مع الإمام الخامنئي | الإمام عليّ منارة العلم والتقوى* نور روح الله | شهر رمضان يوقظ الأمّة* فقه الولي | من أحكام الصوم الشهيد على طريق القدس القائد علي نايف أيوب  تسابيح جراح | رأسي مشطور... وقلبي على العهد عمارة المسجد هندسة وحضارة «الحربوق... » فاسدٌ بثوب الذكيّ قصة | آمنة ... وظلّ أحمد(1) كفى بالأجل حارساً: حكــاية ثبات القيادة يدُ الله في اختيار القائد

مع إمام زماننا | تُؤتَون الحكمة في زمانه*


السيّد عبّاس عليّ الموسويّ (رضوان الله عليه)


تزدهر الثقافة في زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف حتّى تبلغ الذروة، وينتشر العلم حتّى يبلغ منتهاه؛ لأنّ العقول تكتمل عندما يضع الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يده على رؤوس العباد، ويستخرج ما كان قد اختفى من علم.
في هذا المقال، نتحدّث عن الاهتمام بالمعارف القرآنيّة في زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وعن تطوّر العلوم أيضاً.

• أوّلاً: القرآن الكريم صافياً
إنّ أرقى الأزمنة علميّاً وثقافيّاً وفكريّاً هو زمان الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولا شكّ في أنّ القرآن من أوائل اهتماماته، لأنّه كتاب الله وخطابه إلى الناس وحبله الممدود من السماء إلى الأرض، وذلك عبر دورين أساسيّين:

1. إحياء دور القرآن
يولي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف القرآن عناية خاصّة، لأنّ المسلمين هجروه خلال مسيرتهم الحياتيّة الماضية؛ فجانبوا أحكامه، وعطّلوا حدوده، وأفقدوه فاعليّته في آيات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم والسلطة وغيرها. لذا، كان على الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يعيد له دوره وفاعليّته وأثره، ولا يكون ذلك إلّا بتعليمه. كما أنزل تفسيراً وشرحاً وبياناً حتّى تقف الأمّة على حقائق القرآن كما هي صافية نقيّة طاهرة لم تعمل فيها الأهواء والمذاهب والآراء، كي تصل معانيه الصحيحة إلى عقول الناس وقلوبهم، فيصنع جيلاً قرآنيّاً يكون قادراً على تحمّل هذا الميراث الكبير في نقله إلى العالم وترغيب الناس في العمل به.

2. إقامة حلقات خاصّة لتعليم القرآن
بالإضافة إلى ذلك، تتكوّن في زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف حلقات خاصّة بالقرآن، لتعليمه قراءةً وتفسيراً وتبياناً لمفرداته وما يحمل من المعاني والمضامين، وما فيه من كنوز ثمينة لم تتوصّل إليها العقول من قبل.
في الحديث عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: "إذا قام قائم آل محمّد ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على ما أنزل الله جلّ جلاله"(1).
وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: "كأنّي بشيعة عليّ في أيديهم المثاني يعلّمون الناس"(2). يكشف هذان الحديثان عن صورة رائعة سيكون عليها المجتمع زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث ستتولّى طائفة من شيعته مهمّة تعليم القرآن للناس وتثقيفهم، بل ستكون الصورة أكثر غرابة عندما نرى العجم -غير العرب- يتولّون تعليم القرآن للناس مع عدم قدرتهم على الإلمام بالعربيّة. يقول ابن نباتة: سمعت عليّاً عليه السلام يقول: "كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما أنزل"(3). هذا الحديث يكشف لنا أنّ أنصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف فيهم شريحة مثقّفة إسلاميّاً من غير العرب قد استوعبوا اللغة وأجادوها بحيث امتلكوا القدرة على تعليم غيرهم، ويكون لهم مقاعد مخصّصة للتدريس في أعظم المساجد وهو مسجد الكوفة حيث مكان إقامة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وأيضاً في الحديث نصّ على تعليم القرآن، وفيه دلالة واضحة على رفع الاختلاف في تفسيره؛ فلا تعدّد في الآراء ولا اختلاف في الإفهام وذلك ببركة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي يكون المرجعيّة العليا التي بقولها تُحسم الأمور وعند فهمها تقف الأفهام والعقول.

• ثانياً: العلم والمعرفة في زمن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
في عصر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، يبلغ العلم ذروته ويتجلّى بأبعاد لم تعرفها البشريّة من قبل، ويمكن إبراز ذلك في المحاور الآتية:

1. قفزة نوعيّة في العلم والمعرفة
من مميّزات عصر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّه عصر العلم والمعرفة، بحيث تبلغ فيه البشريّة رشدها العقليّ وكمالها المعرفيّ، وتحقّق الرقم القياسيّ في هذه الحقول العلميّة؛ ففي حين كانت تنتقل من مرحلة إلى أخرى بشكل بطيء عبر آلاف السنين، وبعد أن تستهلك الجهود المضنية والأتعاب الشاقّة والآلام والدموع والعرق، يأتي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ليقفز بالعلم -في زمنه- قفزة نوعيّة لم تعهدها البشريّة من قبل، إذ سترى في عهده ما يذهل العقول، فلا تكاد تصدّق ما يحدث.
وقد كشفت الأحاديث والروايات ما تبلغه البشريّة من العلم والمعرفة في زمانه؛ فإذا كان العقل البشريّ يعطي جزءاً محدوداً من طاقاته وأبدع ما أبدع ووصل إلى ما وصل إليه، فإنّه سيعطي طاقاته كلّها في زمن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وسيتفّجر الإبداع، وستكون المنجزات المعجزة.

2. إتمام العلوم
في الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثّها في الناس وضمّ إليها الحرفين حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً"(4).
الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يتخلّى عمّا وصلت إليه البشريّة من العلوم والمعارف، بل يضمّ ما تقدّم إلى ما سوف يستجدّ. وإنّ ما تقدّم ما هو إلّا جزء يسير على الرغم من التطوّر والتقدّم -حرفان من سبعة وعشرين-، ومعنى ذلك أنّ العلم في زمن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يبلغ غايته ومنتهاه. وأيضاً، هذا العلم لا يخصّ الشريعة والدين، بل هو عام للعلوم كلّها، قد يُسأل: وهل ثمّة من شيء قد بقي ولم يصل إليه العقل البشريّ والمعرفة البشريّة حتّى الآن؟ والجواب: إنّ ما لدينا وما وصلنا إليه كان أحلام الماضي، ولأيّامنا أحلامها التي ستتحقّق زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما أكثر أحلام الإنسانيّة ورؤيتها المستقبليّة. وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم"(5).
فحوى هذا الحديث -كما هو مبلغ علمنا وفهمنا- أنّ الله أودع الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف العلوم والمعرفة كلّها؛ فعندما يظهر ويعلم الناس ما عنده، وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم، فإذا كملت العقول تفجّرت الطاقات وبرزت العلوم كحقائق واقعيّة، فيكون وضع اليد على الرؤوس كناية عمّا ينشره الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ويعلّمه للناس. وقد يكون وضع يده الشريفة على رؤوس العباد معجزة يعطيها الله للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وكرامة له لتخرج الأمور عن طبيعتها البشريّة المعتادة وتدخل في عالم آخر غيبيّ لا يُدرك إلّا في وقته.

3. انتشار الحكمة والرشد
عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: "وتؤتون الحكمة في زمانه، حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنّة رسول الله"(6).
في هذا الحديث يبلغ الرشد العقليّ والمعرفة أعلى الدرجات ببركة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فالناس يُمنحون الحكمة -إصابة الحقّ والواقع في ما يقولون ويفعلون– والمرأة التي تتولّى إدارة بيتها ومهمّة تربية أولادها وعليها مسؤوليّة صياغة الإنسان الرساليّ، تُعطى ببركته عجل الله تعالى فرجه الشريف علم القضاء وفصل الخصومات -وهي في بيتها- حيث تقضي بكتاب الله وسنّة رسوله.
إنّ المعرفة في زمن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف تكون سمة المجتمع، إمّا بحملة تثقيف وتوعية عامّة كما هو متعارف، وإمّا بإعجاز إلهيّ ومعجزة ربّانيّة حيث تكتمل العقول وتبلغ رشدها فتتدرّج إلى أن يبلغ الفرد سنّ الرشد. والإعجاز أبلغ وأروع، وهو ما يفسّره الحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام وهو يتكلّم عن عصر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف فيقول: "ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم"(7).
 

* مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عدالة السماء، ص 322 - 326.
1. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 52، ص 339.
2. المصدر نفسه، ج 52، ص 364.
3. المصدر نفسه.
4. المصدر نفسه، ج 52، ص 236.
5. المصدر نفسه، ج 52، ص 228.
6. المصدر نفسه، ج 52، ص 122.
7. المصدر نفسه، ج 52، ص 86.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع