نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

الإمام عليّ عليه السلام نموذج الإنسان الكامل(*)

العلّامة الشيخ مرتضى مطهّري


من هو الإنسان الكامل؟ هل هوَ العابد المحض، أو الزاهد، أو المجاهد، أو الحرّ، أو العاشق، أو العاقل المحض؟ 

الإنسان الكامل هو ذاك الذي تربّت فيه كلّ هذه القيَم والكمالات، ونمت إلى حدودها العليا.

•ضرورة معرفة الإنسان الكامل
إنَّ معرفة الإنسان الكامل، أو النموذجيّ، في نظر الإسلام، واجبة علينا نحن المسلمين؛ لأنّ الإنسان الكامل هو المثال، والقدوة، والأُسوة. وإذا شئنا أن نكون مسلمين كاملين -والإسلام يريد صنع الإنسان الكامل- وأن نصل إلى كمالنا الإنسانيّ بالتربية والتعليم الإسلاميَّين، فعلينا أن نعرف من هو الإنسان الكامل، وما هي ملامحه الروحيّة والمعنويّة، وما هي مميّزاته، حتّى نستطيع أن نصنع أفراد مجتمعنا، وأنفسنا على شاكلته. وإذا أخفقنا في ذلك، فلن يستطيع أحدنا أن يكون مسلماً كاملاً، أو على الأقلّ، لن يستطيع أن يكون في نظر الإسلام إنساناً ذا كمال نسبيّ. 


•معنى الإنسان الكامل

ثمّة كلمتان في اللّغة العربيّة متقاربتان في المعنى، هما: "الكمال" و"التمام". فمرّة يقال: "كامل"، ومرّة يقال: "تامّ"، وضدّهما "الناقص". هذا كامل وذاك ناقص. وهذا تامّ وذاك ناقص. وقد وردت كلتا الكلمتين في إحدى الآيات القرآنيّة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: 3).

ولو عبّر القرآن الكريم بـ(أتممت لكم دينكم)، لما صحَّ ذلك لغويّاً. فما الفرق بين المعنَيَين؟ 

1. التمام: تُطلق لفظة "التمام" على الدرجات التي يتطلّبها وجود جميع الأشياء اللّازمة لوجود شيء ما، أي إذا لم يوجد بعضها، فيكون الشيء في ماهيّته ناقصاً. فهو لم يُوجد كلُّه، بل وُجد بعضه. فهذا شيء قابل للزيادة والنقصان، فيُمكن أن يقال نصفه موجود، أو ثُلثه موجود، أو ثلثاه موجودان. كالعمارة التي يجب أن تُبنى على وفق خريطة معيّنة، وعندئذٍ يُقال: البناء تامّ، ويقابله: البناء ناقص.

2. الكمال: أمّا "الكمال" فهو درجات يُمكن أن يصل إليها الشيء بعد أن أصبح تامّاً، درجة بعد درجة. إذا لم يكن هذا الكمال، فالشيء موجود بتمامه، ولكن إذا أُضيف إليه الكمال، ارتفع درجة واحدة. يعدّ الكمال خطّاً عموديّاً، والتمام خطّاً أفقيّاً؛ أي أنّ الشيء عندما يبلغ نهايته أفقيّاً يُقال إنّه قد تمّ، وعندما يتحرّك عموديّاً، يكون متّجهاً نحو الكمال. يُقال إنّ فلاناً قد كَمُل عقله، فهو كان عاقلاً قبل ذاك، ولكن عقله قد ارتفع الآن درجة. 
•عليّ عليه السلام الإنسان الكامل

إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نموذج الإنسان الكامل، والإمام عليّ عليه السلام نموذجٌ آخرٌ للإنسان الكامل؛ وبمقدار ما نعرف شخصيّتهما عليهما السلام الجامعة، نكون قد عرفنا الإنسان الإسلاميّ الكامل. بخصوص الإمام عليّ عليه السلام، يقول الشهيد الأوّل: "الشيعة من شايع عليّاً". فبمقدار ما نقتدي به عمليّاً نكون من شيعته، الشيعة هم الذين يشايعون عمليّاً. وقد تميّز أمير المؤمنين عليه السلام بخصال كثيرة، نذكر منها:

1. الفناء في الله: ينبغي أن نتّخذ من الإمام عليّ عليه السلام مثالاً وإماماً لنا، أي من الإنسان الكامل، الإنسان الذي تربّت فيه جميع القِيم الإنسانيّة، ونَمَت نموّاً متّسعاً ومتجانساً، لأجل تلك الروح العباديّة الجاذبة نحو الله، والمحلِّقة في عليائه، المنطلقة نحوه، والتي كانت تضطرم فيه اضطراماً. لعلّك تعلم أنّه عندما يشتدّ حماس المرء تفتر جوارحه، هكذا كان الإمام عليٌّ عليه السلام في العبادة، إذ كان على درجة من الفناء في الله تعالى، حتّى لكأنّه ليس في هذا العالم. وهو نفسه يصف أقواماً بذلك فيقول: "وَصَحِبُوا الدُّنْيا بأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بالمَحَلِّ الأَعْلى"(1). 

2. جامع الأضداد: عندما يكون مع الناس تكون روحه مرتبطة بالمحلّ الأعلى. وعندما يكون في حال عبادة، ينشغل عن الناس، بل عن نفسه، إلى درجة أنّ أصحابه بعد المعارك كانوا ينتظرون سجوده؛ ليستخرجوا السهام من بدنه عليه السلام دون أن يشعر؛ لأنّه غارقٌ في العبادة، ومُنجذبٌ نحو الله تعالى، ومنقطعٌ عمّا حوله. وإنّه ليبكي في محراب العبادة، ويتململ كما لم يشهد مثلَه أحد. هكذا هو حاله في الليل، أمّا في النهار، فيتغيّر حاله؛ يجالس أصحابه بوجه بشوش وباسم.

الليل للعبادة والنهار للحياة والاندماج في المجتمع. هذا هو عليٌّ  عليه السلام في ليله ونهاره. إنّه جامع الأضداد. ومنذ أكثر من ألف سنة وهو معروف بهذه الصفة، حتّى أنَّ السيّد الشريف الرضي يعبّر عن دهشته في تقديمه (نهج البلاغة) ويتحدّث عن العوالم المتنوّعة في كلام الإمام عليّ  عليه السلام؛ عالَم العبّاد، عالم الزهّاد، عالَم الفلاسفة، عالَم العرفان، عالم الجند والجيش، عالم الحكّام العدول، عالم القضاة، عالم الفُتيا... فما من عالم من عوالم البشر غاب عنه أمير المؤمنين عليه السلام.

وفي هذا يقول صفيّ الدين الحلّي في القرن الثامن الهجريّ:

جُمِعَت في صفاتك الأضدادُ ولهذا عزّت لك الأندادُ 

لقد تجمّعت فيك الأضداد، فأنت حاكم وأنت حكيم، وقلّما ائتلف هذان. وأنت حليم غاية الحلم، وأنت شجاع غاية الشجاعة. وأنت الفارس الوحيد الذي لا يعدّ الفرار من بين يديه عاراً على الفرسان، وأنت ناسك وعابد في غاية النُّسك والعبادة. 

فما ألطفه من إنسانٍ روحُه أرقّ من النسيم، وهو في الوقت نفسه بهذه القدرة والصلابة والقوّة!

(*) مقتطف من كتاب (الإنسان الكامل)، بتصرّف.
1.نهج البلاغة، ج 4، ص 38.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع