لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود*

السيّد الشهيد عبد الحسين دستغيب قدس سره

أشير في القرآن المجيد إلى نوع من سوء الظنّ غير المعنى المعتاد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ*وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾، (فصّلت: 22 – 23).

* الاعتقاد بأنّ عالم الوجود عبث
يدخل في سوء الظنّ باللّه تعالى إنكار كلّ غير عاقل ينكر الحكمة الإلهيّة في عالم الوجود، أي إنّ من لا يفهم أصغر جزئيّة من أجزاء عالم الوجود، وعدّ ذلك لغواً، واعتقد به، فقد أساء الظنّ باللّه الحكيم، وهكذا، إلى أن نصل إلى الجاهل المغرور الذي يرى جميع عالم الوجود العظيم لغواً ولا حكمة في خلقه، ويظنّ أنّه لا حياة أخرى للبشر بعد هذا العالم يصلون فيها إلى كلّ سعادتهم.

* المعترضون على القضاء
من جملة مصاديق سوء الظنّ، الظنّ بأنّ الله لم يعرِّف الإنسان مبدأه ومعاده ولم يرشده إلى طريق سعادته وبخل في إرسال الدليل، وحقّاً إنّه ظنّ سيّئ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 91).

ومثل أصحاب هذا الظنّ أولئك الذين يواجهون حادثة مؤلمة فيعدّونها خالية من الحكمة والمصلحة، ولهذا، يسيئون الظنّ بربّهم فتظهر فيهم حالة غيظ واعتراض على القضاء والقدر الإلهيّين، وكأنّ الله ظلمهم.

وأصعب من هؤلاء من يصرف قلبه عن الله ولا يأمل الفرج منه، مثلاً: شخص يتعرّض لضغط الحياة ويصبح فقيراً من جرّاء الإسراف والتبذير وجهله أو نتيجة امتحان إلهيّ، أو إنّه نظر إلى من فوقه وهم بحسب الظاهر منعمون، فتألّم وأساء الظنّ بالله، كأنّ له على الله حقّاً وله عليه دين: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (الفجر: 15 – 16).

* يتوقّع الرفاهيّة لأنّه أسلم
إذا كان ثمة شخص يريد أن يجري جهاز الوجود وفق ميله النفسيّ، ودارت دورة الفلك بخلاف ميله فإنّه يسيء الظنّ باللّه ويبتلى بالشكّ في دين الحقّ. هذا الجاهل بدل إساءة الظنّ باللّه، ينبغي أن يسيء الظنّ بنفسه وتوقّعه الذي هو في غير محلّه، وأن يعلم أنّ التديّن هو لتأمين الحياة الخالدة والسعادة في عالم ما بعد الموت.

وقد أشير إلى هذه المرتبة من سوء الظنّ بالله تعالى في مواضع عدّة من القرآن المجيد من جملة ذلك في قصة معركة أحد، حيث أساء بعض المسلمين الظنّ باللّه آنذاك لأنّهم كانوا يتوقّعون أن ينصر المسلمين على كلّ حال. في حين إنّ سبب هزيمة المسلمين هو مخالفتهم لأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

بناء عليه، كان يجب عليهم أن يسيئوا الظنّ بأنفسهم لا باللّه، وقد أشير إلى هذا في القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. (آل عمران: 154).

* علاج سوء الظنّ باللّه
إنّ نور العقل والتدبّر في القرآن المجيد يوصلان إلى الاعتقاد بأنّ الله عالم قادر حكيم وعادل، وهذا ما يجعل الإنسان لا يسيء الظنّ بالنبوّة والمعاد ويعصم صاحبه من أن يظنّ أنّ المطيع والعاصي سواء، ويجعله كذلك يرى نفسه مخلوقاً وعبداً ليس له حقّ الاعتراض، كما يرى نفسه غريق نِعم الله وإحسانه، فلا يسخط عليه أو ينصرف عنه وييأس منه.

كما أنّ على الإنسان أن يعدّ نفسه عاجزاً عن تشخيص ما فيه صلاحه حتّى لا يتورّط في تحديد أمورٍ والجزم بأنّها مصلحة له، وإذا لم تتحقّق يصبح معرّضاً لسوء الظنّ باللّه تعالى. وعليه أيضاً أن يقصّر من آماله في الدنيا حتّى لا يسيء الظنّ باللّه تعالى بسبب عدم تحقّقها، وليبعد كذلك من ذهنه توقّع الراحة الدائمة والسلامة من الابتلاءات والمصائب. ولْيعلمْ أنّ الحياة الماديّة للبشر مبنيّة على أساس التضادّ والتزاحم.

وعلى الإنسان أن يعلم أنّه إذا واجه أيّ مصيبة واعتصم بقوّة الإيمان، فسيعوَّض بدلاً من ذلك في عالم الجزاء ويجزيه الله تعالى جزاء عظيماً. وهكذا، يمكنه أن يصمد أمام الحوادث المختلفة، ولا يسيء الظنّ باللّه، ويعلم أنّه تعالى غفور رحيم وعطوف حتى لا ييأس من قبول التوبة واستجابة الدعاء.

وأن يعدّ أيضاً أنّ الحياة الماديّة الدنيويّة هي فقط محلّ الزرع، أي تحصيل الإيمان والعمل الصالح، وأنّ الحياة بعد الموت هي محلّ الحصاد، أي الوصول إلى جزاء الإيمان والعمل.

كان أحد التجّار يتردّد إلى الإمام الصادق عليه السلام، وذات يوم، خسر جميع ثروته، وعندما تشرّف بخدمة الإمام وشكا له حاله، أنشأ عليه السلام ثلاثة أبيات هي:

فلا تجزع إذا أعسرت يوماً
فقد أيسرت في الدهر الطويل

ولا تيأس فإنّ اليأس كفر
لعلّ الله يغني عن قليل

ولا تظْنُنْ بربّك ظنّ سوء
فإنّ الله أولى بالجميل(1).

* حسن الظنّ باللّه من لوازم الإيمان
إنّ حسن الظنّ باللّه من لوازم الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان لأنّه بمعنى الاعتقاد، أي بعد معرفة أنّ الله يتّصف بالرحمانيّة والربوبيّة والتعهّد لكلّ ذرّة في هذا الكون والرعاية لعبده بما يصلحه، وبعد معرفة سلامة أفعاله تعالى وصحّتها، وكذلك سائر صفاته الكماليّة، عندها، يعتقد العبد بأنّ الله عظيم ويحبّه، ويتعلّق قلبه به، ويعلّق آماله عليه، ويتذلّل له، وينقاد ويأمل الوصول إلى أي خير عن طريقه ومنه.

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: «وجدنا في كتاب عليّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو على منبره: والذي لا إله إلّا هو، ما أعطي مؤمن قطّ خير الدنيا والآخرة إلّا بحسن ظنّه باللّه ورجائه له وحسن خلقه والكفّ عن اغتياب المؤمنين. والذي لا إله إلّا هو لا يعذّب الله مؤمناً بعد التوبة والاستغفار إلّا بسوء ظنّه باللّه وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين.

والذي لا إله إلّا هو لا يَحسُن ظنُّ عبدٍ مؤمن باللّه إلّا كان الله عند ظنّ عبده المؤمن، لأنّ الله كريم بيده الخيرات يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظنّ ثمّ يخلف ظنّه ورجاءه، فأحسنوا الظنّ باللّه وارغبوا إليه»(2).

قال المجلسيّ في شرح هذا الحديث:

قوله «إلّا بحسن ظنّه» قيل: معناه:
1. حسن ظنّه بالغفران إذا ظنّه (أي الغفران) حين يستغفر.

2. وبالقبول إذا ظنّه حين يتوب.

3. وبالإجابة إذا ظنّها حين يدعو.

4. وبالكفاية إذا ظنّها حين يستكفي.

لأنّ هذه الصفات لا تظهر إلّا إذا حَسن ظنّه باللّه.

5. وكذلك تحسين الظنّ بقبول العمل عند فعله إيّاه، فينبغي للمستغفر والتائب والداعي والعامل أن يأتوا بذلك موقنين بالإجابة بوعد الله الصادق(3).

* حسن الظنّ بالله حين الموت
يجب العلم أنّ حسن الظنّ باللّه، وإن كان واجباً في كلّ حال، إلّا أنّه قد أمر به في ساعة العمر الأخيرة بالخصوص، ليموت الإنسان وهو محسن الظنّ بربّه، أي يكون سعيداً باللّه، وأنّه ينقله إلى مكان أفضل، وكما كان في الدنيا يعيش على فتات مائدته، فسيكون الآن أيضاً على مائدته في عالم البرزخ والعوالم الأرقى، وسيمنّ الله عليه مقابل عقائده وأعماله التي لا تذكر بنعم وألطاف جلّى.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يموتنّ أحدكم حتّى يحسن ظنّه باللّه عزّ وجلّ، فإنّ حسن الظّنّ باللّه ثمن الجنّة»(4).


(1) المجالس السنيّة، السيّد الأمين، ص 52.
(2) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج 15، ص 211.
(3) مرآة العقول، العلامة المجلسي، ج 8، ص 44.
(4) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 2، ص 448.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع