مع الإمام الخامنئيّ: في الانتظار استشرافُ المستقبل(*) نور روح الله: القنوت مقام الانقطاع إلى الحقّ(*) طـول عمـر الإمــام عجل الله تعالى فرجه بيــن الإعجــاز والعلـم(*)  أخلاقنا: مورثات النفاق(*) مناسبة: حاضرٌ في الثغور عقائدنا: ما معنى أنّ الإمام المهديّ  "يأتي بأمر جديد"؟ مخاطر الـ (2) TikTok صحة وحياة: كيف نحفظ نعمة النظر؟ اسم "محمّد" في المرتبة الثانية في هولندا "إنّا غير مُهملين لمراعاتكم"

أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*)


الشهيد السيّد عبد الحسين دستغيب


المؤمن يثبت دائماً مقابل الابتلاءات ولا ينهار؛ لأنّه يدرك أنّ فيها حكمة تعود إلى مصلحته، وله بربّه أمل أن يرفع تلك الابتلاءات عنه أو يجعلها مقابل شيء من عذاب الآخرة، ذلك العذاب الذي تعدّ ابتلاءات الدنيا أمامه صفراً.

قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ﴾ –أي من لا إيمان لهم– ﴿يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾ –مع فارق– ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104)؛ فأنتم ترجون من الله النجاة من البلاء والمغفرة والجزاء، وأولئك لا أمل لهم، بل يبقون معذّبين في ظلمة اليأس والحيرة. (2)

* عذاب الكافر في الدارَين
يطبع الباطن يوم القيامة على الظاهر، ويُحشر كلّ شخص على صورته الملكوتيّة الخاصّة به؛ فالأشخاص الذين عاشوا الدنيا وكانت تطغى عليهم الصفات الحيوانيّة، وكانوا فاقدين روح الإيمان والحياة الطاهرة، يُحرمون يوم القيامة من الجمال الحقيقيّ، ويُقلبون على أقبح الصور، كما ورد في الرواية: "يُحشر بعض الناس على صور تحسن عندها القردة والخنازير"(1).

هنا، قد يُطرح هذا السؤال: أنتم تقولون إنّ لأهل الإيمان حياة طيّبة في الدارَين، والمؤمن يظلّ دائماً في النعمة والهناء والسعادة والسرور، وما عداه يكون دائماً في الألم والبلاء وأسير هوى نفسه وحبيس التعاسة والغمّ، في حين أنّا نرى كثيراً من أهل الإيمان في الدنيا يبتلون بأنواع الآلام والصعوبات، وفي المقابل، نرى الكثير من الذين لا إيمان لهم يتنعّمون سعداء مرحين. فما هو سبب ذلك؟

الجواب: إنّ غمّ عالم الطبيعة وألمه لا يجد طريقه أبداً إلى حديقة قلب المؤمن. وكلّ الصعوبات والآلام التي يمرّ بها المؤمن، لا تصيب إلّا جسده، أمّا روحه فهي في مأمن من كلّ آفة، كما يقول القرآن الكريم: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82).

المؤمن في الدنيا ليس له "أمن" غير رضى خالقه، ولذا، فهو لا يبتلى بخيبة الأمل وعدم تحقّق مراده. ولأنّه يعلم أنّ الله معبوده ومعبود الآخرين، ويعرف أنّ لديه سبحانه القدرة والحكمة والعطف، ويعدّ نفسه عبداً له وهو مولاه، فلذلك لا يمكن أن يضطرب قلبه في الحوادث المؤلمة، والله سبحانه يفيض عليه السكون بسبب إيمانه"(2).

* قلب الكافر خربة مرعبة
كما أنّ الابتلاءات والصعوبات لا تجد طريقها إلى قلب المؤمن، ويقتصر تأثيرها في جسده وظاهره فقط، فكذلك المفرحات التي نراها لدى من لا إيمان لهم، إنّها تجمّل ظاهرهم ولكنّ قلبهم مكان موحش وخربة لا تعمر بهذه الأشياء، وهو أيضاً مكان مظلم سوف لن تنيره الشهوات، ويظلّ في خفقان واضطراب، ولا يمكن أبداً أن يطمئنّ بهذه المفرحات.

* ألم الكافر لا نهاية له
عندما يعجز من لا إيمان له في هذه الدنيا عن الوصول إلى المسلّيات التي تنسيه آلامه الداخليّة، ويصبح هدفاً لسهام البلاء، وتضيق في وجهه الدنيا من الفاقة والمرض وملاحقة الأعداء، وكذلك من شدّة ظلام اليأس وعدم الإيمان وعدم الاعتماد على الله، فإنّه يملّ من نفسه ومن الحياة المرّة، حتّى يتمنّى الموت وينتحر ظنّاً منه أنّ هذا يخلّصه من الألم، مع أنّه مخطئ؛ فبالموت لا يفنى، بل سيظلّ يواجه مصير قلبه الموحش هذا باستمرار ولا نجاة له، ذلك أنّه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 124).

* لذائذ الدنيا مشوبة بالمنغّصات
الشخص الذي لا إيمان له، مهما كان سعيداً بحسب الظاهر، فإنّ باطنه في ضغط واضطراب، لأنّه:

أوّلاً: لا يحقّق جميع أمنياته، وأمنيات البشر لا حدّ لها ولا حصر، بل إنّه لا يحقّق واحداً بالمائة من رغباته وأمنياته بسبب المنغّصات، ولذا، فهو دائماً يحترق في نار محاربة المنغّصات ومحاولات التخلّص منها.

ثانياً: إنّه يخاف من زوال ما تحقّق له من أمنيات، ولأنّ ممتلكاته الماديّة معرّضة للفناء، فإنّ موته أو فناء الأمور الماديّة، يجعله يفترق عن ممتلكاته.

إنّ الإيمان بالله ويوم الجزاء فقط هو الذي يسعد القلب بما يمتلك، ويجعله لا يشعر بالخوف من فناء دنياه لأنّه يعلم أنّ ما بعد الدنيا أفضل من الدنيا، وإيمانه يبقى له، لذا، يظلّ فرحاً في الآخرة بفضل الله وكرمه(3).

* فلنضء قلوبنا بنور الإيمان
يُعلم ممّا تقدّم جيّداً، أنّ كمال سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة هو في سلامة نفسه من مرض عدم الإيمان، تماماً كما أنّ كمال شقاء الإنسان في الدارَين يكمن في مرض عدم الإيمان. وعليه، يجب علينا أن نبذل أكبر الجهد في مجال كسب الإيمان وزيادته؛ فبإشراقة القلب بنور الإيمان نشفى من كثير من الأمراض، فلنشفِ قلوبنا من مرض الجحود وعدم الإيمان المهلك الذي هو بدوره سبب وجود كثير من الأمراض النفسيّة الأخرى أو في زيادتها.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (البقرة: 257)، هو أنّ الله يُخرجهم من ظلمة الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة. إذاً، أساس كلّ شيء هو الإيمان، وببركته تزول الأدران.

* الإيمان: مرتبة اليقين
علينا أن نسجّل هنا أنّ المراد بالإيمان، الذي هو سبب التطهير من أمراض القلب، إنّما هو اليقين بمراتب التوحيد والمعاد؛ فمن رأى بنور اليقين أنّه مخلوق لله تعالى وعبد له، وأدرك أنّ كلّ ما في يده مهما كان إنّما هو مستعار، وعلم أنّ رجوع الجميع ومصيرهم إلى عالم الجزاء، فشخص من هذا القبيل لا يبقى عنده مجال للبخل والحسد والحرص والعداوة، ذلك أنّه بإشراق نور اليقين، يتبدّد ظلام هذه الأمراض. وإذا كان لبعضها أثر في أحد، فلأنّ اليقين غير موجود لديه، أو أنّه ضعيف.

* اليقين: أساس الاعتقادات
إذاً، يجب على طالب القلب السليم ومريد سعادة الدنيا والآخرة أن يحصل على اليقين، الذي يشكّل أساس الاعتقادات وعلاج كثير من الأمراض. ويجب أن يكون هذا المراد مقدّماً على كلّ مراد آخر.


(*) مقتبس من كتاب: القلب السليم، الشهيد عبد الحسين دستغيب، ج1، ص 50 - 56.
(1) الشيخ القاشاني، شرح فصوص الحكم، ص 188.
(2) ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: 4).
(3) ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ (يونس: 58).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع