إيلاف الأمين
لمع ماء نهر الليطانيّ تحت أشعّة الشمس كبرق شديد اللمعان، فهزّني من الأعماق. لطالما رددت كلام أمير المؤمنين عليه السلام (2) يا أحمد: «برق لك لامع شديد البرق، فأبان لك الطريق». وأنا ههنا عند مفترق الطريق المؤدّي إلى الطيبة، أواجه الصقيع والضياع. جئت أبحث عنك، عن رفاتك الذي لا أريد التفكير بأنّه خلا من روحك، لكنّني لا أقوى على الدخول.
لذت بالنهر(3) علّه يريحني من همّي. حتّى النهر يذكّرني بك، وبالرسائل التي كنّا نكتبها لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ثمّ نرميها فيه علّ جريان الماء يأخذها إليه.
أرقب الماء، أشعر أنّه يتحدّاني في جريانه المستمرّ هذا. يمضي غير عابئ بما حلّ بي، كأنّه يسطّح وجعي. يصرخ بي بأنّ هذه الحياة ستجري على الرغم من كلّ الخسارات التي خسرناها.
أوَتستمرّ حياتي من دونك؟ من دون هذه الأقمار كلّها التي ووريت في ثراك يا طيبة؟
ألم نتعاهد أن نحيا شهداء؟ لكنّك حييت ومتّ أنا. فأحيني! أحيني يا أخي!
أنا والله لم أكن أنوي القدوم. قدماي لا تقويان على وطء أرض تضمّك. لطالما ارتوت هذه الأرض من دماء الشهداء، أمّا الآن فقد تحوّلت إلى أجساد شهداء متراصّة ممتدّة نحو القدس.
لكنّها غصّة أمّك يا أخي. حرقتها التي تكسوها أملاً غير مكتمل بانتظار اكتمال بدر طلّتك البهيّة. يكسر قلبي هذا التعلّق بأمل ندري أنّه سلوى نلهي بها الوقت عن نهش القلب. لأجلها جئت، لأقطع شكّها باليقين. وما اليقين إلّا أنت وإخوانك الخلّص.
أمّك يا أحمد، أمّي التي تراك فيَّ، تخجلني من أن أرفع طرفي نحوها. أودّ أن أجلس بين قدميها وأشمّ عبق الجنّة في موطئهما، وأحني هامتي لحزنها الشامخ، لشوك الصبر الجميل القائم في بحّة الصوت وبسمة الثغر المحتسب. وأخجل أن أقوم مقامك يا عزيز الروح! أقارن روحك الممتدّة على طول المدى نحو فلسطين بصدري المنقبض باللوعة، بضعفي وقلّة حيلتي!
كلّ ما فيَّ صغير لكي أخلفك، أحتاج كثيراً من همّك الرساليّ لألبس قميصك وأوزاناً من صلاة الليل يا أحمد. فكيف لي أن أدوس تراب طيبتك؟ أن أواسي أمّنا الأولى؟
بالأمس أسبلت أمّك عينيها عن دمع فائر وسألتني: «هل كان حلماً جميلاً أحمد؟ هل أصبح خيالاً؟ ماضياً نرسمه بالصور؟».آلاف المحاريب شقّت صدري بكلامها. أن يصبح من قضت عمرها في تربيته ورعايته مجرّد صور.
أتذكر يا أحمد عندما هنّأتني بآمنة؟ كتبت لي: «آمنة أجمل حبّ لعبد الله، وأجمل حبّ جرى في مكّة، وأجمل اسم مع فاطمة وخديجة على قلب محمّد». ما زلت أحتفظ بالورقة في جيبي هنا ناحية القلب.
أيقظني من شرودي بريق الماء الجاري. ماء الحياة التي ستجري على الرغم من كلّ ما فيّ من وجع. وسأشدّ على كلّ الجراح، سأمسح عليها بماء الحياة نفسه. ماء الأرض التي ارتوت منك فصارت تروي آية ﴿أَحْيَاء وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ﴾(4).
حيّ أنت وبك سأحيا. سأكون كفّك وجناحك وأهلك ومالك، وستكون كبريتي الأحمر(5). وسأبحث عنك في كلّ أرض، عن أثرك الطيّب، عن دحنونك النابت في وجعي.
بل سأكون كفّ الميزان الآخر، والجناح الآخر لآية: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (6). لك صدق الوعد، ولي الانتظار. لكنّك يا صديقي جعلت الانتظار صعباً وطويلاً، موزّعاً في كلّ نسمة وكلّ بزوغ شمس وكلّ قبضة تراب.
صارت رائحة التراب بعد كلّ (شتوة) تؤذيني، بقدر ما كانت تمتعنا، تؤذيني، توقظ وحـــش حنينـي، تجـــلدني لأنّني بقيت ههنا وقد رحلت. صرتَ بحجم الشجر والحجر والمدر، وصرتُ بحجم دمعة.
بعد شهادتك ولدت لك آمنة. لها عيناك نفسهما اللتان لن تراها بهما ولكنّها ستحيا بك، كما سأحيا بك، بأثرك الطيّب، بعينيك الزاهرتين في فاطمة وعبّاس وببسمة أمّك، بدمعتها التي سأعجن بها خبز يومي، وبسبحتك التي أهديتنيها.
حملت الورقة التي كتبتها لي عند ولادة آمنتي، تأمّلتها، طويتها برهف، ورميتها في حضن الماء ثمّ رجعت. فمؤونتي من الدمع لا تكفي لأدخل الطيبة. لا والله! صدري الملتهب احمراراً إثر اللطم في مجالس أبي عبد الله الحسين التي كنت تحييها بصوتك الشجيّ، هو فقط ما يطمئنني من خجلي الذابح. هنا، سأبني مزارك بين اللطمة واللطمة وسأزرع بينهما مصباحاً وسبحة. وسأحملك أينما حللت يا سيفي البتّار الذي استلّ من غمده الآن(7).
سأحيا بك، ظلّاً لحياتك الساطعة. وسأرقب آمنتك يوماً وأحمل صغيرها. سأؤذّن في أذنه اليمنى وسأقف طويلاً عند عبارة: أشهد أنّ محمّداً رسول الله. وسأبكي حتّى تبلّل دموعي وجهه الصغير. سأحنّكه بتربة من قبر الحسين عليه السلام، وسأقلّده الوديعة: اللهم فاشهد أنّ أحمدك فينا لا يموت!
1. فُقد الشهيد الفنّان المبدع أحمد بزّي أثناء القتال في الحرب في قرية الطيبة الجنوبيّة، ولم يُعرف مصيره حتّى 9 شباط/ فبراير 2025م، أي بعد مضيّ شهرين ونصف تقريباً على انتهاء الحرب، وبعد البحث الحثيث والعثور على أشلاء من جثمانه، وفحص الحمض النوويّ الخاصّ به.
2. من خطبة لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام يصف فيها الحكيم العارف: «قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتّى دقّ جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل».
3. مجرى نهر الليطاني يمرّ في مدخل قرية الطيبة.
4. إشارة إلى قوله تعالى:﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).
5. إشارة إلى الحديث الشريف: “الإخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة. فأمّا إخوان الثقة، فهم الكفّ والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على حدّ الثقة، فابذل له مالك وبدنك...».
6. إشارة إلى آية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
7. إشارة إلى مضمون الحديث الذي يقول إنّ المؤمن إذا استشهد، فهو كالسيف الذي خرج من غمده».