مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*) أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*) الزهراء عليها السلام جمعت خواص الأنبياء عليهم السلام المهندس: "القـائد الرساليّ" سليمانيّ: "رسولٌ إلى سامرّاء" من نهج الرسول: رجال يحبهم الله فقه الولي: من أحكام الرهن آلام المفاصل: الأسباب وطرق العلاج جـهـاد التبـيـيـن في تراث المعصومين عليهم السلام

تحقيق: أحياءٌ يرزقون شهداء الجبل الرفيع

ولاء إبراهيم حمود

 



صباح الثالث عشر من أيلول 1997، تلقيت اتصالاً (1) بُلِّغتُ فيه إلغاء المقابلة الحلم مع سماحة السيد حسن نصر الله، ودعيت إلى سماع الأخبار، فسمعتها وبكيت ونسيت حلمي الطائر مع طيور أيلول التي هاجرت هذه المرة، شهيدة إلى باريها.  وسمحت لي المناسبة الحزينة بلقاء أُم هادي (2)، حاورتُ امرأةً، أذهلني أنه لا أثر لاحمرار الدمع في عينيها، فأكبرتها أماً للشهيد وزوجة للقائد.

وانكفأتُ إلى أوراقي، أملؤها، فرحاً وحباً ومقاومةً، إلى أن قال لي ولدي يوماً: "في الطريق إلى الحلم نتوه، لكننا في ذات الطريق نجد حلماً آخر". فمضيت في "ذات الطريق" ووجدت أحلاماً عديدة: منها أمٌّ تطلب من ولدها الشهيد أن يقرّب منها ولده.. ومنها جدٌّ يصوغ أحلامه شعراً، يلقيه على مسمع الدهر، عن الشهيد ووالده. التقيتهم جميعاً، والداً ووالدةً وجدّاً ووجدت بينهم وبعد غياب أربع عشرة سنة عن وجوه الأحبة ملامح كثيرة مشتركة، كان الفخر أوّلها وآخرها والثبات مبتداها ومنتهاها، والحزن الغافي تحت جمر الانتصار أبهاها. عدت من حواراتهم وقد تذوّقتُ نكهة أحزانٍ جديدة، لكنني عرفت عن كثب معنى الانتماء لأمةٍ يستشهد ابن قائدها مع اثنين من أعزّ أصدقائه، دون صخب المباهاة إلَّا بالتنافس على دروب الجهاد. شهداء الجبل الرفيع، طبتم وطابت الأرض التي عليها استشهدتم والأمة التي لأجلها مضيتم.

* جدّ الشهيد السيد هادي حسن نصر الله حفظه الله
أذكر من طفولة هادي وقوفه بمحاذاة الطريق قرب بيتنا في القرية، يحمل بندقية خشبية يوجهها مع أخيه جواد تجاه العابرين إلى منزلنا. وكان بعد أن يتأكد من مقصدهم، يسمح لهم بالمرور بعد إعطائهم "كارت الزيارة" المقطوع من علبة دخان فارغة. كان المشهد يسرُّ قلبي دون أن أعلم أنه سيبلغ درجة المقاومة والشهادة من خلال ولعه "بالبنادق". 

للحفيد الأول محبَّة خاصّة؛ فالسيّد حسن كان أول حفيد لوالدي وقد كان متعلقاً به، كما كان هادي حفيدي الأول. وقد أحبّنا هادي كثيراً. كان يقضي معنا أجمل الأوقات. وأكثر ما آلمني بعد استشهاده، هو أنني قبل ذلك بسنة وبعد إلحاحٍ مني فوّضني والده السيد حسن بالبحث عن شقةٍ له. في البداية، لم نكن نملك قسطها الأول، وعندما تيسّرت بالتقسيط وأنهينا الدفعة الأولى، التي كانت حينها خمسة الآف دولار، استشهد هادي، فأعاد لنا أصحابها المبلغ، عندها طلب سماحة السيد توزيعه على الفقراء، وقد نفذنا له هذه الرغبة. لسنا وحدنا في هذه الأمة من قدّم الشهداء، لذلك فاقت بطولة هادي في المواجهة حزني عليه.

 أما الآن فأُطَمئِنُه أنه وبعد مضي أربعة عشر عاماً على استشهاده حقّقنا انتصارين كبيرين، كان يسعى إليهما، وأننا سنسير على خطاه. لقد أجريت حوارات كثيرة على الفضائيات والجميع يسألني عن السيد حسن، لم يسألني أحدٌ عن هادي الذي كان يمر عليّ سائلاً: "أتريد شيئاً يا جدي" ويقبل يدي ووجهي. ولأن عشرتنا معه كانت قصيرة نسبياً لذلك أختم حديثي بشعرٍ كتبته له:
 

طرق باب الجهاد وقال هادي أنا روحي فداكِ يا بلادي

قوموا يا رفاقي ودّعوني

ويا خيّ قوم أسرج لي جوادي

أنا ابن الحسن وبتعرفوني

أنا ابن اللي حرق قلب الأعادي

أنا بالنار لولا بيحرقوني

وبقلب العاصفة بيذروا رمادي

عن نصرة أبي ما بيمنعوني

اللي ربّاني على أعظم مبادي

وبتشجيع من أمي الحنونة

اللي قالتلي ما بترجع يا هادي

إلا بالنصر أو بالشهادة


إذاً، أنا وهادي وأبواه ننتمي لأمة الشهداء التي ما بخل أبناؤها بالأعزاء عليها. لقد بقيت مع أبي هادي طيلة فترة الأربعين، كان فيها يواسيني ويعزيني. حتى أم هادي، كانت لا تقلّ عن السيد شجاعة وقوة. وستبقى أمّاً للرجال الذين تقدم أحدهم من أمته شهيداً.

* والدة الشهيد علي كوثراني
ترك علي فراغاً كبيراً بعد استشهاده، ومع ذكرياته أحيا. لقد تعلّقت بعده بالآخرة أكثر. كان حريصاً على ديني ويذكّرني بالآخرة دوماً. سألته مرة بعد ولادة طفله الأول محمد باقر: "ألا تحنّ لولدك، عندما تغيب عنه"؟ فأجابني: عندما أتجاوز هذا الخط، لا أفكر إلا بالذي فوقنا"، وأشار إلى السماء. كان قد أصيب قبل استشهاده. وأثناء زيارتي لمقام السيدة زينب عليها السلام كنت أدعو له بالسلامة فقال لي بعد عودتي: "الله يحبك أكثر مما يحبني فقد استجاب دعاءك ونجوت. ولم يستجب دعائي لنفسي بالشهادة التي طلبتها في صلاة الليل قبل ذهابي". يوم استشهاده كان قلبي مقبوضاً. وقد أعلموني أن الاتصال به مفقود. كنت قد أعددت له الملوخية التي يحبها كثيراً. وبعد عودتي من مأتم إحدى قريباتي، بعد نهارٍ طويل شاق، علمت من ملامح أخيه حسن الشاحبة أنه استشهد، فاسترجعت. كانت لحظات صعبة للغاية. لقد انتهى زمن خوفي عليه وبدأ زمن حزني. الآن تسلّيني أخبار ولده الوحيد محمد باقر. هو كل العزاء من بعده، وهو اليوم يستعد لامتحان الشهادة المتوسطة، البريفيه (3).  لقد زار هادي ولدي علي مرتين أو ثلاثاً في منزلنا في الشياح، ولم أعلم أنه ابن الأمين العام إلا بعد رؤيتي لصورته بعد استشهاده، فتألمت لأجله تألمي لولدي. وكثيراً ما استعدت التفاصيل البسيطة لأدبه وخُلُقه في تلك اللقاءات. لقد وجدت كثيراً من العزاء في زيارة أم هادي لي وفي كلماتها الشجاعة: "لن نرضى أن تُبكينا إسرائيل، نحن سنُبكيها. الآن داس أولادنا قلبها وبعد أن ولدوا من جديد. لقد التقينا السيد أبا هادي قبل الأربعين، صدّقيني، إنّ من يسمع كلامه يعشق الموت ويتمنّى الشهادة. الآن وبعد مضي أربع عشرة سنة على استشهاد علي وهادي وهيثم أقول لأمهاتهم وأمهات من استشهد بعدهم بارك الله لكنّ شهادة أبنائكن وهنّأهم الله بجنته.

* والد ووالدة الشهيد هيثم مغنية
ترك لي الشهيد خطه، لأتابع خطاه عليه، ولأنه كان ينادي في أكثر عملياته يا زهراء، سمينا ابنته بهذا الاسم المبارك، بعد ولادتها عقب استشهاده. هو قربي في كل خطوة أخطوها. إنني أرفع رأسي بهم وأعتز بهيثم وعلي وهادي. أفرح كثيراً عندما ألتقي برفاق ولدي رغم الغصَّة الموجودة في قلبي. أفرحنا وجود زهراء كذكرى حيَّة من هيثم. صلّت والدته ركعتي شكر مرتين، الأولى عندما تيسّر الاتصال به بعد أن كان مفقوداً والثانية عندما تأكد استشهاده، وتأكدت عودة جثمانه الطاهر بعد أربعة أيام فقط. كانت تكره له الأسر حياً أو ميتاً. وقد استجاب الله دعاءها بعودته شهيداً. لقد ظنّ النسوة أنّها جنّت، عندما صرخت بهن: "هيثم ما مات. هيثم شهيد والشهيد لا يموت. لا تبكوا". كان هادي وهيثم صديقين وما كانت تعرف أن علاء هو هادي. وقد ندِمَتْ كثيراً بعد أن عرفت ذلك، فهي كانت قد طالبته في أحد الاتصالات الهاتفية أن يجلس وهيثم في المنزل ويتركا الساحة الجهادية لابن السيد حسن وأبناء المسؤولين، وعلمت حينها كم كانت تقسو على علاء.  أنسى حزني على هيثم عندما أتذكر أن السيد حسن يحمل في داخله همّ الأمة كلها مثقلاً بحزن غيابِ هادي. لقد رعيت زهراء حتى زواجها وأديت له الأمانة كاملة. ما زالت أم هيثم تحتفظ بثياب استشهاده وبذكرياته المفعمة بحبه لهذا الخط الجهادي.. الآن، أعيش على هذه الذكريات وعلى أمل كبير لم يتحقق لي منذ استشهاد هيثم وهو لقاء سعيت إليه كثيراً، لقائي بأبي هادي الذي أطلب منه المعنويات والمواساة، أما المجاهدون والشهداء فكلهم أحبائي وإخوة هيثم ورفاق دربه طال أم قصر.


(1) كان الاتصال من سماحة الشيخ أحمد إسماعيل مدير تحرير مجلة بقيّة الله الأسبق.
(2) حوار نشرته مجلة بقيّة الله في العدد 73/ تشرين الأول/ 1997.
(3) تزامن إجراء هذا التحقيق، مع امتحانات شهادة البريفيه المتوسطة، التي خاضها ابن الشهيد علي كوثراني، "محمد باقر" وقد فاز بدرجة جيد، مباركٌ له هذا الفوز الرائع الذي يؤكد أن الشهادة في حاضرنا إرثٌ يصنع الحاضر ويؤسس للمستقبل وأن دماء الشهداء وحدها القادرة على صناعة النصر عِلْماً ومقاومة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

النبطية-رومين-الساحة العامة-احمد فياض شكرون

علي أحمد شكرون

2022-09-13 12:39:31

رحم الله الشهداء وأعزّنا بعزّهم.. ونسأله أن يرزقنا ما رزقهم بين يدي ولي الأمر صاحب العصر والزمان.. نسألكم الدعاء