تحقيق: ديما جمعة
- «ولكن يا أبي، قال لنا اليوم أستاذ التربية الدينيّة إنّها سرقة»!
- «حسناً، إنّها ليست سرقة بمعنى سرقة؛ فأن تضع شفّاطاً على عيار الماء ليمتلىء خزّان منزلك قبل جيرانك، هو فعل ينمّ عن إدارة أمور حياتك بشكل ذكيّ. وأن تعطّل عدّاد الكهرباء كي لا يحتسب الجابي مصروفاً لا قدرة لك على تسديد كلفته، هو فنّ في الاستفادة من خبرات تعلّمها غيرك في مؤسّسات جامعيّة. الموضوع ببساطة يا بنيّ أنّ ما أقوم به هو محاولة التقليل من نفقات المنزل الكبيرة. وأريدك أن تعلم أنّنا في بلد يحرمنا فيه المسؤولون من حقوقنا، لذا، علينا أن نجد حلولاً بأنفسنا...»!
هزّ ماهر، ابن التسعة أعوام، رأسه، بينما بقيت عيناه تحدّقان في تعابير والده الجدّيّة وإيماءات يديه المدروسة، وقد بدا راضياً عن الإجابات. فانتفض ليكمل لعبه، بينما ارتشف أبو ماهر رشفة من كوب القهوة وخرج إلى عمله.
• فنّ التحايل
ليس صعباً أن تتقن فنّ اللعب على المفاهيم، خاصّة في مجتمع يعاني أبناؤه من تقصير ممنهج يمارسه أهل السلطة الذين لا يوفّرون الخدمات الأساسيّة لهم. وقد اعتاد أبو ماهر أن يشرح وجهة نظره للجيران ورفاقه في العمل خاصّة، حيث يؤخذ عليه أنّه يعدّل دوماً في دوامه، ويبالغ، حسب قولهم، في احتساب ساعات إضافيّة لا يستحقّها، ويكرّر زميله أبو أحمد أنّ تقاريره غير الدقيقة تمنحه امتيازاً لا يستحقّه.
لطالما امتاز أبو ماهر، حسب رأيه الشخصيّ، بالذكاء الاجتماعيّ، فلا يسمح لأحد أن يغبنه حقّه. حين يشتري الخضار أو الفواكه مثلاً، وبعد قياس الوزن، يزيد حبّة من هنا أو هناك، لأنّه يشكّ دائماً في دقّة ميزان البائع، ولا يقبل أن يتعرّض للخداع، على الرغم من أنّه أحياناً يلحظ أنّ البائع يرمقه بغضب، إلّا أنّه ينظر إليه بابتسامة ماكرة!
إنّه رجل فطن، وأمّه كانت ولا تزال تعدّه الأكثر ذكاءً بين إخوته. بالأمس، طلبت منه أن ينهي معاملات طبّيّة لعمليّة جراحيّة تحتاجها، فاستطاع أن يتقدّم على طابور المرضى عبر ادّعائه أنّها تنتظره في طوارئ المستشفى وحالتها الصحيّة تتدهور. العشرات تعاطفوا معه وجعلوه يتجاوز دورهم. وحين وصل إلى الموظّف المسؤول عن التوقيع على المساعدة الطبيّة، ادّعى أنّه يعاني من مرض عضال وأنّه يؤجّل عمليّته الجراحيّة كي يوفّر الأموال لوالدته المسكينة، فوافق الأخير على تقديم استثناء له!
وقد استاءت زوجته كثيراً حين زارهم بالأمس جارهم الحاج سعيد، كان غاضباً لأنّه عرف أنّ أبا ماهر خرق جهاز الواي فاي WIFI من منزله، ورأى أنّه يسرق منه الإنترنت! «لا... هذا افتراء!»، صاح به أبو ماهر، وطالبه أن يغيّر كلمة السرّ ليطمئن قلبه، فيما كان واثقاً من إمكانيّة خرق الجهاز مرّة ثانية بالخطوات نفسها التي اعتمدها أوّلاً.
• أليس هذا ذكاءً؟
لا شكّ في أنّ اتّباع نمط الحياة «الذكيّ» أمر متعب ويسبّب بعض القلق، خاصّة حين يُفضح المستور، وأنّ أهل أبو ماهر وجيرانه يشكّكون في أقواله وآرائه، إلّا أنّ هذا الأمر يستحقّ العناء. فها هو قد ابتسم حين تذكّر وجه جاره الحانق من تعرّضه للنصب، بينما كان يتصفّح الرسائل على هاتفه الخلويّ، إذ ظهرت رسالة من أخيه تخبره أنّ ثمّة صوراً خاصّة له في ملفّ، فتحه أبو ماهر بفضول، وفجأة، انطفأ الهاتف.
لم يفهم ماذا حصل، وتوجّه مباشرة إلى محلّ تصليح الهواتف، فأخبره أحدهم أنّ هاتفه تعرّض للقرصنة، «حسناً... فليقرصنوا الهاتف! لا يوجد أيّ صورة أو ملفّات خاصّة. سأتركه عندك اليوم وأعود مساء لاستعادته»، قالها أبو ماهر وتوجّه إلى العمل.
ولكن، كانت المفاجأة حين عاد إلى منزله مساء، حيث وجد بانتظاره بعض الجيران والأقارب وأصدقاء مرّت أعوام ولمّا يلتقِ بهم. بدا الجميع مرتبكاً ومتوتّراً. أخبروه أنّه وصلتهم خلال النهار رسالة من هاتفه تتوسّل إليهم مبالغ ماليّة، وتطالب بإرسالها مباشرة لأنّه، حسب قوله، في ورطة ويحتاج إلى السيولة، وقد أرسل أغلبهم مبلغاً معيّناً! الجميع بانتظاره ليفهم ما المشكلة التي وقع فيها، ولماذا لا يردّ على اتّصالاتهم! حتّى أنّ زوجته كانت شديدة التوتّر بعد أن أرسلت له رزمة الأموال التي جمعاها، وتريد أن تعرف ما الورطة التي وقع فيها هذا اليوم. جنّ أبو ماهر حين عرف بالخبر الذي وقع عليه كالصاعقة! لم يصدّقوه حين أخبرهم أنّ هاتفه تعرّض للقرصنة! وحده الجار سعيد كان فخوراً بأنّه لم يبالِ بالرسالة المزعومة، وشعر أصلاً أنّها نتيجة قرصنة الهاتف.
«هذا خداع! هذا نصب! ألا يوجد قوانين في هذا البلد؟ من أرسل عشرات الرسائل وسرق أموالكم؟». وبينما كان يضرب كفّاً بكفّ، تقدّم منه ماهر، وبكلّ براءة سأل بصوت مرتفع: «ألا ينمّ هذا الفعل عن ذكاء؟ كيف استطاع السارق أن يستفيد من التكنولوجيا ليجبر والدتي أن ترسل له النقود؟»، ونظر إلى والده هامساً: «أنت دائماً تقول لي إنّ الأكثر ذكاء هو المنتصر دائماً... وإنّ القانون لا يحمي المغفّلين!».
• المساهمة في الانهيار الاقتصاديّ
يمثّل نموذج أبي ماهر «الحربوق» الذي يعتقد أنّه كلّما استغلّ نقاط الضعف في النظام، فإنّه يحقّق مكاسب أكثر. وكلّما «تذاكى» على القانون، فهو يستعيد بعضاً من حقّه الذي تمنعه عنه السلطة الحاكمة، ويتناسى مسؤوليّته الشرعيّة والنموذج السيّئ الذي يقدّمه. والأهمّ أنّه يغضّ الطرف عن ارتكابه تشكيلة واسعة من الكبائر مرّة واحدة: الغش، والسرقة، والكذب، وأذى الآخرين.
في حديث لمجلّة بقيّة الله رأى سماحة السيّد بلال وهبي أنّ «ثمّة لغطاً عاماً في التمييز بين الدولة والسلطة؛ فالدولة تعبّر عن كيان المؤسّسات، أمّا السلطة، فهي النظام السياسيّ، ولا ينبغي أن نخلط بينهما. ومع الأسف، فإنّ المواطن حين يغضب من السلطة، يحطّم ممتلكات الدولة، وحين تغصبه حقّه، فإنّه يسرق الدولة»!
ورأى سماحته أنّ من يتصرّف بهذا الشكل، فهو في الواقع يغصب حقّ أهله وجيرانه وأصدقائه ولا يأخذ شيئاً من حصّة أيّ مسؤول فاسد، ما يجعل الخدمات العامّة تتراجع شيئاً فشيئاً، وبالتالي، فإنّه يسهم في انهيار الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ أكثر.
وتوقّف السيّد وهبي عند مفهوم الاحتيال، وعدّه فكرة وهميّة: «صحيح أنّه يعفي المواطن من دفع المستحقّات الماليّة للدولة على المدى القريب، ولكن على المدى البعيد، سيزداد العجز في خزينة الدولة، وهو ما سينعكس زيادةً في الضرائب وتردّياً في تقديم الخدمات أكثر، وعندها، لن يكون أيّ أحد مستفيداً».
• الاحتيال خيانة وحرام
أكّد سماحته أنّ «المحتال إنسان خائن غير أمين. أمّا إذا كان يعدّ نفسه متديّناً ويبرّر أفعاله بسرقة الدولة الظالمة، فنقول له إنّ تبرير سلوكه باطل كما فِعلَه، وهو يرتكب الحرام عمداً. ومن يسرق الغريب سيسرق القريب أيضاً، ومن يسرق الدولة بحجّة استعادة حقوقه المهدورة في المستقبل، فإنّه حتماً سيسرق الدولة الإسلاميّة تحت الأعذار نفسها. من هنا، ثمّة إشكال شرعيّ في المياه المغصوبة التي سرقها، وفي الطاقة الكهربائيّة التي استباحها؛ لأنّ الفتاوى الشرعيّة لدى كلّ علمائنا ومراجعنا واضحة لا لبس فيها، وتنصّ على أنّ مخالفة النظام العام حرام، حتّى لو كنّا نعيش في كنف دولة ظالمة، فلا يجوز سرقتها».
• حين يتحوّل المفسد إلى قدوة
بدورها، رأت د. سحر مصطفى، مسؤولة الدراسات في مركز أمان للإرشاد السلوكيّ والاجتماعيّ، أنّ أبا ماهر يمثّل النموذج الفاسد ضمن الثقافة المجتمعيّة التي يتغاضى عنها الناس، وهو يخفي قبحها بصفات مخفّفة مثل «حربوق». وحذّرت من أن يتحوّل النزاع بين الفرد والسلطة إلى نزاع مجتمعيّ بين الأفراد: بين الجار وجاره في الحيّ نفسه، أو الموظّفين في مؤسّسة عمل واحدة، أو المواطن والبلديّة.
وأشارت د. سحر إلى أنّه إذا نظر الناس إلى المشهد في صورته الأوسع، سيجدون أنّ المكاسب الآنيّة التي يجنيها «المتذاكي» ستنعكس سلباً على حياتهم اليوميّة. والأدهى من ذلك هو الخشية من أن يعزَّز هذا النموذج ويبرَّر، حتّى يتحوّل إلى «مثال يُحتذى»، ما يهدّد مكانة المواطنين وقيمهم الإنسانيّة. وفي هذا السياق، سيُنظر إلى الإنسان العادل بوصفه «مقصّراً» لمجرّد مطالبته بحقوقه، بينما يصوَّر الفاسد على أنّه «الشاطر» أو «الذكيّ» الذي «يعرف من أين تؤكل الكتف»، ما يؤدّي إلى محاربة معتقدات الناس الأخلاقيّة وتشويه مفاهيم الصواب والخطأ.