منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

الرايات والثورات قبل الظهور ومشروعيتها


فضيلة الشيخ خليل رزق


يعتقد القائلون بنظرية الولاية المطلقة للفقيه على حكم العقل بضرورة وجود نظام إلهي يحكم البشرية وفق الموازين الإلهية العادلة.
فالمهمة الأساسية للنبي الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلم بنظر هؤلاء لا تقتصر على مجرّد عملية تبليغ أحكام الدين وتشريعاته، بل إنها تسري إلى اتجاه آخر هو أعمق وأشمل من ذلك بكثير، لأن الله تبارك وتعالى بعثه هادياً ومبشراً ونذيراً ومقيماً للحدود، وناشراً للعدل، ورافعاً للظلم، وهذا يقتضي ويفرض وجود نظام ودولة وإدارة تتابع سير الأحداث وتطبيق هذه المفاهيم.


وقد أوكل النبي محمد  صلى الله عليه وآله وسلم أمر استمرارية هذه الأحكام إلى خلفائه من بعده وهم الأئمة الأطهار من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، بالآيات والشواهد القرآنية والنصوص النبوية التي أثبتت لهم الولاية المطلقة لهم.
وقد رأى فقهاء الفكر الشيعي الإمامي رضوان الله عليهم أن الولاية للفقيه العادل الجامع للشرائط قد استُمدّت جذورها من ولاية النبي  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار (عليهم السلام).

وهذا بدوره يعكس تبني الفكر الشيعي لضرورة إقامة الدولة العادلة، وتطبيق حكم الشريعة حتى في عصر غيبة الإمام الثاني عشر الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وذكر الفقهاء أموراً حسبية واتفقوا على القول بأن الشارع الحكيم لا يرضى بإهمالها وتركها، كحفظ أموال الغُيّب والقُصّر ونحو ذلك، فيجب على الفقهاء من باب الحسبة التصدّي لها.

فنقول: هل الشارع الحكيم لا يرضى بإهمال الأموال الجزئية التي تكون للصغار والمجانين مثلاً، ويرضى بإهمال أمور المسلمين وإحالتها إلى الكفار والصهاينة وعملاء الشرق والغرب؟
إلاَّ أنه في مقابل هذا الاتجاه العام نرى أن بعض الفقهاء قد ذهبوا إلى عدم مشروعية إقامة مثل هذه الدولة، وكذلك إلى عدم جواز أعمال هذه الولاية للفقيه، وقد استدلوا ببعض الأخبار الواردة في كتب الأحاديث التي بمضمونها العام تشير إلى عدم جواز إقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، وعدم جواز إظهار أية راية، ولا القيام بأية ثورة لبناء حكم إسلامي قبل ظهور الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وعُمدة هذه الروايات ما جاء في كتاب الجهاد من كتاب وسائل الشيعة في الباب 13 وغيره من الكتب، حيث ربما يتوهّم منها وجوب السكوت في قبال مظالم الأعداء في عصر غيبة الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف وعدم إقامة الدولة العادلة، والتدخل في الشؤون العامة لا سيما السياسية منها وغيرها.

ومن هذه الروايات نذكر ما ورد عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: "والله لا يخرج أحد منَّا قبل خروج القائم إلاَّ كان مثله كمثل فرخٍ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به".
فهذا الخبر مضافاً إلى التشكيك في صحة سنده وعدم صدوره عن أهل البيت (عليهم السلام) لا يفيد المعنى الذي ذكروه واستدلّوا به. وذلك لأنه ليس في مقام بيان حكم شرعي من أنه لا يجوز القيام في وجه الحاكم الظالم، بل هو إخبار غيبي من الإمام (عليه السلام) يفيد بأنَّ الخارج من أهل البيت قبل قيام القائم لا يظفر ولا ينتصر وإن ترتَّب على قيامه آثار مهمَّة، وإلاَّ لو كان الأمر كذلك فإن هذا الحديث من الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) يتعارض مع خروجه هو وأبيه الإمام الحسين إلى كربلاء.

إذاً لا يمكن الاستدلال بهذا الخبر على وجوب السكوت وعدم الدفاع عن الإسلام والمسلمين في مواجهة الظلم، أو عدم جواز إقامة الدولة الإسلامية، ومنها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قضية ثورة زيد (رضوان الله عليه) حيث قال في خبر طويل:
"... ولا تقولوا: خرج زيد، فإنَّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه وإنَّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد  صلى الله عليه وآله وسلم... فالخارج منَّا اليوم إلى أي شيءٍ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد  صلى الله عليه وآله وسلم؟ فنحن نشهدكم أنَّا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد".

هذه الرواية غاية ما تدل عليه هو تبيان موضوع هامٍ للناس يفيد بأنَّ عليهم أن يتأكدوا من دعوة أي إنسان إلى الثورة، لأن هذا الداعي قد تكون دعوته دعوة ضلال وهي باطلة، وقد تكون دعوة حقّة كدعوة زيد بن علي بن الحسينَ حيث دعا الناس إلى تسليم الحق لأهله وإلى الرضا من آل محمد  صلى الله عليه وآله وسلم يعني الإمام الصادق في ذلك الوقت.
ويؤيد هذا الكلام المدح والثناء من الإمام الصادق (عليه السلام) لزيد، وبيان مقدار فضله وعلمه وزهده حيث قال (عليه السلام): "وكان عالماً وكان صدوقاً".
فالرواية لا علاقة لها بالاستدلال الذي استدل به البعض على عدم جواز القيام بالثورة.
ومنها الرواية التي وردت بألفاظ متعددة مثل ما ذكره النعماني في كتابه الغيبة عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: "كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت".
ومثلها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:
"كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله عز وجل".

وطريقة معالجة هذه الروايات لإثبات عدم صحة الاستدلال بها على ما ذكروه، القول بأن الدعوة إلى الثورة على قسمين: فالدعوة إلى النفس باطلة، والدعوة لنقض الباطل وإقامة الحق وإرجاعه إلى أهله حقّة ومؤيّدة من قبل الأئمة (عليهم السلام)، ومراد الأئمة "بالراية" في هذه الروايات هي الراية الداعية إلى النفس في قبال الحق.

ويؤيد ذلك قول الإمام الباقر (عليه السلام):
"وأنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجَّال إلاَّ سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت"، حيث قيّد الراية بالضلالة.
فالملاحظ من الروايات المتقدمة الذكر وغيرها من التي لا نستطيع ذكرها لطولها، هو أنها كلها غير ناظرة إلى ما ذكروه من عدم جواز إقامة الدولة الإسلامية، أو الخروج على الحاكم الظالم، وغيرها من المفاهيم التي لا صلة لها بالإسلام ولا بتشريعاته.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع