كفركلا: تاريخ نِضال مستمرّ مع الإمام الخامنئي | احفظوا أثر الشهداء* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف حتّى الآن؟ فقه الولي | من أحكام الإرث (1) آداب وسنن | تودّدوا إلى المساكين مفاتيح الحياة | أفضل الصدقة: سقاية الماء* على طريق القدس | مجاهدون مُقَرَّبُونَ احذر عدوك | هجمات إلكترونيّة... دون نقرة (1) (Zero Click) الشهيد السيّد رئيسي: أرعبتم الصهاينة* تاريخ الشيعة | عاشوراء في بعلبك: من السرّيّة إلى العلنيّة

شرطان لصلاح العاملين: التخصص والأمانة

آية الله جوادي الآملي


ذكرنا سابقاً أن أعظم مقام للإنسان المتكامل هو وصوله إلى مقام عند الله، وهذا المقام قد جعله الله للملائكة. وأفضل طريق للوصول إلى هذا المقام هو أن يرى الإنسان ربه حاضراً وشاهداً على جميع شؤونه. وعندها سوف يراقب فكره وأعماله. وإذا استمر على هذا المنوال فإنه سوف يصل إلى مرحلة الملائكة ويكون في مقام عند الله، كما أنه ينال الأبدية والخلود. وقد بين القرآن هذين المطلبين بشكل واضح:
الأول :أن أفضل مقام للإنسان هو مقام عند الله.
والآخر:أن طريق الوصول إليه هو المراقبة والمحاسبة.

فقد جاء في سورة يونس قوله تعالى: ﴿وبشّر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم. وفي سورة القمر يقول الله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وهم أصحاب اللذات الحسية: في جنات ونهر، واللذات الإلهية الخاصة: في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
فالله مالك السموات والأرض وهو ملِك ومليك. والمالك يعني أن ملك السموات والأرض له، والملك والمليك يعني السيطرة والنفوذ. يمكن أن يكون البعض مالكين لشيء، ولكن دون أن يكون مالكاً، أي دون أن يكون لهم نفوذ على ملكهم. فالله مالك الكون وملكه، والإنسان التقي الذي يصل إلى حضور المقتدر يصبح قادراً. فإذا شاهدتم أولياء الله يحبون الأموات أو يطلعون على ما في قلوب الآخرين أو يخبرون عن الماضي والمستقبل، كل ذلك بإذن الله طبعاً، فذلك لأنهم عند مليك مقتدر.

يقول أبو ذر الغفاري رضوان الله عليه: كنت في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأثناء الطريق استلقى النبي ونام. فلأجل معرفة إذا كان النبي يعلم ماذا أفعل عمدت إلى شجرة وكسرت غصناً منها.
فقال لي النبي: ماذا تفعل يا أبا ذر؟ قلت: أريد أن أعرف إذا كنت تعلم في منامك ماذا أفعل؟ فقال صلى الله عليه وآله: تنام عيناي ولا ينام قلبي.. كيف يصل الإنسان إلى حد يعلم فيه ماذا يفعل الآخرون؟ لأنه وصل إلى "عند مليك مقتدر". يبشّر القرآن المؤمنَ بهذا المقام. ويبين له طريق الوصول إليه، فهو يقول أن المؤمن هو الذي لا يرى مقاماً أعلى من مقام عند الله. وهو لا يقع تحت تأثير الأعمال الصغرى أو الكبرى. وعندما يصل إلى مقام عند الله فإنه يرى كل النعم والمقامات من الله وفضله، ويقول قد أعطاني الله إياها لينظر أأشكر أم أكفر.

وأحد نماذج هذا الأمر: الجدار المعدني لذي القرنين. والنموذج الآخر إحضار عرش ملكة سبأ إلى سليمان عليه السلام. ويذكر القرآن الكريم هذين العملين العظيمين اللذين صدرا من شخصيتين عظيمتين أيضاً. ثم يقول بعدها أنهما عندما وصلا إلى هذا المقام قالا: إن هذا من فضل الله ورحمته. في سورة الكهف عندما يُذكر ذو القرنين يقول الله تعالى: ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. ﴿قال ما مكني فيه ربي خير﴾. قال: فأنا لست بحاجة إلى مالكم وخراجكم. ولم يقل عندي مال. ثم نسب كل ما عنده إلى الله. فالإنسان عندما يرى نفسه في حضور الله لا ينسب مناله إلى نفسه. ﴿فأعينوني بقوة. لأنه لم يُحضر إلى هذه المنطقة قوة إنسانية معه، وعليكم أن تعينوني لأحداث السد: ﴿أجعل بينكم وبينهم ردما أنتم طلبتم سداً، وأنا أصنع لكم ما هو أقوى من السد وأفضل منه. ولم يكن هذا السد أو الجدار الإسكندري سداً حجرياً أو رملياً بل سداً معدنياً. قال: ﴿ائتوني زبر الحديد فمن قطع الحديد أصنع لكم سداً! وعندما تمتلئ حافتا الجبلين من المواد الأولية ﴿قال انفخوا. يلزم هنا جهاز حراري قوي حتى يذيب هذه المعادن ليتمكن من وضع النحاس والمواد الأخرى فيها لأحداث هذا السد. ﴿حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً. وعندما تم هذا السد المعدني قال إن هذا السد يمنع أي معتد من الاعتداء والتجاوز والاختراق: ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه ﴿وما استطاعوا له نقبا. ثم قال ذو القرنين: ﴿هذا رحمة من ربي. ولم يقل هذا ما فعلته بيدي. وهذه الرؤية الإلهية تمنع من الغرور وتؤدي إلى التواضع. ثم قال حول المعاد: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا، فهناك حين يتغير كل نظام الكون وتنسف الجبال سوف يندك هذا السد أيضاً.

فالذي يقوم بأشد وأصعب الأعمال لأجل المستضعفين يقول: هذا رحمة الله. فهو ينتبه دائماً حتى لا يقع في غرور قوته. ومثل هذه المراقبة المستمرة والخضوع يوصلانه إلى مقام عند الله. والقرآن الكريم يذكر قصة مشابهة لهذه القصة فيما يتعلق بسليمان عليه السلام. يقول، عندما أراد سليمان عليه السلام إحضار عرش بلقيس من اليمن ﴿قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. ﴿قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك. فقد قال له أحد الحاضرين إنه يستطيع الإتيان بالعرش قبل أن ينهي سليمان مراجعاته أي من الصبح إلى الظهر لأنه: ﴿إني عليه لقوي أمين.

عندما يطرح القرآن موضوع العمل، يقول: اعطوا الأعمال للذي يستطيع أن يؤديها من ناحية المعايير العلمية بشكل جيد ويكون قادراً على حفظ وحراسة حقوق الناس. فهذان الأصلان: التخصص والالتزام قد تكررا في القرآن مراراً.
وأحد الموارد التي ذكرت فيه مسألة التخصص والالتزام معاً حين قال ذلك الشخص: ﴿إني عليه لقوي أمين. فقد جمع مع القدرة على أدائها الأمانة أيضاً. عندما أراد موسى عليه السلام أن يخدم شعيباً عليه السلام في رعيه، قالت ابنة شعيب (على ما يحكيه القرآن الكريم): ﴿يا أبت استأجره أن خير من استأجرت القوي الأمين.
عندما وصل النبي يوسف عليه السلام بعد السجن إلى مقام وزارة الاقتصاد والمالية في مصر كان يقول في مرحلة القحط: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم.

عندما يتحدث البعض عن دين الإسلام بأنه دين لا علاقة له بالتخصص فذلك لأنهم لم يريدوا أن يخرجوا القرآن من غربته. في حين أن القرآن الكريم يبين أن كل الأعمال الحساسة وغيرها في المجتمع تقوم على هذين الأصلين. سواء كان العمل رعياً في هضاب الجبال وهو من أسهل الأعمال أو وزارة الاقتصاد لدولة كبيرة في زمن القحط وهو من أصعب الأعمال. وقد ورد في كتبنا الروائية أن الأمانة توسع الرزق وتزيد البركة، وأن الأمين لا يمكن أن يقع في ضيق. يمكن أن يحصل الإنسان على أموال كثيرة، ولكنه يقع في المشاكل الكثيرة. ولكن حياة الإنسان الأمين تتميز دائماً ببركة خاصة. وفيما يتعلق بعرش بلقيس، عندما عرض على سليمان ذلك العرض لم يقبل به. هناك ﴿قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. أما فيما يتعلق بهذا الكتاب وهذا العلم فلندعه إلى وقت آخر. المهم أن الذي تعهد به قد حدث: ﴿فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي. فلم يقع في غرور المقام. بل نظر إلى فضل الله.

فذو القرنين يقول بعد أحداث ذلك الجدار العظيم: ﴿هذا رحمة من ربي، وسليمان يقول بعد إحضار العرش إليه: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم.
إذا صار شهود الإنسان بهذا النحو حيث يرى كل النعم من الله وأنه في حضور المنعم فإنه لن يقول أبداً: هذا من جهدي الخاص.. فبين كلام قارون وكلام هؤلاء الأنبياء العظام فروقات كثيرة. فقد قيل لقارون أخدم الآخرين فرد قائلاً: إن هذه الثروة قد جمعتها بيدي: ﴿إنما أوتيته على علم عندي. أما سليمان فقد قال: هذا من فضل الله وقال ذو القرنين هذا رحمة الله. وبين هاذين الخطابين فرق كبير. فالخطاب القاروني خطاب الغرور والعجب الذي يهلك الإنسان، والخطاب النبوي يقوم على أساس المراقبة التي ترفع الإنسان وتسمو به. ثم يبين القاعدة الكلية ويقول: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني فأولاً: هذا فضل ونعمة من الله، وثانياً: ليس بالمجَّان، بل لأجل الامتحان والاختبار. هل أكون شاكراً أم أكفر. وهذا الشكر يعود على الإنسان نفسه، ومهما شكر الإنسان فإنه يبقى قاصراً. لأن التوفيق للشكر نعمة إلهية. وإدراك هذا التوفيق يستحق شكراً أيضاً.

أما ﴿ومن كفر فإن ربي غني كريم أي إن لم يكن في مقام الاعتقاد شاكراً، ولا في مقام العمل فإن الله الغني لا يصل إليه شيء من كفر الكافرين. وبيان القرآن الكريم فيما يتعلق بالثواب والعقاب ليس متساوياً. فهو لم يقل أن كل من يعمل صالحاً حتماً لسوف يحصل على الثواب وإن كل من يعمل سوءً سوف يعاقب عليه. بل قال إن كل من يعمل صالحاً فإن الله سوف يثيبه حتماً، وإن كل من عمل سوءً عليه أن يعلم أن الله يعاقب عقاباً شديداً. ونقرأ هذه الآية الكريمة من القرآن حيث يقول الله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. (إبراهيم/7) لم يقل الله تعالى لأعذبه بل قال إن عذابي شديد. أما فيما يتعلق بالشكر فإن الله قال لأزيدنكم. وأكدّ عليه بالنون المشددة. وفيما تتعلق بالعذاب بما أن الله ستار كريم فيمكن أن يمهل الإنسان الكافر. ويمهله إلى حيث يمكن ذلك.

طريق النجاة هو حفظ ماء وجه الناس. وفي الوقت الذي يؤدي الإنسان وظيفته يجب أن يحفظ السر. وعندما يقدم للناس خدمة فعليه أن يخفيها. يوم القيامة يسأل الله تعالى، وعلى الإنسان أن يجيب، ولكن الذي يقف إلى جانبهما لن يسمع أو يفهم. ففي القيامة، يسأل الإنسان في حضور الآخرين، وحيث يرى الإنسان حقيقة عمله لن ينكر. ولكن جميع هذه الأسئلة والأجوبة لا تكون بحيث يسمعها الآخرون. فالله تعالى يعامل عباده بكل كرم بشرط أن يكون لهم نوع من الارتباط الخاص به. وهناك سوف يقول الله تعالى: لقد غفرت لكم وتجاوزت عنكم (بالطبع في حال كان الإنسان قد أعد شروط المغفرة في الدنيا).

* نتيجة البحث
هي أنه لا يوجد مقام أعلى من مقام عند الله (وهذا أصل قرآني مهم)، ولأجل الوصول إلى هذا المقام الشامخ لا بد من شهود النفس في محضر الله وأن الله شاهد على جميع شؤون الحياة حتى تؤدي هذه المشاهدة إلى المراقبة الشديدة بحيث لا يصدر منه أي خطأ (وهذا الأصل الثاني). نموذج هذه الأصول نشاهده في السيرة العملية للعظماء الذين إذا وصلوا إلى القوة العالمية يقولون: "هذا من فضل ربي". وعندما يقدمون خدمة للمجتمع فإنهم يقولون: "هذا رحمة من ربي". وهم لا يتوقعون شكراً أو أجراً من أحد، ولا ينتظرون رئاسة أو مقاماً.

إن هذا السلوك هو الذي يوصل الإنسان إلى مقام عند الله، وإلا، فإن الله يقول للإنسان إنك قد قمت بهذا العمل وجل لذة المقام والمنصب وقد وصلت إليه وتلذذت به ولن تجد الآن أية فائدة. لقد قمت بهذا العمل لكي يذكر اسمك عند الجميع ويمدحوك. وقد حصلت على ما أردت. أما اليوم فلا أجر لك. فالويل للإنسان الذي تكون نتيجة أعماله وجهوده هباءً منثوراً وطوبى لمن نجا من فخ الخيال والوهم. وبالطبع فإن هذا العمل ليس سهلاً، وإذا لم يصل الإنسان إليه فإنه لن يستفيد من عمره. إذا راقب الإنسان نفسه لن يقع في هذه المزالق وهنا تلزم تربية القرآن، والإنسان العادي لا يصل إلى هذا المقام لأنه من نصيب الذين لم تأخذهم الرئاسة عند الإتيان بالعمل بل قالوا: "هذا رحمة من بي".
والحمد لله رب العالمين

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع