الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد القيادة: تنوّع أدوار ووحدة مسار نحنُ أبناء التكليف الافتتاحية | الراية هي هي

يدُ الله في اختيار القائد

الشيخ د. عبد الله عيسى


تُمثِّل القيادة في الفكر الإسلاميّ حجر الزاوية في حِفظ الأمّة، وصيانة كِيانها ووحدتها، وبناء اقتدارها واستقلالها، وتحقيق أهدافها الإلهيّة والقيميّة السامية. وفي عصر الغيبة الكبرى، حيث لا يوجد النصُّ التعيينيّ المباشر لنائب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تبرز مسألة «اختيار القائد» الذي يجمع بين الشرعيّة الدينيّة والكفاءة الواقعيّة والمشروعيّة الشعبيّة لأهل الحقّ والبصيرة في إطار فعاليّة الانتظار الإيجابيّ من جهة، ومباشرة المسؤوليّات تُجاه الرسالة والإنسان والاجتماع من جهة ثانية، كحلقة من حلقات استمراريّة «اللطف الإلهيّ»، إنّما بشروط وخصائص ودرجات مختلفة.
 
• الانتظار الإيجابيّ والمسؤوليّة
إنّ القيادة تبقى على الدوام أمانة إلهيّة وجزءاً من نظام الرعاية الإلهيّة الشاملة. و«القائد» هو حارس القيم وفي طليعة حركة الأمّة واستنهاضها ورمز وحدتها، ومحور تحقيق قيامها للّه تعالى، ما دام لائقاً لذلك. من هنا، فإنّ العلاقة بين الله والإنسان قائمة على الحكمة والرحمة والعدل المطلق. والهداية الإلهيّة متنوّعة الدرجات بحسب استعداد العباد وجهودهم (أفراداً وجماعاتٍ ومجتمعاتٍ)، واختياراتهم بمنسوب دوافعهم، وموقعهم في المسؤوليّة والتكليف بمقتضى التحدّيات والتطلّعات. ولمّا كان الانتظار الإيجابيّ مسؤوليّة مستمرّة في إقامة الدين بوصفه منظومة متكاملة الأبعاد: العقديّة والقيميّة والفقهيّة، وفي تحفيز الفرد والجماعة المؤمنة، المجتمع الإسلاميّ، ووضع الإنسان والمجتمعات والإنسانيّة على صراط التكامل بحيث تكون جميعها لائقة في زمن الغيبة الشريفة، تماماً كما لو كانت في حالة الحضور المبارك؛ فقد تحتّم أن يكون نائب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف على درجة عالية من المسؤوليّة البالغة في حمل الراية والعمل بكتاب الله بقوّة. وكذلك، فإنّ الحلقات الصلبة المتّصلة بتلك القيادة، والمؤتمنة على امتدادها الولائيّ في الاجتماع الإسلاميّ في مواجهة العدوّ، تتحمّل مسؤوليّةً في هذا المسار.

• اللطف الإلهيّ وضرورة القيادة العادلة
تجري سنن الله وألطافه بين أمرين: هندسة إلهيّة شاملة وكاملة ودقيقة ونافذة من جهة، ومسؤوليّة بشريّة مستندة إلى القابليّة والحظّ في التمكين والقدرة من جهة أخرى، من دون أن تبلغ حدّ الإجبار أو سلب حريّة الاختيار، لا بل تكون بإذنه وتحت سلطانه تعالى؛ فلا ذرّة في عالم الوجود تعزب عن قبضته وتدبيره وحكمته ورحمته، وهي تجري وفق مشيئته وإرادته مجرى الاختيار الإنسانيّ، فتستتبعه بالمسؤوليّة والاختبار، أي الابتلاء والامتحان، سواء بالنعمة أم النقمة. وفي هذا النسق الكامل المحكم البنيان والوظائف، تكويناً وتشريعاً، تتجلّى مركزيّة القيادة في الإسلام.
بناءً على قاعدة «اللطف الإلهيّ»، بحيث يُدرك العقل حسن اللطف وقبح تركه إدراكاً مستقلّاً، فإنّ الله «يقرّب العبدَ إلى الطاعة ويبعده عن المعصية، مع بقاء قدرته على الاختيار». كما أنّه تعالى يُهيّئ للأمّة أسباب الهداية والصلاح والإصلاح والنهوض بالأمانة والمسؤوليّة، ومنها وجود القائد العادل الذي يحفظ الدين ويقودها نحو غاياتها. لذلك، إنّ اللطف الإلهيّ يشمل العناية بالقائد الإسلاميّ.

• المسؤوليّة المتبادلة بين القائد والرعيّة
للقائد الإلهيّ، كما الجماعة المؤمنة والمجتمع الإسلاميّ، دور عضويّ في منظومة اللطف الإلهيّ. واللطف هنا ليس إلغاءً للإرادة البشريّة (لا جبر) ولا تفويضاً لها، بل صفة من صفات الفعل الإلهيّ ضمن نظام دقيق حكيم وخفيّ أو ظاهر لتسهيل طريق الهداية، وإكمال الدين(1)، وتهيئة للظروف والشخصيّات التي تمكِّن الأمَّة من الاختيار السديد، لتنشأ بعد ذلك تلك العلاقة الجدليّة في توزيع نصاب المسؤوليّة التبادليّة والتفاعليّة والتكامليّة بين القائد والناس، كما ورد في رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر: «وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة، وحقّ الرعيّة على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاماً لإلفتهم وعزّاً لدينهم. فليست تصلح الرعيّة إلّا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرعيّة. فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه، وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل... وإذا غلبت الرعيّة واليها، وأجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور»(2).

• هداية القيادة في زمن الغيبة
هنا، يأتي مفهوم «التسديد الإلهيّ» كآليّة عقديّة تفسِّر كيفيّة توفيق الله تعالى للأمّة في اختيار قيادتها، خاصّة في المراحل الحرجة التي تتطلّب حكمةً وثباتاً استثنائيَّين، حيث تشكّل القيادة ملاذها في إضفاء الطمأنينة والسكينة الروحيّة والفكريّة، وضمان وحدتها الاجتماعيّة والسياسيّة، ووحدة الاتّجاه مع اجتماع الكلمة والقلوب واتّحاد الجهود. فضلاً عن استدرار الرعاية الإلهيّة، وتوفير الثبات في زمن الغيبة والقدرة على مواجهة الانحراف والفتن والمحن، والرسوخ أمام التحدّيات، والحفاظ على نقاء الإسلام والسير به. بالإضافة إلى القدرة على الاستمرار على الرغم من الضغوط، وسريان البشائر وبثّ الأمل. ولا ينفصل هذا التسديد عن دور الأمّة الواعي في قبول القائد والالتزام بقيادته. وهذه الرؤية تقدّم نموذجاً يجمع بين الهداية الإلهيّة المباشرة والمسؤوليّة الجماعيّة للأمّة في عصر الغيبة. فالأمّة مطالبة بالعمل وفق توجيهات القائد الإسلاميّ والاستعداد لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، مع الثقة بأنّ الله لا يتخلّى عن حجّته على الأرض.

• بين التأييد والخذلان
عندما تتحقّق شروط هذا التسديد، من شأن ذلك أن يقود إلى التأييد الإلهيّ الذي يعزّز القدرة الأصليّة للإنسان من دون أن يلغيها، ويمدّه بقوّة مضافة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: 9)، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69)؛ فالجهاد في الله بإخلاص مطلق، والالتزام بالتقوى والكفاءة، يفتحان باب الهداية والتسديد الإلهيّين. ويتجلّى هذا التوفيق جليّاً في قيادة الأمّة عبر أعتى المحن وأخطر المنعطفات، فتكون الهداية ثمرة ونتيجة للجهاد، ومنها تُفتح السبل والآفاق من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، والله مع المحسنين بتأييده وتسديده.
في المقابل، يقود اختيار الأشخاص الخاطئ للقيادة، أو ابتعادهم عن القائد، أو انحرافهم وفسادهم وتنازعهم(3) إلى ألوان الخذلان الإلهيّ، وإلى إزاغة الله لقلوبهم نتيجة طبيعيّة لزيغهم الاختياريّ، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5). والخذلان هنا ليس ظلماً من الله، بل هو عدل محض، بحيث إنّ الله يخذل من يخذل نفسه أوّلاً، وهذا يرتبط بحريّة الإرادة الإنسانيّة ومسؤوليّتها عن اختياراتها تارةً، وبالمسؤوليّة المجتمعيّة ومسؤوليّتها تُجاه الوليّ في مواجهة الأعداء تارةً أخرى.

• من اللطف إلى التأييد
تبدأ الرعاية الإلهيّة متدرّجة من العناية العامّة لتنتهي بالنتائج الخاصّة (الكفاية، التمكين، النصر، الفتح ،...) بحيث يمهّد كلّ مستوى للمستوى الذي يليه. وتتكامل أنواعها، بدءاً باللطف الإلهي، وهو الأساس الذي يعبّر عن رحمة الله الشاملة، إلى التسديد بوصفه التطبيق العمليّ لهذه الرحمة في حياة الإنسان والمجتمع، ليحظى أصحاب الاستعداد بالتوجيه الإلهيّ المباشر: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (مريم: 76). لذلك، تتضمّن الهداية الخاصّة تسديداً مستمرّاً، وهو ما يقود إلى التوفيق أو الإعانة الخاصّة التي ترتبط باستحقاق العبد والجماعة المؤمنة والاجتماع الإسلاميّ والإنسانيّ ككلّ، حتّى يبلغ الأمر ذروته في التأييد الإلهيّ، وهو القمّة التي تتحقّق لأهل الولاية الخاصّة في جهادهم.
هذا التسلسل في الرعاية الإلهيّة يترك أثراً على مستوى الفرد والمجتمع، عبر الشعور بالأمان والثقة بالنتائج، واليقين بتحقّق الوعود الإلهيّة شرط الاجتهاد المستمرّ. ذلك أنّ العون مشروط بالجهد، والتضامن، والصبر، والصمود، والتقوى، إلخ.

• نموذج التصدّي القياديّ في مراحل الاختبار
يبرز في هذا الصدد نموذج قياديّ معاصر، هو الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله)، الاستشهاديّ الأبرز الذي أمسك بكرة النار وسط لهيبها، وشمّر عن ساعد الهمّة الاستثنائيّة، ليتصدَّى للأمانة العامّة لحزب الله في مراحل بالغة الخطورة، فأظهر من الثبات والحكمة والشجاعة والاستعداد للتضحية والبذل، ما يُعدُّ تجسيداً عمليّاً للرعاية الإلهيّة في القيادة.
لقد تجاوز سماحته أعظم اختبار للقيادة في «إدارة الفراغ والتهديد الوجوديّ»، وبرهن عن قدرة «القيادة الربّانيّة» في الحفاظ على استمراريّة المشروع وتماسكه بما يخدم الأهداف الكبرى. وهو يسهم من موقعه في صنـع الــقرارات الاستراتيجيّة المتعلّقة بإدارة المعركة المستمرّة بأبعادها ونتائجها وتطوّراتها واستشراف مآلاتها، بحكمة هادئة وقدرة على مواكبة تغيّرات جيوسياسيّة دوليّة وإقليميّة معقّدة، وتجنّب الانزلاق إلى مصائد غير محسوبة، مع الحفاظ على قدرات المقاومة واستمراريّتها.
هنا، يتجلّى التسديد الإلهيّ في «تثبيت القلب» و»تسديد الرؤية» في لحظات صعبة، لم تمنعه من إعادة إنتاج الواقع وهيكلته وترتيب أولوياته، واحتواء التغيير في العلاقات وموازين القوى، والإمساك بالملفّات على تراتبيّتها المختلفة بقوّة ومتابعة رصينة، وإطلاق عجلة مؤسّساتيّة تحاكي الحرب الجارية وتطوّراتها، والأخذ بالأسباب والمقدّمات المعنويّة والروحيّة والبشريّة والعلميّة والموضوعيّة.
هذا النموذج يؤكّد أنّ الله تعالى لا يترك أمّته بلا هداية، وأنّ القيادة الربّانيّة تبقى مستمرّة عبر أوليائه الصالحين، الذين يجسّدون في سيرتهم ومواقفهم حكمة الله ورحمته بعباده؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
يأتي مفهوم «التسديد الإلهيّ» كآليّة عقديّة تفسِّر كيفيّة توفيق الله تعالى للأمّة في اختيار قيادتها
 

1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج: 63).
2. نهج البلاغة، ج 2، ص 198-199.
3. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46).

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع