آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

أسرتي: زوجتي.. لا تقارنيني بالآخرين


الشيخ محمّد الحْمُود


تكثر المقارنة بين الأزواج في أوساط بعض النساء، سواء السعيدات منهنّ في حياتهنَّ الزوجيّة أم غير السعيدات.

فبعضهنَّ يحكين قصصاً واقعيّة وإيجابيّة عن أزواجهنَّ، وبعضهنَّ الآخر يحكين قصصاً من نسج خيالهنَّ عن مواقف إيجابيّة، ويتسابقن فيما بينهنَّ على مكانة كلّ واحدة منهنَّ لدى زوجها، وقد تكونين بينهنَّ جالسةً فتعتريكِ الحسرة على ما يُظهرن من اهتمام أزواجهنّ، وتبدئين -بشكل لا شعوريّ- بمقارنة ما هُنَّ عليه مع أزواجهنّ، وما أنتِ عليه مع زوجك!

ماذا تعني المقارنة؟
يقوم أحد الزوجين بمفاضلة ومقارنة بين صفات شريكه وخصائصه وسلوكيّاته، مع صفات شخص آخر قد يكون زوج/ زوجة أحد الأقارب أو الأصدقاء أو شخصيّة عامّة. وهي على نوعين: المقارنة الإيجابيّة، التي تركّز على إيجابيّات الشريك وسلبيّات الشخص الآخر، والمقارنة السلبيّة التي تتجاهل إيجابيّات الشريك، وتركّز على إيجابيّات الآخر.

تأثير المقارنة على الزوج
أَيَّتُهَا الزوجة الكريمة، قد تقومين بالمقارنة بشكل عفويّ، بين زوجكِ وشخص آخر، ولسان حالكِ يردّد أمامه: "انظر إلى زوج صديقتي، كم يحبّها! ليتكَ كنتَ مثله! وانظر إليه كيف يساعدها في عمل كذا وكذا، كم أتمنّى لو كنتَ نسخةً عنه! ليتكَ تعاملني مثلما يعامل جارنا زوجته! انظر إلى أخيكَ كم يملك من المال! انظر ماذا اشترى لها"، وهكذا دواليك... ولكن هل تعلمين عواقب هذا الأمر؟!

إذا بدأتِ تقارنين بين زوجكِ وأزواج الأخريات عبر رسائل موجّهة مباشرة، فإنَّ هذه الرسائل سوف تؤدّي إلى استفزازه، وسوف تُشعره بالغضب والاستياء والإهانة، لأنّكِ نظرتِ إلى سيّئاته وإلى حسنات غيره (بناءً على تقييمك ونظراتك، وقد لا يكون الواقع كذلك)، وكأنَّكِ تقلِّلين من قدْره الذي يجب أن يظلّ دائماً في عينيكِ كبيراً.

تجربة من واقع الحياة
ابتُليت إحداهنّ بصديقة لها كانت تُفرط في التباهي والتفاخر بما يجلبه لها زوجها من هدايا ثمينة، الأمر الذي أشعل في داخلها فتيل المقارنة.

وأخذت مشاعر الغيرة تتحرّك في نفسها جرّاء إصغائها إلى حديث صديقتها، وبدأت تشعر أنَّها مظلومة من جانب زوجها، على الرغم من أنَّه غير مقصِّر في توفير متطلّباتها، الأمر الذي أدّى إلى اتّساع الهوّة بينهما، وتفاقمت حتَّى وصلت إلى الأهل. أمَّا المفاجأة، فكانت حينما علمت فيما بعد، أنَّ معظم ما تقوله صديقتها كان كذباً؛ منشؤه التباهي والتفاخر!

القناعة والرضى
أيّتها الزوجة، اقصري النظر على ما أنتِ فيه، فإنَّ النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قد أسدى إلينا نصيحة مهمّة جدّاً، وهي أن ننظر في أمور حياتنا الدنيا إلى من هو دوننا، وذلك عندما قال: "انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنَّه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم"(1)، وكما قال وصيّه الإمام عليّ عليه السلام: "إنَّ أهنأ الناس عيشاً من كان بقسم الله راضياً"(2). وكذلك ما قاله حفيده الإمام الصادق عليه السلام  عندما طلب رجلٌ منه أن يعظه: "اقْنَعْ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِكَ، وَلَا تَتَمَنَّ مَا لَسْتَ نَائِلَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ قَنِعَ شَبِعَ، ومَنْ لَمْ يَقْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ، وَخُذْ حَظَّكَ مِنْ آخِرَتِك"(3).

اعلمي أنَّ كلّ رجل –وليس زوجكِ فقط– له مزاياه ونقائصه، والرجال مختلفون فيما بينهم؛ فزوجكِ ليس مثل زوجِ صديقتكِ، ولا زوج ابنة خالتكِ ولا... كما أنَّكِ أنتِ لستِ كصديقتكِ ولا كأختِكِ ولا كابنةِ خالتكِ، ولكلّ شخصٍ طبعه وشخصيّته، فثمّة الزوج العصبيّ الذي يغضب بسهولة، والزوج البارد في مشاعره، والزوج العقلانيّ الذي يُفكِّر بالمنطق، والزوج التقليديّ الذي لا يحبّ التغيير، والزوج الذي يهتمّ بالمظاهر، والزّوج الذي يفتقر إلى اللباقة في التعامل مع زوجته، وآخر عنيد... فطبائع الناس مختلفة، ومستوياتهم المادّيّة والمعنويّة متفاوتة، وأولويّاتهم متغايرة، وعقولهم مختلفة، فلهذا لا تُتعبي نفسك في أن تضعي نموذجاً خاصّاً بكِ بناءً على سلوكيّات الآخرين وأوضاعهم، وتقيسي زوجكِ عليه، ثمَّ تحاسبينه على أساسه، فهذا سيجعلكِ دائماً غير راضية عنه؛ لأنَّكِ ستركّزين على الأشياء الناقصة فيه فقط، مقارنةً إيّاه بالنّموذج "المثاليّ" في عقلكِ أو خيالكِ.

بناءً عليه، نجد أنَّ الرضى والقناعة أحد أهمّ أركان السعادة في الحياة بشكل عام، وفي الحياة الزوجيّة بشكلٍ خاصّ؛ وثقي تماماً أنَّه لا يوجد إنسان كامل إلَّا من عصمه الله، وإنَّ ما تملكينه الآن قد يتمنّاه غيركِ طوال حياته. نعم، بإمكانك أن تشجّعيه على التغيير بطريقة بنّاءة، تتّسم بالاحترام والثقة، وليس بالاستصغار أو الاحتقار. ومن المهمّ أن تكوني منطقيّة في توقّعاتكِ، بالتالي، عدم مطالبته بأكثر ممَّا يستطيع تحقيقه، ولا تطلبي منه أن يصبح شخصاً آخر.

هل ستقبلين ذلك؟
إذا أردتِ أن تشعري بالسعادة الزوجيّة، فعليكِ تقبُّل وضع زوجكِ على ما هو عليه، أو تغييره بالتي هي أحسن، إذا كان لا بدّ من ذلك.

لذا، تذكَّري، عندما تقارنينه بآخرين، أن تسألي نفسكِ: "كيف سيكون حالي لو قارَنني زوجي بأخرى؟"؛ فهل ستقبلين ذلك؟! بالطّبع لا! إذاً، أحبِّي له ما تحبّينه لنفسكِ، واعملي بوصيّة الإمام علي عليه السلام  لابنه الإمام الحسن عليه السلام، حيث قال: "يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَينَكَ وَبَينَ غَيرِكَ، فَأَحبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ"(4).

الشخصيّة كالبصمة
يؤكّد علماء النفس أنَّ الشخصيّة كالبصمة، لا تتكرّر أبداً حتّى في التوائم، وانطلاقاً من هذه المقولة، لا يمكننا مقارنة أحدٍ بأحد؛ فلكلّ شخص طباعه وشخصيّته المستقلّة والمختلفة عن أيّ شخص آخر. وهذا ما يجعل المقارنة غير صحيحة ومرفوضةً من الأساس؛ لأنَّها تؤدّي إلى إلغاء الشخص وخصوصيّاته وميزاته التي يتمتّع بها؛ لأجل إيجابيّات قد نتوّهم وجودها في آخر.

لذا، فعمليّة المقارنة بين الأزواج غالباً لا تأتي بالثمار المرجوّة منها، وفي كثير من الحالات قد تأتي بنتائج عكسيّة، إلى حدّ تدمير الحياة الزوجيّة والعلاقة العاطفيّة بين الزوجين. ومن هنا، في حال ضرورة السعي في تغيير سلبيّات الشريك، يجب أوّلاً عدم اللجوء إلى أسلوب المقارنة، بل يجب إيجاد وسائل أخرى لتحفيز الشريك على التحلّي ببعض الصفات الإيجابيّة، وترك بعض الخصائص السلبيّة، وإنَّ الله مع الصابرين.

حالة خاصّة
الحياة الزوجيّة حياةٌ خاصّة، يتخلُّلها كثيرٌ من الأحداث والخفايا، التي لا يطّلع عليها أحد سوى الزوجين، وكلّ زيجة هي حالة خاصّة؛ فلا مجال للمقارنات على مستوى الحياة الزوجيّة؛ لأنَّ الظاهر منها لا يُعدّ معياراً دقيقاً للحكم عليها.

وتذكّري في حال أردْتِ المقارنة، أن تقارني يومَكِ بأَمْسِكِ، وأن تعملي لغدِكِ، وترسمي طريقكِ الخاصَّ، وتضعي خُططكِ التي تتناسب وحياتكِ وظروفكِ، ولا تنظري إلى أوراق الآخرين في امتحانات الحياة فتفشلي، فكلٌّ لديه أسئلة مختلفة.

(1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الخوئيّ، ج 7، ص 201.
(2) عيون المواعظ والحكم، الواسطي، ص 143.
(3) مستدرك الوسائل، الطبرسيّ، ج 15، ص 223.
(4) نهج البلاغة، ج 3، ص 45.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع