مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

نور روح الله : خصائص الإنسان المكتسبة



لم يكن مفهوم التربية عند الإمام الخميني قدس سره عبارة عن نظرية تربوية للإنسان الفرد مع انقطاعه عن المحيط والمجتمع بل إن التربية في مفهوم الإمام عبارة عن تربية الفرد في السلوك الذي يُعد انعكاساً لتربية وتهذيب النفس والفكر وبما لهذا السلوك الفردي من علاقة وأثر في بناء المجتمع من أجل الوصول إلى تحقيق مقولة المجتمع العابد للَّه. ونعرض هنا بعض ما تحدث به الإمام الخميني قدس سره عن خصائص الإنسان المكتسبة في سياق حديثه عن التربية والمجتمع.

* القدرة على الهجرة من النفس‏
هناك أشخاص تحركوا وخرجوا من حفرة النفس هذه، وهاجروا ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله (1) فأحد الاحتمالات فيها هو أن هذه الهجرة هي من النفس إلى الله و"البيت" هنا هو نفس الإنسان، فهناك طائفة خرجت وهاجرت عن هذا البيت الظلماني، عن هذه النفسانية ﴿مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُولِهِ إلى أن وصلت إلى هناك حيث "أدركه الموت" ووصلت إلى مرتبة لم يعد لها فيها شي‏ء من نفسها، أي موت مطلق، وأجرهم أيضاً "على الله ولم تعد الجنة مطروحة ولا التنعمات مطروحة، فقط الله، ذاك الذي خرج من بيت نفسانيته، وتحرك وهاجر إلى "الله" وإلى "رسوله" والذي هو إلى الله أيضاً ثم "يدركه الموت" وبعد هذه الهجرة يصل إلى مرتبة حيث "أدركه الموت" فحينئذٍ لا يعود له من نفسه شيئاً، كل ما هو موجود منه، يشاهده هو، وفي هذه الهجرة أجره أيضاً على الله.

* الإنسان موضوع علم الأنبياء
إذا كان لكل علم موضوع، فإن موضوع علم جميع الأنبياء هو الإنسان، ولو كان لكل دولة برنامج، فيمكن القول أن برنامج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو تلك السورة النازلة في البداية، فهي برنامج رسول الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (2) فالإنسان هو موضوع بحث جميع الأنبياء، وموضوع تربيتهم، وموضوع علمهم. وإنهم جاؤوا لتربية الإنسان، وجاؤوا لنقل هذا الكائن الطبيعي من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة عليا، مرتبة ما فوق الطبيعة وما فوق الجبروت. وكل بحث الأنبياء هو الإنسان، فمنذ البداية كل نبي بُعث إنما بعث من أجل الإنسان وتربيته، وتُعيّن هذه الآية الشريفة البرنامج بحسب الاعتبار وبحسب الاحتمال. فهي تخاطب الرسول الأكرم بذاته، لكن خطاب القرآن عام في أغلبه حتى ولو كان للرسول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فهي تعين القراءة منذ بدايتها، وكيف يجب أن تكون، يجب أن تكون باسم الرب. فجميع القراءات وجميع الكلمات المفصولة عن اسم الرب تكون شيطانية. هناك جنبتان: جنبة رحمانية وجنبة شيطانية. وعندما بدأت القراءة كانت باسم الرب، والعلم باسم الرب، والقراءة باسم الرب، والنظر باسم الرب، والسماع باسم الرب، والقول باسم الرب، والدراسة باسم الرب، وكل شي‏ء باسم الرب، وبدأ العالم باسم الرب.

* أهمية تربية الإنسان‏
إن النظام الوحيد والمدرسة الوحيدة التي تهتم بالإنسان من قبل انعقاد نطفته وحتى النهاية. وطبعاً لا نهاية له، هي مدارس الأنبياء. فلا تهتم أي مدرسة أخرى أبداً بالمرأة التي يجب انتخابها للزواج منها، ولا بالرجل الذي ينبغي للمرأة أن تتزوج منه. فهي لا تهتم بهذا ولا تبالي به، ولا يوجد في قوانينها أبداً كيفية انتخاب المرأة والرجل. ولا يوجد في قوانينها ماذا يجب أن تفعل الأم في أيام الحمل، ولا في أيام الرضاعة، وما هي مسؤولية الأم عندما تحتضن طفلها، ومسؤولية الأب في التربية عندما تكون تحت إشرافه. فالقوانين المادية والطبيعية وأنظمة غير الأنبياء لا تهتم بهذه الأمور أبداً، إنهم يقفون بوجه المفاسد فقط عندما يصبح الإنسان إنساناً وينزل إلى المجتمع، وليس أمام جميع المفاسد، بل تلك التي تخالف النظم، وإلاّ فإنهم لا يبالون بالفسق والفجور، بل يدعمونهما ولا يهتمون بموضوع تربية الإنسان وبنائه.

إنهم يعتقدون بأن فرق الإنسان عن الحيوان بمقدار ما هو متطور عنه في الطبيعة فلا يستطيع الحيوان أن يصنع طائرة، بينما يتمكن الإنسان من ذلك. ولا يتمكن الحيوان أن يصبح طبيباً، بينما يتمكن الإنسان من ذلك. أما الحدود عندهم فهي حدود الطبيعة. لكن ذاك الذي يهمه كل شي‏ء، ذاك الذي يهمّه الإنسان قبل الزواج، وقبل أن يريد الزواج أن تكون ثمرة هذا الزواج إنساناً سليماً، إنساناً بمعنى الكلمة، فعنده تعليمات لانتخاب الزوج قبل الزواج. لماذا هذه التعليمات؟ إنه كالمزارع والفلاح الذي ينبغي به أن ينظر أولاً إلى الأرض، وينتخب الأرض الصالحة، والبذرة الصالحة وبذرة الحنطة الصالحة، وما يحتاج إليه لتربيتها والأمور الأخرى التي يحتاجها من أجل بناء مزرعة وإحيائها والانتفاع بها. كذلك الإسلام فإنه يراعي هذه الأمور في الإنسان، فهذا الزوج الذي ينتخب، أي زوج هو حتى يخرج منه إنساناً صحيحاً، وتلك المرأة التي تختارها، أية امرأة هي حتى ينتج إنساناً من هذين الزوجين. ثم كيف يجب أن تكون آداب الزواج، والحالة التي تنعقد فيها النطفة وآدابها، وآداب أيام الحمل، ومن ثمَّ آداب أيام الرضاعة.

كل ذلك لأن المدارس التوحيدية وأسماها الإسلام، جاءت لصناعة الإنسان، إنها لم تأت من أجل بناء حيوان، وغايةُ ما هناك أن له إدراكاً بمقدار الحدود الحيوانية وله نفس الأهداف الحيوانية، وأكثر منها بمقدار قليل. إنها لم تأتِ لذلك، بل جاءت لصناعة الإنسان. فالإسلام قادر على تربية الإنسان ليسمو من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة الروحانية وحتى أسمى منها. وإن المدارس غير التوحيدية وغير الإسلام لا تبالي أبداً بما وراء الطبيعة، ولا تصل عقولهم إلى ما وراء الطبيعة، ولا تصل علومهم إلى ما وراء الطبيعة، فالذي يصل علمه إلى ما وراء الطبيعة هو الذي يكون في طريق الوحي، ويكون إدراكه مرتبطاً بالوحي، وهم الأنبياء.

* إصلاح العالم في ظل تربية الإنسان‏
لقد بُعث الأنبياء من قبل الله تبارك وتعالى لتربية الناس وبناء الإنسان. وتسعى جميع كتب الأنبياء وخاصة القرآن الكريم من أجل تربية هذا الإنسان، لأنه بتربية الإنسان يتم اصلاح العالم. وإن مضار الإنسان الذي لم تتم تربيته بالمجتمعات لا تساويها مضار شيطان أو حيوان أو كائن آخر، وإن منافع الإنسان المتربي للمجتمعات لا تضاهيها أية منفعة لملك أو كائن مفيد آخر. فأساس العالم يقوم على تربية الإنسان، وإن الإنسان هو عصارة جميع الكائنات وخلاصة لتمام العالم. وجاء الأنبياء من أجل تحويل هذه العصارة من القوة إلى الفعلية حتى يصبح الإنسان موجوداً إلهياً حيث هذا الموجود الإلهي فيه جميع صفات الله تعالى ومحل تجلي النور المقدس للَّه تعالى.

*الإيمان يمنع الذنب‏
الإيمان يعني أن تعي قلوبكم وتصدق تلك الأمور التي أدركتها عقولكم. وهذا يحتاج إلى المجاهدة حتى تفهم قلوبكم أن العالم كلّه محضر للَّه، فنحن الآن في محضر الله، ولو أدرك قلبنا هذا المعنى بأننا الآن في محضر الله، هذا المجلس محضر للَّه، ولو وجد في قلب الإنسان هذا الأمر، فإنه سيبتعد عن جميع المعاصي. إذ أن سبب جميع المعاصي أن الإنسان لم يجد هذا الشي‏ء، يوجد برهان عليه أيضاً، وإن البرهان العقلي قائم أيضاً على أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان. فالبرهان موجود وجميع الأنبياء قالوا بذلك أيضاً ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (3) فهو معنا. وأينما نكون يكون معنا، والقرآن يقول ذلك وسمعناه منه، وثبت ذلك من خلال البرهان، لكنه لم يصل إلى قلوبنا.. حتى إذا ما أردنا أن نغتاب، أو نتهم، أو نعمل قبيحاً نرى أننا في محضر الله، ولا بد أن نحترم هذا المحضر. عندما يكون الإنسان في محضر عظيم يعتقد بعظمته فإنه يحترم ذلك المحضر. إذا كان يوجد عندكم شخص تعتقدون أنه عظيم فإنكم لا ترتكبون أية مخالفة أمامه فضلاً عن مخالفته هو في محضره. لا يرتكب الإنسان أي عمل سي‏ء مطلقاً في محضر شخص يدرك بأنّه عظيم ومحترم فضلاً عن ارتكاب ما يخالف احترام هذا المحترم وفي محضره، فالمحضر، هو محضر الله تبارك وتعالى، العالم محضر، كل العالم محضر، والمعصية هي مخالفة مع من نحن في محضره.

* الأنانية سبب للطغيان‏

جميع الاختلافات القائمة بين البشر هي بسبب عدم التزكية، وغاية البعثة أن تزكي الناس حتى يتعلموا بواسطة التزكية الحكمة، ويتعلموا القرآن والكتاب، ولا يحدث الطغيان فيما لو تمت التزكية. إن من يزكي نفسه لا يرى نفسه فانياً أبداً ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (4) فعندما يرى الإنسان نفسه، ويرى لنفسه مقاماً، ويرى لنفسه عظمة فإن هذه الأنانية ورؤية النفس تكون سبباً للطغيان. وإن أساس كل هذا الاختلاف الموجود بين البشر، والاختلاف الحاصل بينهم حول الدنيا يعود إلى الطغيان الموجود في النفوس. وهذه مصيبة مبتلى بها الإنسان، مبتلى بنفسه وبأهوائه النفسانية. إذا تزكى الإنسان وتربت نفسه، فسوف تزول هذه الاختلافات.


(1) سورة الحديد، الآية: 4.
(2) سورة العلق، الآيتان: 6 7.
(3) مر ذكره سابقاً.
(4) سورة العلق، الآية: 6.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع