نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

قصة: إنّي أشمّ ريحه!


أليسار كمال الدين


لطالما أحببتُ أن أزور الجنوب الذي حدّثني عنه وسيم(*) مراراً، وعن سرّ العاطفة الذي يحتضنه في ترابه، فيجذب إليه العاشقين.

الطّريق كان طويلاً، طويلاً جدّاً؛ فالعدوّ المهزوم انتقم من الطّرقات والجسور، ولم يُبقِ على شيء منها إلّا القليل.

كانت الدّقائق والسّاعات تمرّ، وشريط الذّكريات يمرّ، كم كان جميلاً عندما ولدته! وكيف كان في أوّل يوم له في المدرسة، وكيف عاد باكياً يوم عيد الأمّ، عندما أضاع الوردة التي قطفها لي، وهو عائد إلى البيت، وكذلك رائحته عندما عانقني قبل التحاقه بأوّل دورةٍ عسكريّةٍ، وعندما عاد من عمله بعد أيّام غياب!

لأوّل مرّة لم أفهم حقيقة مشاعري، أنا ذاهبةٌ للقاء ولدي البكر، الّذي كما يقول إخوته -في مزاحهم- إنّه الأقرب إلى قلبي، بل ذاهبة للبحث عن جسده بين الرّكام، وروحه تظلّلني من بين السّماوات.

وصلنا إلى البلدة، اقتربنا من حيث يبحثون. كاد قلبي أن يسبقني بالوصول، حجم الدّمار مريع، والغبار الأبيض يكسو المكان. عيون الجموع تحدّق في الأرض، والأنفاس تُخنق مع كلّ حفرة يحفرها سائق الجرّافة.

ترجّلت من السّيارة ووقفتُ في المكان، أخبروني أنّ البحث جارٍ منذ ساعات طويلة، دون نتيجة. كان وقع الخبر قاسياً! سبعٌ وعشرون ليلةً لم أُبصر فيها صباح، فقلبي تائه تحت الركام وأنا أنتظر اللّقاء، هل سأعود خالية اليدين؟ وأنا التي وعدت قلبي أن تكون سلواه في طريق العودة! لكنّني لم أنطق بحرف.

هل بتّ قاسيةً إلى هذا الحدّ؟ أم أنّني صلبة كجذع نخلة ينتظر ولادة نبيّه؟

وقفتُ أحرّك حبّات السّبحة على اسم فاطمة عليها السلام، وأتلو في سرّي "يا رادّ يوسف إلى يعقوب...".

مرّ وقت طويل وأنا على تلك الحال، حتّى صرخت: "هنا، احفر هنا في هذا المكان، إنّي أشمّ ريح ولدي".

نظر الجميع إليّ بدهشةٍ، أو ربما شفقة؛ ظنّاً منهم أنّني أهذي.

اختلف الحاضرون فيما بينهم؛ ففي حين نصح بعضهم بالتّوقف عن البحث، والتسليم بقضاء الله، عارضهم بعضٌ آخر، ثمّ اقترب منّي السّائق وسألني ليتأكّد من طلبي، فكرّرته: "إنّي أشمّ رائحة وسيم في هذه النقطة بالتحديد، أرجوك أن تبحث هنا". بدأ الرجل يحفر وآمال الناظرين تعلّقت بكلماتي.

فجأةً، حصل ما كنتُ متيقّنةً منه؛ فقد وجدوا ما تبقّى من خمسة أجساد مباركة!

لا أعلم أيّهما كان الأقوى: الحزن أم الفرح؟ هل وجدتُ ولدي، أم تأكّدتُ الآن أنّني فقدته؟ كانت الأصوات تتعالى في المكان، والزّحام غطّى المشهد أمامي.

وفي لحظةٍ، التفتَ إليّ بعض من كان يعرفه، فقد وجدوا جزءاً من صدرٍ لطالما لطم على الحسين عليه السلام، فلم تمسسه نار، وقد التصقت به قطعة من ذاك القميص الأزرق المخطّط، فدلّت عليه، إنّه قميص ملاكي الصغير.

اطمأنّ قلبي. رفعتُ بطرفي إلى السّماء، أودعته أمّه فاطمة عليها السلام، وعدتُ وأنا أردّد التهويدة التي اعتاد أن يغفو عليها، وهو صغير:

"يلا ينام وسيم، يلا يحب النوم

يلا يحب الصلاة، يلا يحب الصوم

يلا تجيه العوافي... كل يوم بيوم"...


(*) الشهيد وسيم شريف، استشهد في حرب تمّوز- 2006م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

النبطية-رومين-الساحة العامة-احمد فياض شكرون

علي أحمد شكرون

2022-08-10 19:19:14

رحم الله الشهداء.. نرجو المزيد من النشر لأنهم مصدر القوة والهمة وفي قصصهم راحة لصدورنا المثقلة من هذه الدنيا الدنيّة..