منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

تفاءلوا.. تنجوا

الشيخ موسى خشّاب


كيف لا نكون متشائمين في هذه الظروف الصعبة من غلاء الأسعار، وقلّة المال، وشحّ المواد، وجشع التجّار، وكثرة الأمراض والأوبئة، وصعوبة التعلّم؟! أليس مستقبل أولادنا في خطر؟! فهل من المنطقيّ أن نكون متفائلين في مثل هذه الأوضاع؟ 

أسئلة كثيرة قد نطرحها على مدار الساعة، وخصوصاً في ظلّ هذه الأزمة الخانقة التي تمرّ بها البلاد. فما هو رأي الدين في هذه المسألة؟ وهل يريدنا أن نكون متفائلين دوماً، أم يريدنا أن نتكيّف مع الظروف؛ نتفاءل حيناً في الرخاء، ونتشاءم حيناً آخر في الشدّة؟ 

* التوجيه القرآنيّ
كما تتناسب الأحكام الشرعيّة مع قدرات الإنسان: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، فإنّها تتناسب وتنسجم أيضاً مع حاجاته. وعلى هذا الأساس، فإنّ لكلّ حالة يمرّ بها الإنسان، حكماً مناسباً ومتناسباً معها، ومنها الظروف الصعبة التي يمرّ بها. 

من يقرأ القرآن الكريم، يتبين له بوضوح أنّ الظروف الصعبة لا تمرّ على الناس العاديّين فقط، بل أيضاً على الأنبياء والأولياء عليهم السلام، وبشكل أصعب. وقد ذكر القرآن الكريم بعض الحالات التي انعدمت فيها إمكانيّة النجاة، بحسب المقاييس البشريّة، ولكن في اللّحظات الأخيرة قُلبت الموازين، منها: 

1- في غار ثور: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غار ثور، بعد أن أنجاه الله تعالى من محاولة قتله. وكان عتاة قريش يبحثون عنه في كلّ مكان، واستعانوا بمقتفي أثر، فقادهم إلى الغار، وهم في حالة من الجنون والغضب الشديد. وقفوا على باب الغار وقالوا: اخرج يا محمّد. وما كان عليهم إلّا أن ينظروا داخل الغار وينتهي كلّ شيء، ولكن فجأةً، غادر هؤلاء المكان، ونجا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

2- في بطن الحوت: لم يكن لدى النبيّ يونس عليه السلام –بعد أن أصابته القرعة- خيار، سوى أن يرمي بنفسه في الماء؛ لينقذ مَن في السفينة. كان الخطر يتهدّده. حاول أن يسبح في الاتّجاه المعاكس، ولكن حركته كانت بطيئة جدّاً. اقترب منه الحوت، فلم يعد هناك من إمكانيّة للهرب. شعر بقربه الشديد، وفجأةً، خيّم الظلام، واختفت الأصوات كلّها، والتقمه الحوت. النتيجة: رجلٌ في بطن الحوت، والحوت في عمق المحيط، في ظلمة الليل، ظلمةٌ فوق ظلمة. ظنّ الجميع أنّ كلّ شيء قد انتهى، لكن في لحظة معيّنة، نبذه الحوت إلى اليابسة، فعاد النبيّ عليه السلام من جديد!

3- عبور البحر: كان جيش فرعون يلاحق النبيّ موسى عليه السلام وبني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، فظنّ بنو إسرائيل أنّهم مغرقون؛ فالبحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم، ولكن فجأةً؛ فَرَق الله لهم البحر فعبروا، وغرق فرعون وجنوده أجمعون!

* ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾
والسؤال الذي يُطرح هنا: كيف كانت حال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الغار، والنبيّ يونس عليه السلام في بطن الحوت، والنبيّ موسى عليه السلام حين كاد فرعون أن يصل إليه؟ والجواب: لقد كانوا في قمّة التفاؤل الذي يعني الثقة بالله، والأمل والاستعانة به تعالى. في تلك اللحظات الصعبة، بل في اللحظة الأصعب، حين بدا واضحاً، بحسب المقاييس البشريّة، أنّ كلّ شيء قد انتهى، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لصاحبه: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40)، ويونس عليه السلام ينادي: ﴿أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87)، لأنّه ظنّ أنّ الله لن يضيّق عليه، وموسى عليه السلام قال بكلّ هدوء وثبات: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62). فالقرآن يدعونا لأن نكون متفائلين، وسبب هذا التفاؤل هو الإيمان أنّ الله تعالى معنا، حيث قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (الحديد: 4). 

* التوجيه النبويّ
يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نكون متفائلين في أصعب الظروف؛ ففي صلح الحديبية، مثلاً، تفاءل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم سهيل بن عمرو رئيس الوفد المفاوض، الذي أرسلته قريش، فقال: "قد سهل أمرُكم"(1). وكذلك حين رجع مرساله من عند ملك الفرس، وعاد بالكتاب الذي أرسله معه ممزّقاً، ومعه قبضة من تراب، فتفاءل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ المسلمين سيملكون أرضهم(2). وكذلك تفاءل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في معركة الأحزاب، حينما كان يحفر الخندق، فقال للمسلمين إنّهم سينتصرون على الفرس وعلى الروم رغم صعوبة المعركة، التي لم يكن يأمن الواحد منهم فيها على نفسه إذا أراد أن يقضي حاجته!

* "نِعم الشيء الفأل"
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير التفاؤل، ويأمر الناس به، ويحثّهم عليه، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "نعم الشيء الفأل"(3). وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفسّر الأمور والرؤى بالخير لا بالشرّ، ففي الرواية: "إنّ امرأةً رأت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ جذع بيتها قد انكسر، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقصّت عليه الرؤيا، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يقدم زوجك ويأتي وهو صالح)، وقد كان زوجها غائباً، فقدم كما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . وكذلك عبّر لها الرؤيا الثانية. وفي المرة الثالثة، رأت الرؤيا نفسها، فلقيت رجلاً أعسر، فقصّت عليه الرؤيا، فقال لها الرجل السوء: يموت زوجك، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ألا كان عبّر لها خيراً؟)"(4).

كذلك كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام من بعده يربّون المؤمنين على أن يكونوا أصحاب يُمنٍ وتفاؤل وأمل ورجاء، ويدعونهم إلى محاربة الشؤم والتشاؤم واليأس والقنوط، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "تفأَّل بالخير تنجح"(5). 

* علاقة الإيمان بالتفاؤل 
اتّضح ممّا تقدّم، أنّ سبب التفاؤل هو الإيمان بالله تعالى؛ فالمؤمنون أصحاب ميمنة وتفاؤل، ولذلك يخاطبهم القرآن الكريم في الشدائد قائلاً: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104)؛ أي أنّهم بسبب إيمانهم بالله تعالى، يرجون ويتوقّعون منه تعالى أموراً لا يتوقّعها الكافرون، فهم مهما اشتدّت الظروف عليهم، وزادت الصعاب، وصارت الأمور بعيدة المنال، يرجون من الله النصر والنجاة والغلبة والفتح، ففي الحديث: "كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو"(6). 

والسبب في توقّع المؤمنين في أوقات الشدة أموراً لا يتوقعها الكافرون؛ هو أنّ الدائرة التي يؤمن بها المؤمنون أوسع؛ فهم يؤمنون بالقوانين الماديّة والغيبيّة معاً، في حين أنّ الكافرين يؤمنون بالقوانين المادّيّة فقط. فحينما تعجز القوانين الماديّة عن حلّ مشاكل المؤمنين دون تقصير منهم، تتدخّل القوانين الغيبيّة. وقد سُئل أمير المؤمنين عليه السلام: لَوْ سُدَّ عَلَى رَجُلٍ بَابُ بَيْتٍ وَتُرِكَ فِيهِ مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُه؟ فَقَالَ عليه السلام: "مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ"(7). 

* آثار التفاؤل 
لأنّ المؤمنين هم أصحاب يُمن وميمنة، فذلك يترتّب عليه أثران مهمّان: الأوّل، هو التواصي بالصبر؛ فإنّهم يرون أنّ الوضع الحاليّ سيؤول إلى الخير، وأنّ بعد الشدّة فرجاً، وأنّ مع العسر يُسراً؛ فلذلك يتواصون بالصبر، ريثما تمرّ هذه المرحلة الصعبة. والثاني، هو التواصي بالمرحمة؛ فإنّهم يتواصون بالتراحم فيما بينهم، فيتكافلون ويتصرّفون كالجسد الواحد، فيساند بعضهم بعضاً في أوقات الشدّة. قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7). 

فالتفاؤل نقطة قوّة في المجتمع؛ لأنّه مضافاً إلى آثاره الطيّبة على الإنسان نفسه، فإنّه يدفع إلى الصبر والتراحم في هذا المجتمع. قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ* أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (البلد: 17-18)؛ والمقصود أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشأمة؛ أي الشؤم والتشاؤم. وليس غريباً إن قلنا: إنّ تحقّق الأثرين العميقين (التواصي بالصبر وبالتراحم) يحقّق أثراً ثالثاً، وهو تجاوز الشدّة دون السقوط معنويّاً ونفسيّاً فيها، ما يعني ذلك تجاوزها بقوّة وفلاح.

* المتفائلون: أصحاب بصيرة 
والخلاصة، إنّ أصحاب الميمنة يقرأون الأحداث بطريقة تختلف عن قراءة أصحاب المشأمة، فها هو الحسين عليه السلام يزداد وجهه إشراقاً كلّما اشتدّ القتال، وحين يمسك برضيعه المذبوح يرفع دمه إلى السماء ويقول: "هوّن ما نزل بي أنّه بعينك يا أرحم الراحمين"(8). وها هي السيّدة زينب عليها السلام تقول بكلّ صدق ويقين وقوّة في وجه ابن مرجانة، حين سألها عن مقتل إخوتها وأبنائها وعشيرتها، فتجيب: "ما رأيتُ إلّا جميلاً"(9). 

* الانتظار والتفاؤل
وهذا ما يجب أن يحدث اليوم مع المنتظرين لإمام زمانهم عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ إذ يعلمون أنّ الصعوبات إنّما هي علامات من الله عزّ وجلّ، فيستبشرون في أصعب الظروف. عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ قدّام القائم علامات تكون من الله عزّ وجلّ للمؤمنين، قلت: وما هي، جعلني الله فداك؟ قال: ذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ يعني المؤمنين قبل خروج القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 55). قال: يبلوهم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء أسعارهم، "ونقص من الأموال"، قال: كساد التجارات وقلّة الفضل. و"نقص من الأنفس"، قال: موت ذريع (سريع)"(10).

ولذلك تراهم في الحصار الذي يتعرّض له أتباع الحقّ صابرين متراحمين؛ لأنّهم يعلمون أنّ الله إذا رأى صدقهم في صبرهم وتراحمهم، فتح لهم باب الفرج مهما تضايقت الأمور.

"يا من إذا تضايقت الأمور فتح لها باباً لم تذهب إليه الأوهام، صلّ على محمّد وآل محمّد، وافتح لأموري المتضايقة باباً لم يذهب إليه وهم، يا أرحم الراحمين"(11). 

(1) السنن الكبرى، البهيقيّ، ج 9، ص 220. 
(2) الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، السيد جعفر مرتضى، ج 15، ص 304. 
(3) كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج 10، ص 117. 
(4) الكافي، الكلينيّ، ج 8، ص 335 – 336. 
(5) عيون الحكم والمواعظ، الليثيّ الواسطيّ، ص 199. 
(6) الكافي، (م. س.)، ج 5، ص 83. 
(7) نهج البلاغة، خطب الإمام عليّ عليه السلام وحكمه، الحكمة 356. 
(8) إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام، السماوي، ص 45. 
(9) مثير الأحزان، ابن نما الحلّيّ، ص 71. 
(10) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ص 649. 
(11) قصص الأنبياء، الراوندي، ص 363. 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع