عن الشهيد عبّاس محمّد الموسويّ (السيّد جواد)*
كوثر الموسوي
أحدق به الخطر أيضاً هذه المرّة، ربّما كان أشدّها إذ كان قاب قوسين أو أدنى من القتل. لم تكن الأجواء عاديّةً في «البو كمال»، استهدافه كان دقيقاً وسريعاً، لكنَّ مناجاةً صادقةً لله أنقذته: «وحدك يا ربّ تدرك مدى اشتياقي للشهادة، كم طلبتها وتمنّيت نيلها، وأنت العالم بقلب أمّي إن كان سيحتمل فراقي بعد أخي وأبي، فخذني يا أحبّ من كلّ حبيبٍ مضرّجاً بدمي إن ضمنت صبرها».
• أوّلاً: في قلب الأمّ
هديّةٌ ربّانيّة
رأيت الإمام الخمينيّ قدس سره في المنام أنّه زار حيّنا واستأجر فيه متجراً متواضعاً عجيباً في صغره لبيع الأقمشة. على استحياءٍ دخلته لأرى ما يحتوي، فأعجبتني قطعة قماشٍ سألت الإمام عن ثمنها. أذكر جيّداً أنّي اعتذرت واستدرت للخروج حين علمت أنّي عاجزةٌ عن دفع الثمن، إلّا أنّ صوت الإمام جذبني حين ناداني ليقدّم لي قطعتَي قماش كهديّة، لم يقع نظري طيلة عمري على أجمل من تِلكما القطعتين! كلّ عبارات الشكر ازدحمت في ثغري، قبل أن أستأذنه بالانصراف. لم يطل الأمر كثيراً حتّى تحقّق تأويل الرؤيا، وكان حملي بذَكَرين هما الهديّة، وتجلّت البشارة أنّهما سيحظيان بمكانةٍ عظيمةٍ عند الله. لا أنكر أنّ حملي كان مستهجناً، خاصّةً أنّي أمٌّ لأربعة أولاد، فالأوضاع المعيشيّة الصعبة لا تشجّع على كثرة الإنجاب، ولا الأوضاع الأمنيّة تسمح بذلك. أذكر جيّداً حين أذن الله بولادة عبّاس، كأنّ ملائكة اللطف تولّتني. لم تظهر أيّ علاماتٍ للمخاض، ولم أشعر بالألم. كبر عبّاس ورزِقتُ بأخيه حسن بعده.
أيامٌ وذكريات
كانا كالتوأم، لعبا، وتعلّما، وكبرا معاً، وتنامى عداؤهما للعدوّ أيضاً وتحدّيهما له، حتّى أنّهما خلال حرب تمّوز 2006م لم يتوانيا عن اللعب على درّاجتيهما الهوائيّتين بعد كلّ غارةٍ تشنّها المقاتلات الحربيّة الإسرائيليّة. وعند خرق جدار الصوت، يحملان علم حزب الله، ويشيران بشارة النصر بغضب. لم أرَ الخوف في أعينهما يوماً.
لقد اختارهما الله شهيدين مضرّجين بدمائهما مواسيَين للإمام الحسين عليه السلام. افتتح حسن مراسم العزّ بشهادته أوّلاً دفاعاً عن مرقد العقيلة زينب O. بعده، استشهد والده، متوّجاً لمسيرة عابقةٍ بأريج الجهاد في سبيل الله. ومسك الختام كان عبّاس شهيداً بعد حرب الـ66 يوماً. وُشِمت أيّام الأسبوع بأسمائهم، كلّ يومٍ له ذكرى ولساعاته حظٌّ من الألم أيضاً؛ فيوم الاثنين وصل خبر شهادة حسن، والثلاثاء وافيناه إلى مستشفى دار الحكمة ليلاً، والأربعاء زففناه عريساً مخضّباً بنجيعه إلى جنّةٍ عرضها السماوات والأرض. أمّا عن يوم الخميس، فهو للسيّد الأخ الأكبر، زففناه بكلّ بهائه شهيداً في عيد الفطر. وأمّا عن الجمعة، فهو لولدي عبّاس. وكان السبت موعداً للوداع، وارينا جسده في روضة الشهداء.
• ثانياً: في ذكريات الأصدقاء
ضحكةٌ لا تُنسى
تلك الابتسامة الملكوتيّة عصيّةٌ على النسيان. نظر إلى زوجته حابساً ضحكته، حين علم أنّ الإكثار من تناول ثمار الجوز يورث النسيان، مستحضراً كلام صديقه الذي يحمل الجوز في جعبته أينما ذهب، يدّخره ككنزٍ ثمينٍ لا غنى عنه ليبقى عقله غضّاً نشيطاً محميّاً من الخرف. انفجر بضحكةٍ لا تُنسى معالمها، معلّقاً على تصرّف صديقه الذي اجتزأ من الحديث الشريف أساسه، أنّ الجوز غذاء الدماغ لكن بشرط أكل الجبن معه للحصول على المنفعة، ومن دون الجبن وقع الضرر. ذاك الحرص على حمل الجوز أثناء الدورات أو المرابطات وحتّى أثناء الخدمة العاديّة، غرس في قلبه الغبطة والسرور، ففاض على وجنتيه بأجمل الضحكات والقهقهات ما دفع الجميع لمشاركته موجة الضحك. تلك الليلة من ليالي الحرب ضجّت بأنفاسه، احتار كيف يؤنس ضيوفه بأحاديثه ونكاته، كي ينسى الحاضرون أصوات الغارات والصواريخ التي تنهمر خارجاً، فملأ الدنيا طمأنينة.
توصيات قائد
«سيكون يومنا مباركاً أيّها الإخوة، ابدؤوه بزيارة عاشوراء، ولا تنسوا غسل الجمعة»، على الرّغم من أنّ الثلوج كانت تغطّي المكان، إلّا أنّ إصراره على الغسل كان لافتاً. ظروف تلك الدورة التي خضع لها كانت قاسية. بعد صلاة الصبح، انطلق الجميع في مسيرٍ طويل. تراكم الثلوج والطقس البارد أعاقا الوصول سريعاً إلى نقطة الهدف. لم يكن المدرّب حينها؛ إنمّا متدرّبٌ كباقي المجموعة، لكنّه بحسّه العالي للمسؤوليّة كان يتابع الجميع، خاصّةً من تأذّوا وازرقّت أقدامهم وتورّمت نتيجة الصقيع. وعلى الرغم من المشقّة التي عانى منها، إلّا أنّه سحب الإخوة إلى نقطةٍ مستترة تقلّ فيها الثلوج نسبيّاً، وانطلق يبحث عن وسائل للتدفئة تساعدهم على الوقوف ثانيةً لمتابعة السير، ناسياً معاناته، مركّزاً جلّ اهتمامه كي يوقد ناراً تبثّ الدفء في عروقهم. لم يكن خدوماً لرفاقه ومن معه فقط، إنّما عُرف بنخوته وتلبيته لحاجات الناس حتّى من لم يسبق له معرفتهم.
• ثالثاً: في وجدان زوجته
بوح الحنين
أذكر كيف كان الوقت ينفرط بين يديك، تسابق الزمن لإنجاز ما عليك كي لا أحتاج أحداً في غيابك. لم تترك مناسبةً إلّا وضمّنتها عبارة «عمرك أطول من عمري». هيّأتني لوضعٍ لم أتقبّله وأنا المعتادة على حضورك دائماً حتّى في خدمتك. تحيط بي باتّصالك واهتمامك ولهفتك، وبحرصك على مفاجأتي بما أحبّ، وتجهيزك لكلّ شيء كي لا أقلق.
إنّه حفل تخرّج ابنتنا زينب. طلبوا منّي العديد من الأوراق الثبوتيّة في المدرسة. كنت أنت من تحتفظ بها وتخبّئها، أتذكر؟ لم أعتد توضيب المنزل عند نهاية فصل الشتاء وحدي، طالما منتعني من القيام بأعمال التنظيف في غيابك، هذه المرّة كانت مختلفة، هجم الحرّ باكراً واشتاقت أقدامنا لملامسة البلاط، ما عاد السجّاد يُطاق لكنّ حمله ثقيل. للحظة وقفت أمام صورتك: «هيّا يا أبا علي، لا أستطيع توضيب السجّاد وحدي، أنظر ماذا ستفعل لمساعدتي». أدرك بتمام حواسي أنّك موجودٌ قربنا، لا تغيب عيناك عنّا، ترمقان طفلتَينا بحنوِّ الحاضر الناظر. جنّدك الله لخدمة عياله، حتّى إن عبرت سبيلاً لأداء صلاة الجماعة. طالما استوقفك من يطلب المساعدة، تلك العجوز التي تبعتك وطلبت منك فكّ المدفأة دون أن تعرفك، ما رأت في وجهك سوى نور جذبها للاستعانة بك من دون خوفٍ من رفضك.
سرُّ الدعاء
أرهقتك الدنيا بكلّ قيودها، لم تعطِ فرط فرحتك لأحد حين طُلب منك السفر إلى العراق لأداء مهمّة. هناك، في المراقد الشريفة، طلّقت سجن جسدك، وهامت روحك في فلك أمير المؤمنين عليه السلام حيث راودتك الدموع وسيل الدعاء. عدت لكنّك حيٌّ بلا رئةٍ، تتواصل مع القيادة شوقاً للالتحاق. عبارة «نسيتوني» ما زالت تنقر في أمّ بالي، لم تكن المصلحة أن تغادر حينها، أبقاك الله لتمشي بي درباً يوصلنا إلى الكمال، لكنّ وصولك كان أسرع. أثناء قيامك بواجبك الجهاديّ تمّ العروج، لله كلّ هذا الفقد، لم يقتلنا غيابك لكنّه كسر ظهوراً كثيرة.