حنان الموسوي
رافقني جهاز البايجر في جولتي ذلك النهار، من المعهد إلى مقام السيّدة خولة عليها السلام، وحتّى إلى المستشفى. نشاطه المفرط في نقل الرسائل كان محطّ تفكّرٍ، وكلّما قرأت ما ورَد، تشابهت الرسالة مع ما قبلها، إلى أن أرسيته على الخزانة عند مدخل المنزل حين عدت، ودخلت لأرتاح في غرفتي. بينما أنا بين الحلم واليقظة، ورد سيلٌ من رسائل، فوثبتُ مسرعاً وانهمكت عبثاً في إسكات الجهاز. كان المشهد الأخير رسالة«Error» ارتسمت على الشاشة، قبل أن أضغط على أحد الأزرار، وإذ بانفجار يقذفني إلى الخلف. ارتطم رأسي أرضاً، لتبدأ حكاية جديدة من فصول حياتي.
• معجزة الدعاء
شعرت بشيء دافئ يسيل على وجهي. كان الألم نابعاً من اصطدام رأسي، لا من عينَي أو من فقدان الأصابع. طلبت النجدة بصوتٍ عالٍ حتّى يسمعني أحدهم. ناديت صديقي جواد المصاب أيضاً من دون علمي، فلم يجبني سوى الصدى. عجزت عن النهوض حين لاحظت خطباً طال يدي. ضممتها إلى صدري واضطررت للزحف على ظهري حتّى صرت خارج المنزل. خارت قواي، وتناهت صرخاتي إلى مسامع «أم جواد»، فاستدعت الجميع.
حافظت على وعيي حتّى قام الطبيب في مستشفى دار الأمل بتخديري. استدعت خطورة جراحي الكثيرة وضع وثاق على أطرافي، وقد ضمّدوا رأسي وصدري ووجهي وكفّي. أبلغ الأطّباء أهلي بإشرافي على الهلاك، ولكنّ دعاء أمّي أعادني إلى سجن الدنيا كمعجزة.
مكثت يومين في المستشفى، ثمّ نقلتني الإسعاف إلى سوريا. استعدتُ وعيي مرّتين أثناء الطريق، وحين وصلت إلى مستشفى ابن النفيس، أجروا أوّل جراحة استأصلوا خلالها عيني اليمنى، أمّا عيني اليسرى فقد مات فيها أمل الرؤية.
• الخبر الذي هزّ كياني
ساعتان فقط كانتا قد مرّتا على الجراحة، حين حُملتُ على عجل إلى مستشفى المجتهد، وهناك، خضعتُ لأوّل عمليّة جراحيّة في كفّي، بينما كانت حياتي في خطر بسبب إصابة رأسي. شُطِر رأسي إلى نصفين، ألمٌ لا يهدأ، يشتدّ حتّى مع أبسط الأشياء، بما فيها الضحك.
أرّقتني أحوال الحرب التي اجتاحت قريتنا بلا رحمة، لأنّي تركت أهلي هناك وحيدين، بينما رافقني أخي إلى إيران كظلٍّ وحيد يلازم جرحاً لا يندمل. في مستشفى بقيّة الله، وبعد سلسلة طويلةٍ من الصور الشعاعيّة والفحوصات، اكتشف الأطبّاء شظايا متناثرة في دماغي، وكسراً في أنفي وفكّي العلويّ، وتشوّهاً في صدري. كان جسدي كخريطةٍ ممزّقة، وروحي معلّقة بين الألم والأمل.
بعد يومين، بدأت سلسلة العمليّات الجراحيّة، حتّى جاء السابع والعشرون من أيلول/ سبتمبر، يوم عمليّة دماغي. وعلى الرغم من أنّي كنت تحت تأثير المخدّر، إلّا أنّي سمعت صراخ الناس الذي هزّ المكان: «استُشهد السيّد»! شعرت وكأنّ الزمن توقّف في تلك اللحظة، وبغصّة أزهقت روحي، بينما دموعي انهمرت كالسيل. لذت بسكونٍ يتيم، وبدأت حالتي تتدهور، حتّى طلب أخي من الأطبّاء تنويمي. كانت الأجواء بعد شهادة سماحة السيّد (رضوان الله عليه) مشحونة بالشجون؛ فبينما لم أسمع أنين أيّ جريح قبل الاغتيال، أصبح الألم صاخباً في كلّ مكان، والحزن يحفر وجوه الناس، وكأنّ الحرب بكلّ المآسي سكنتها.
• أمل مفقود
بعد أسبوع من جراحة الرأس، خضعتُ لعمليّاتٍ أخرى في الصدر واليدين، ثمّ تابعني طبيب عيون أفقدني أمل الرؤية بعيني اليسرى نتيجة تضرّر الشبكيّة. أعادتني الصدمة إلى غرفتي، غير أنّ ذكر مصاب السيّدة الزهراء والإمام الحسين وأبي الفضل العبّاس عليهم السلام، سكّن روعي.
كما أنّ رؤياي للسيّد القائد -حفظه الله- يحتضنني ويبتسم، ثمّ السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) يقبّل عيني، قد أثلجت قلبي.
• نور سكن عيني
أمضيت أربعة أشهر في إيران. عدتُ لأتابع علاجي في لبنان بأملٍ ضعيف. ذكّرتني الممّرضات في المستشفى أنّي طلبت سماع سورة يوسف ودعاء الجوشن الصغير كبديلٍ للمسكنات. في شهر رمضان، فقدَت عيني النور، فأجريت زراعة قرنيّة، وعاد إليها النور الخافت تدريجياً. رزقني الله زيارة الأربعين، بعزّةٍ وشموخٍ، وتشرّفت بزيارة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، وشعرتُ أنّه يناديني، فلهجت بالدعاء لأكون برفقته في الجنّة، لا أن يعود بصري. سرتُ من النجف إلى كربلاء ما استطعت.
حين بلغتُ مقام الإمام الحسين عليه السلام، دعوتُ الله أن يكتبنا من الشهداء. كنتُ قد علّقت نظّارتي الشمسيّة في سترتي، وأثناء خروجنا في زحام الأربعينيّة، لاح لي نور ساطع آلمني. مددتُ يدي أتحسّس النظّارات فلم أجدها. في تلك اللحظة، إلهام داخليّ أخبرني أنّني قد استغنيت عنها.
• بصرٌ حيٌّ وبصيرة
بفضل الله استعدت قرابة العُشر من بصري، وأراه كافياً لأُدبّر به شؤون حياتي. أعتمد على نفسي لأداء واجباتي مقبلاً على الحياة بثقة وبصيرة، ولديّ مشروعُ خطوبةٍ نذرته لله كي ينمو. بعد استقرار حالتي الصحيّة، عدت لمتابعة نشاطي مع كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وبهذا أفيد مجتمعي وأندمج في محيطي. كما أنّي صرت أساعد في حلّ بعض المشاكل الاجتماعيّة.
رسالتي للعدوّ الإسرائيليّ تتلخّص بموقف الشيخ راغب حرب رضوان الله عليه): «هزئنا بالاحتلال». مسيرتنا لا تقف عند فقدان العينين أو بعض الأصابع، أو خسارة القادة والأقارب، فكيان الاحتلال أوهن من بيت العنكبوت.
رسالتي للناس والمجتمع والأقارب: لا تضعفوا أو تملّوا أو تيأسوا، ولا تظنّوا أنّ «إسرائيل» انتصرت، إنّما نحن من انتصرنا بشهدائنا وجرحانا، والله قد ختم على قلوب أعدائنا الذين تركوا الدين، وكلّ اليقين أنّ هذا الكيان الصهيونيّ إلى زوال، وسوف ينتهي ويدمّر.
رسالتي للأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله): نحن السيف الذي ستضرب به، أيّاً كان قرارك سلماً أم حرباً. لن يغشانا الليل وإن قُتلنا جميعاً وذُرّينا في الهواء. لن نحيد عن نُصرتك، وسنكمل الدرب معك. نثق بحكمتك وحنكتك، ونحن يا شيخنا مهما ازدادت جراحنا على العهد باقون.
سمعت صراخ الناس الذي هزّ المكان: «استُشهد السيّد»! شعرت وكأنّ الزمن توقّف في تلك اللحظة
اسم الجريح الجهاديّ: مالك الأشتر.
تاريخ الولادة: 17-5-2001م.
تاريخ الإصابة: 17-9-2024م.
نوع الإصابة: فقدان العين اليمنى وبعض الأصابع.