مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*) أخلاقنا: في الكفر عذاب النفس(*) الزهراء عليها السلام جمعت خواص الأنبياء عليهم السلام المهندس: "القـائد الرساليّ" سليمانيّ: "رسولٌ إلى سامرّاء" من نهج الرسول: رجال يحبهم الله فقه الولي: من أحكام الرهن آلام المفاصل: الأسباب وطرق العلاج جـهـاد التبـيـيـن في تراث المعصومين عليهم السلام

حكايا الشهداء: شوقٌ إلـــى لقـاء المحبوب 


محطّات من سيرة الاستشهاديّ عمّار حمّود (كاظم)


"أتذكّره طفلاً مرحاً يحبّ اللعب واللهو والضحك.. كان يساعدني في رعي الماشية، فيرتع في الحقل، ويلهو ويلعب. أتذكّره عندما كان يذهب مع أخيه الشهيد محمّد إلى صيد العصافير، فيعود مسروراً من رحلته تلك.. لا أزال أسمع أصوات ضحكته الطفوليّة التي لا تفارق أذنيّ..". 

ذكريات كثيرة لا تستطيع قسوة الدهر أن تمحوها من ذاكرة والد قدّم قطعتين ثمينتين من قلبه، حتّى يبقى هذا البلد نابضاً بالعزّ والكرامة والحياة، هما الشهيدان محمّد حموّد (استشهد عام 1998م)، والاستشهاديّ عمّار حمود (استشهد عام 1999م).

وإحياءً للذكرى السنويّة الـ23 للعمليّة البطوليّة التي نفّذها الاستشهاديّ عمّار حمّود، رغبت أسرة مجلّة بقيّة الله أن تضع بين أيدي قرّائها الأعزّاء محطّات مختلفة من حياة الشهيد، منذ الطفولة وحتّى ما قبل الشهادة، يرويها والده الحاج حسين حمّود.

•مبادر إلى المساعدة
يستذكر الوالد نخوة ابنه الشهيد وغيرته عليهم، وحبّه الشديد لهم، واندفاعه لتقديم المساعدة، فيقول: "كان الشهيد عمّار مقداماً، وكريماً، ويبادر إلى تقديم المساعدة من دون أن نطلب منه ذلك حتّى. ففي إحدى المرّات، تعرّضت لحادث سير، وقد تضرّرت السيّارة نتيجة ذلك، ولم أكن أملك المال لتصليحها. وعندما علم الشهيد بذلك، عمل على تأمين مبلغ 400 دولار وقدّمه لي قائلاً: أبي، لقد أمّنت لك هذا المبلغ لكي تتمكّن من تصليح السيّارة".

•قائدٌ كشفيّ مميّز
بعيداً عن اللهو والمرح، فللجدّ والعلم حيّزٌ مهمٌّ من حياة الشهيد عمّار، الذي كان يقضي وقته في متابعة دراسته في المدرسة وارتياد نشاطات كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، التي كان قائداً لأحد أفواجها. تنتقل ذاكرة الوالد هذه المرّة إلى تلك الحقبة الزمنيّة، فيقول: "كان الشهيد عمّار قائداً كشفيّاً. كان يجمع عدداً من الأولاد الصغار بين الحين والآخر، ويأتي بهم إلى منزلنا، فيُجلسهم في إحدى غرف منزلنا الصغيرة، ويحضر لهم الطعام من مال كان قد جمعه سابقاً لهذه الغاية". 

•"أنا لا أغشّ"!
كبر الشهيد عمّار، وكبرت معه اهتماماته التعليميّة، وازداد شغفه بالعلم واهتمامه به؛ إذ أحبّ دراسة الفلسفة في المرحلة الثانويّة، إلى جانب الدراسة الحوزويّة في الوقت نفسه. وعن تلك المرحلة أيضاً، يستذكر الوالد قصّة حصلت مع ابنه الشهيد أثناء إجراء الامتحانات الرسمية، تحكي الكثير عن خبايا تلك الشخصيّة الفريدة، فيقول الحاج: "في أحد أيّام الامتحانات الرسميّة، واجه الشهيد صعوبةً، فسمح له المراقب حينها أن ينقل ما يحتاجه من معلومات عن زملائه، ولكنّ الشهيد عمّاراً رفض ذلك، قائلاً له: (أنا لا أغشّ؛ لأنّ الغشّ حرام)، مع أنّ معظم التلاميذ حينها كانوا يتناقلون الإجابات فيما بينهم. نصف علامة فقط حالت دون نجاح الشهيد عمّار في الامتحانات، لكنّه لم يكترث للأمر، بل كان مرتاحاً للغاية؛ لأنّه لم ينجح عن طريق الغشّ. وقد أراد إعادة تلك السنة الدراسيّة؛ لينجح بمجهوده، لكنّه استشهد قبلها".

•سنة واحدة فاصلة
سنة واحدة فقط كانت تفصل بين لقاء الأخوين في عالم أكثر جمالاً وطمأنينة. أخان جمعتهما رابطة الدم في الحياة الدنيا، فكان هذا الدم نفسه، الذي سُفك فوق تراب الوطن، هو الذي جمعهما أيضاً في عالم الآخرة، فامتزج ليثمر نصراً وافتخاراً.

كُتب لمحمّد أن تتلقّاه أيدي الملائكة قبل أخيه عمّار. ولكن كيف تعاطى الشهيد عمّار مع هذه المسألة؟ حول ذلك يقول الحاج حسين: "ازداد الشهيد عمّار، بشهادة أخيه، فخراً واعتزازاً بهذا النهج، لا بل زادته هذه الشهادة تصميماً وعزماً لمواصلة هذا الدرب، وحثّ الخُطى نحو الشهادة، حيث ينعم أخوه بحياة هانئة في جنّات الخلد إلى جانب الصدّيقين والأولياء".

•تحضيرات العمليّة
التحق الشهيد عمّار بركب المجاهدين المقاومين، وهو خرّيج أسرة مجاهدة كانت قد قدّمت شهيداً في سبيل الله والوطن، فلاقى ترحيباً وتأييداً من والديه بهذا الخيار، وهو الذي أضناه الشوق إلى لقاء أخيه محمّد. 

أمّا عن بعض تفاصيل العمليّة الاستشهاديّة، التي عرف بها الوالد لاحقاً بعد الشهادة، فيقول: "لم أكن أعلم، فلم أشعر حتّى بأيّ شيء له علاقة بالعمليّة التي يتحضّر الشهيد لتنفيذها. كان لا يجيد قيادة السيّارة، ولم أعلم أنّه خضع لدورة تدريب على القيادة لخمسة عشر يوماً.

كان من المفترض أن ينفّذ الشهيد عمليّته في وقت محدّد، ولكنّ الهدف؛ أي الدوريّة الصهيونيّة، تأخّر عن الوصول في الموعد المتوقّع. ونتيجة لذلك، طلبت إليه قيادة المقاومة أن يركن السيّارة جانباً في أحد الأماكن، ويعود أدراجه، فلم تتمّ العمليّة وقتها".

• "فاستمع لما يوحى"
كثيرة كانت زيارات الشهيد عمّار لسماحة السيّد عمّار شرف الدين في الآونة الأخيرة، الذي باتت تربطه به صلةٌ قويّةٌ، إذ كان يلجأ إليه كلّما أراد إجراء استخارة للعمل الجهاديّ. وحول ذلك يروي الحاج حسين: "قبل أن يتوجّه الشهيد عمّار إلى تلك المهمّة، طلب إلى السيّد شرف الدين إجراء استخارة له لأنّه ذاهب في مهمّة، ففتح السيّد القرآن، فكانت الصفحة تتضمّن آية: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ( طه: 13)، فقال له السيّد عندها: (هنيئاً لك يا عمّار)".

•"فزت وربّ الكعبة"
إنّها المحاولة الثانية، التي كان لا بدّ لها من أن تصيب هدفها هذه المرّة، كيف لا؟! وعمّار ينتظرها بفارغ الصبر، ويتوق للقاء المعشوق الأوحد، هناك في جنّات الخلود. فهل سارت الأمور على ما يرام هذه المرّة؟

حول ذلك، يقول والد الشهيد: "كان الشهيد صائماً في ذلك اليوم، فطلب منه أفراد القيادة، أن يتناول ما أحضره معه من تمر وبسكويت بسبب حلول وقت الإفطار، ولكنّه رفض ذلك؛ لأنّه أراد أن يستشهد صائماً، كما أنّه أدّى الصلاة في السيّارة!

مرّت دقائق معدودة والشهيد بالانتظار على أحرّ من الجمر، وإذ بالدوريّة تتقدّم، فانفرجت برؤيته إيّاها أساريره، قال فوراً للقيادة عبر الجهاز: (لقد جاء الهدف، فزت وربّ الكعبة، الله أكبر)، وضغط الزرّ"!

•في يوم القدس
لم يتمّ الإعلان فوراً عن هويّة منفّذ تلك العمليّة الاستشهاديّة خشية أن يُقدم العدوّ الصهيونيّ على ردّات فعل تُجاه أسرته. 

وفي يوم القدس العالميّ، أُعلن عن اسم الاستشهاديّ عمّار حمّود كمنفّذ لتلك العمليّة، وكان والده هو من أزاح الستار عن صورته، معلناً، وبرأس مرفوع وشامخ، أنّ ابنه هو منفّذ تلك العمليّة البطوليّة ضدّ العدوّ الإسرائيليّ.

•أهون من مصائب أهل البيت عليهم السلام 
إنّه شعور ممزوج بالحزن والفرح معاً، فالشوق إلى الأحبّة صعب، ولكن يبقى أثر الشهادة يبعث على الأمل والسرور، وعن ذلك يقول الوالد: "إنّ ابني استشهاديّ، وهذا شرف كبير للأمّة كلّها". 

وكيف لا تهون المصائب باستحضار مصائب أهل البيت عليهم السلام ؟! يتابع الحاج حسين قائلاً: "إنّنا نستمدّ قوّتنا من أهل البيت عليهم السلام، فمصائب الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، والسيّدة زينب عليها السلام، وأبي الفضل العبّاس عليه السلام، ومسلم بن عقيل، أعظم بكثير من مصائبنا، وما قدّمناه نحن، ونقدّمه، لا يساوي شيئاً أمام عظيم ما قدّموه من تضحيات جسام".

في الختام، توصية للمجاهدين من والد مجاهد قدّم شهيدين عزيزين من أبنائه: "أقول للمجاهدين: استمرّوا على هذا النهج، وحافظوا على ثباتكم وتماسككم في وجه ما يُحاك لهذه الأمّة من مؤامرات وفتن. وما النصر إلّا من عند الله".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع