مناسبة | من رُزق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حُبّها أذكار | شهر رمضان المبارك آخر الكلام | الأوراق المغلّفة الافتتاحية | ما أفضل أعمال شهر رمضان؟ القرآنُ مشروع حياة القرآن يربّي أبناءنا -سورة النور نموذجاً- القرآن يرشدُ عقولنا القرآن يهذّب سلوكنا القرآن يُعلمنا التوحيد مع الخامنئي | كنوز البعثة النبويّة*

الرحمة في التشريع الإسلاميّ

الشيخ محمّد زراقط

 

من بديهيّات العقيدة الإسلاميّة أنّ الله تعالى يتّصف بمجموعة من الصفات الجماليّة والجلاليّة. وقد كانت هذه الصفات محلَّ بحث بين المسلمين على اختلاف توجّهاتهم الفكريّة في محاولة منهم لفهمها وتفسيرها أو النقاش فيها. وما يعنينا الآن في هذه المقالة هو البحث في صفة الرحمة وتجلّياتها في التشريع الإسلاميّ.


* الرحمة.. صفة ثابتة
الرحمة من الصفات التي لا شكّ ولا نقاش عند أحدٍ من المسلمين في ثبوتها له سبحانه وتعالى. والدليل على ذلك آية البسملة في كتاب الله، وهي الآية التي تكرّرت في سور القرآن الكريم عدا سورة واحدة هي سورة التوبة، وعوِّض عنها عدديّاً بذكرها في سورة واحدة مرّتين في سورة النمل. كما وصف الله تعالى نفسه بالرحمة في عددٍ كبيرٍ من آيات الكتاب في سياقات مختلفة، فمرّة ينسب فعل الرحمة إلى نفسه: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: 119)، ومرّة ينقل هذه الصفة عن لسان أحد أنبيائه عليهم السلام: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: 90)، وثالثة يصف نفسه بالرحمة كما في آية البسملة، ورابعة يخبرنا أنّه كتب الرحمة على نفسه واختارها صفة لازمة لذاته عزّ وجلّ: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 12).

وعلى ضوء تكرّر هذه الصفة في القرآن، لم يختلف المسلمون في ثبوتها لله تعالى، وحاولوا فهمها لتخليصها ممّا يشوبها من صفات الإنسان، وذلك أنّ الرحمة: "وصفٌ انفعاليٌّ وتأثّرٌ خاصٌّ يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره، فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلا أنّ هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الإعطاء والإفاضة لرفع الحاجة، وبهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرحمة"(1).

وعلى ضوء هذا، يميّز بعض أهل اللغة بين الرقّة التي تعتري قلب الإنسان عندما يرى ما يثير شفقته على شخصٍ، وبين ردّة فعله على إثر هذه الرقّة، حيث يُقال: رقّ لحاله فرحمه؛ و"الرحمة إنّما هي تجلّي الرأفة وظهور الحنّة والشفقة، وتكون في مقام التعلّق والإظهار، ويلاحظ فيها الخير والصلاح..."(2). كما تجدر الإشارة إلى التقارب في المعنى بين هذه الصفة الإلهيّة وبين عددٍ من الصفات كاللطيف، والرؤوف، والمحسن، والمنعم...

* مظاهر الرحمة في التشريع الإسلاميّ
تتجلّى العلاقة بين الرحمة والتشريع عموماً والتشريع الإسلاميّ على وجه التحديد في موارد عدّة، سوف نحاول إيضاحها وبيانها في النقاط الآتية:

1. النبوّة والتشريع والرحمة
يناقش علماء الكلام في فكرة يسمّونها "قاعدة اللطف"، وحاصل هذه القاعدة أنّ الله تعالى، تبعاً لرحمته بعباده وإرادته الخير لهم، فإنّه يفعل بهم أو لهم بعض الأفعال التي تقرّبهم من الكمال أو تحول بينهم وبين التسافل: "إنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً؛ فلأنّ اللطف بالعباد من كماله المطلق... إذ لا بخل في ساحة رحمته ولا نقص في جوده وكرمه..."(3). وبعبارة أخرى يمكن القول: إنّ اللطف هو كلّ تدبير إلهيّ يؤدّي إلى قرب العبد من الطاعة وبُعده عن المعصية. ومن التدابير الإلهيّة التي اعتمدها الله تعالى لتقريب العبد من الطاعة ومساعدته على طيّ مدارج الكمال أمران:
1. إرسال الأنبياء  عليهم السلام.
2. تشريع الأحكام.

وقد ورد في القرآن ما يفيد العلاقة بين إرسال الأنبياء  عليهم السلام بالشرائع وبين رحمته سبحانه آيات عدّة أبرزها قوله تعالى في بعثة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107). كما ورد ما يقرب من هذا المعنى في حقّ أنبياء آخرين في سياقات مختلفة. وكذلك ورد ما له علاقة بالتشريع، مثل قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64).

2. الرحمة في التشريع
عندما ننظر إلى تفاصيل التشريع الإسلاميّ، نجد أنّ تفاصيله تزخر بالرحمة من جهات عدّة، لا تتّسع حدود هذه المقالة إلّا إلى بعض الإشارات، منها:

أ. بناء التشريع على المصالح
من الأفكار الأساسيّة في فلسفة التشريع الإسلاميّ أنّ الله شرّع الأحكام لتأمين مصالح العباد وتجنيبهم المفاسد، وإلّا: "فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ"(4). وهذه المصالح والمفاسد يصطلح العلماء عليها بـ "ملاكات الأحكام"؛ أي أنّ ما يطلق عليه حكم "الحرمة" فهو يحمل مفسدةً أو مضرةً شديدةً على الإنسان، ومن رحمته تعالى جنّبه الأذى بنهيه عنها، ورتّب على ذلك عقاباً وجزاءً أخروياً لردعه عنها، كذلك ما يحكم بـ "الوجوب"؛ فهو يحمل منفعة ضروريّة للإنسان، ومن رحمته تعالى أن أمره بها وألزمه إيّاها، ورتّب على فعلها ثواباً وجزاءً. وقد لا يوفّق الإنسان إلى اكتشاف تمام هذه العلل (المنافع والمفاسد)، فتكون طاعته للحكم مدار اختبار تقواه والتزامه؛ وما يحدد قربه المعنوي أو بعده عن ساحة الرحمة الإلهيّة، إلّا أنّ رحمته تعالى اختصرت على المُكلف الطريق من خلال التشريع؛ لجلب منافع الواجبات إليه، ودفع مفاسد المحرّمات عنه.

ب. التكليف على قدر الطاقة
من مسلّمات التشريع الإسلاميّ أنّ الله سبحانه لم يكلّف الإنسان أكثر ممّا يحتمل؛ بل راعى قدرته ووسعه وكلّفه على أساس ذلك. وأبرز الأدلّة على هذا المبدأ قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (المؤمنون: 62)، وتفيد هذه الآية قاعدة عامّة في التكاليف كلّها، ويشبهها في دلالتها قوله عزّ وجلّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: 7). وفي أكثر من مورد من موارد التشريع ثمّة آيات تربط تشريعات محدّدة بمقدار الوسع، منها قوله تعالى في الآية السابقة نفسها: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ (الطلاق: 7)، وهذا المقطع من الآية المباركة يدعو إلى الإنفاق على الأسرة بحسب السعة والقدرة الماليّة. بل إنّ الله تعالى أعفى المكلّفين من بعض الواجبات مع قدرتهم على الامتثال ولكن مع بذل جهد كبير، وذلك كما في حالة سقوط وجوب الصوم عن بعض الأشخاص الذين ورد التعبير عنهم أنّهم يطيقون الصوم، أي يتحمّلونه، ولكن ببذل طاقة مجهدة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: 184).

ج. تبدّل التكاليف وحالات الاستثناء
فتحت الشريعة الإسلاميّة باب الاستثناء، وهو ما يُعرف بالأحكام الثانويّة في مقابل الأحكام الأوّليّة. وموارد الأحكام الثانويّة متعدّدة، ورد بعضها في القرآن الكريم وبعضها بيّنته السنّة الشريفة، ومن ذلك قصر الصلاة في السفر(5)، والإفطار في السفر(6)، والتيمّم بدل الوضوء...(7).

د. تشريع التوبة والتكفير
من حقّ الله تعالى على العباد أن يطيعوه، ومن حقّه أن يعاقبهم على مخالفتهم أوامره ونواهيه ويطردهم من ساحة رحمته عند أوّل خطأ يسقطون فيه، ولكنّه سبحانه فتح باب التوبة إعمالاً لصفة الرحمة الواسعة التي اتّصف بها: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 54). كما تجلّت الرحمة الإلهيّة في هذا المجال بفتح باب التكفير عن بعض الذنوب بالرحمة للمذنب نفسه، والرحمة للمستفيد من التكفير كما في حالات العتق والتكفير بالإطعام.

ه. تظهير صفة الرحمة عند العباد
من تجلّيات الرحمة في مجال التشريع أنّ الله شرّع بعض الأحكام ولكنّه فتح باباً لتظهر الرحمة، ليس في صفاته سبحانه فحسب، بل في صفات عباده تخلّقاً بأخلاقه وتقرّباً منه سبحانه، ومن ذلك أنّه شرّع القصاص رحمة بالعباد وحفظاً لحياتهم، ولكنّه في الوقت نفسه سمح لوليّ الدم أن يتخلّق بالرحمة فيعفو عن القاتل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 178). علماً أن في القصاص نفسه رحمة من الله تعالى، حيث إنّه يقع في طريق حفظ المجتمع عامّة من التعدّي على النفوس، وبذلك يضيّق ويقوّض من سفك الدم بين الناس، وهذا في نفسه رحمة بهم من الله تعالى.

وفي الختام، هذه لمحات سريعة عن تجلّيات الرحمة في التشريع الإسلاميّ، ويبقى أنّ رحمة الله واسعة لا يمكن أن يحدّها حدّ، ولا أن تحيط بها مقالة موجزة كهذه المحاولة المتواضعة.


(1) السيّد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 15.
(2) انظر: الشيخ مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، ج 4، ص 98.
(3) الشيخ المظفّر، عقائد الإماميّة، ص 38.
(4) الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 193 (خطبة المتّقين).
(5) انظر: سورة النساء، الآية 101.
(6) انظر: سورة النساء، الآية 43.
(7) انظر: سورة المائدة، الآية 6.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع