أوجه خفيّة، فلن أتحدّث عن وقت أو شكل أو مكان أو زمان. الخبر هو ما ترون لا ما تسمعون، وهذا حساب سيأتي، وسنحتفظ به لأنفسنا وفي أضيق دائرة، لأنّنا هنا في جزء من المعركة الأكثر دقّة وحساسيّة.
أسأل الله سبحانه وتعالى الرحمة وعلوّ الدرجات للشهداء، والصبر والرضى والتسليم لِعوائلهم، وأن يتقبّل منهم قرابينهم وتضحياتهم وموقفهم، والشفاء العاجل والعافية والصحّة التامّة لِكلّ الجرحى، لِيعودوا إلى عائلاتهم وساحات جهادهم. وأسأله أن يُثبّت قلوب اللبنانيّين جميعاً على المحبّة والألفة والتضافر، وأن نَتمكّن من الحفاظ على هذه الإيجابيّة التي تجلّت بِبركة دماء هؤلاء الشهداء؛ لأنّ لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الموقف والتماسك ورصّ الصفوف في مواجهة العدوّ. هذا من عناصر القوّة التي تجعل العدوّ يتردّد في مواصلة استهدافه للبنان. ونسأله تعالى أن يُثبّت كلّ المساندين والمؤيّدين والمقاتلين والمقاومين في جميع جبهات محور المقاومة، وأن يكونوا جميعاً على يقين بأنّ خاتمة هذه المعركة هي النصر الإلهيّ التاريخيّ الكبير.
*كلمة سماحة سيّد شهداء الأمّة السيّد حسن نصر الله الأخيرة (رضوان الله عليه) بعد تفجيرات «البايجرز» في 19 أيلول/ سبتمبر 2024م.