مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

تحقيق‏: "غار حراء" مهبط الوحي‏


إعداد: د. حيدر خير الدين‏


عندما وجد رسول الله  صلى الله عليه وآله قبل بعثته الناس في حيرتهم وضلالهم، معظمهم يغشى المنكر، وينأى عن السبل، ويختلف إلى الفساد ويتردّد إلى الموبقات أراد ساعتئذٍ أن يبعد عن المجتمع الآبق الشريد، وأن يخلو مع ربه يتعبّده بفنون الدعوات ويذوب معه في فكره وتأملاته بعيداً عن الضوضاء فهو قد أحبّ الله ، فأحبه الله ، وحبّب إليه الخلوة، والبعد عن الناس، فلم يكن شي‏ءٌ أحبّ إليه أن يخلو وحده يفكر، ويفكر طويلاً في خلق الأرض وما عليها، وفي خلق السماء وما يراه فيها ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَك(1)، ولكن أين يتعبّد؟

أفي الكعبة التي كانت زاخرة بالأصنام والتماثيل؟ أم في محيطها الذي كان يضجّ بالمكاء والتصدية؟ أم في جبلٍ من جبال الحرم(2) الذي ناداه حين قال له جبل بشير وهو على ظهره: إهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذَّب، فناداه حِراء قائلاً: إليَّ إليَّ يا رسول الله (3)، وقد بلغ من شأن جبل حراء أنه من ضمن الجبال الخمسة المقدّسة التي بنيت بها الكعبة المشرّفة إلى جانب طور سينا، طورزيتا، جبل لبنان(4)، وجبل الجودي(5). وهذا التقديس للجبال تقليد قديم، وذلك لأن جميع الأعمال الإلهية الكبرى قد حدثت على رؤوس الجبال ولكونها السلالم إلى السماء حيث القرب من الله  تعالى، فآدم نزل على جبل الراهون لما أخرج من الجنة، وإن أول جبل وضع على الأرض كان جبل أبي قبيس في مكّة، وغيرها من المعجزات العديدة(6)...

ولا غرو في قداسة هذه الجبال وغيرها، فعندما نزلت البسملة سبَّحت الجبال، فقالت قريش: سَحَر محمد الجبال(7)، لهذه الأسباب اختار رسول الله  صلى الله عليه وآله جبل حِراء عن غيره من الجبال وهو جبل مبارك عالي القمة مرتفع في الهواء ومشرف على "مِنى"(8)، وكان رسول الله  صلى الله عليه وآله يحمل زاده ويرتقي إليه بفرح شديد يعتكف فيه شهراً يطعم فيه من جاءه من المساكين، ثم يعاود أدراجه إلى المسجد الحرام فيطوف حوله ثم يقفل راجعاً إلى منزله، وكان ذلك ديدنه لسنين عدة، ولما إنقضت أربعون سنة من عمره الشريف، جعل الحق تعالى قلبه أفضل القلوب، وأكبرها وأكثرها خشوعاً وإطاعة، ثم أعطى بصره نوراً آخرَ، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان المبارك حيث بلغ من الطهر والصفاء ما بلغ، إذ أوحى الله  عزّ وجلّ إليه بالأمر العظيم في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر نزل عليه جبرائيل في الليلة التي رحم الله  عباده فقال صلى الله عليه وآله جاءني جبرائيل، وفي يده منديل من حرير فيه كتاب فقال: إقرأ، قلت ما أقرأ!

قال بعد أن نفث في روعي حتى ظننت أنه الموت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ثم تتابع نزول وحي ربه إليه، وبعد أن انصرف الملاك جبرائيل، وغرق الرسول صلى الله عليه وآله في بحر النور، واستمرّ في الجبل من هول ما بُشّر به، فلم يعد إلى بيته، ولم يواف خديجة التي تعودت أن يعود إليها بعد تعبّده، وهي في ذلك الحين كانت تأخذها اللهفة الشديدة والقلق الحامي حول تأخره صلى الله عليه وآله فأرسلت رسلها إلى الجبل يبحثون عنه صلى الله عليه وآله، حيث ساروا هنا وهناك دون أن يأتوا لها بخبر، ولما هدأ روع النبي صلى الله عليه وآله نزل من جبل حِراء إلى جبل ثور ومنه إلى منزله، وهو في طريقه تصحبه أنوار الجلال، لم يكن بمقدور أحدٍ النظر إليه، وكان لا يمرّ بشجرٍ ولا نباتٍ إلا سجد له، وقال بصوت فصيح: السلام عليك يا نبي الله ، السلام عليك يا رسول الله ، ولما دخل بيته أشرق البيت بشعاع شمس جلاله، فقالت خديجة بعد أن فرحت به فرحاً شديداً: ما هذا النور الذي أراه منك؟ قال صلى الله عليه وآله إنه نور النبوة، قولي لا إله إلا الله  محمد رسول الله (9)، قالت خديجة، بعد أن أصابت محبة الإسلام قلبها: طالما عرفت ذلك، أَبْشر يا بن عمِّ وأثبت، فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة، ثم نطقت بالشهادتين وآمنت، ولما أحست برعشة أصابته صلى الله عليه وآله قامت وجمعت عليه ثيابها لتحميه من أثر ما ناله.

ومنذ ذلك الحين والمسلمون يقدّسون جبل حِراء، ويتهافتون على زيارة الغار الذي هبط فيه الوحي إليه، وهو في رأسه مشرف مما يلي القبلة، حيث ينحدر قاصده قليلاً إلى جهة القبلة أيضاً، يصعد الزائرون إليه عبر مرتقى صعب أما الغار فيدخل من تحت صخرة إلى فسحة، طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران أو أقلّ ويكون بذلك مستقبل القبلة، وعلى الجدار الشرقي للغار نحتت عبارة محمد رسول الله  بالخط الكوفي، وعند مدخله عبارة حديثة تشير إليه، وكان الرحالة الهروي(10) قد أشار إليه، كذلك أخبر عنه ابن بطوطة بالقول: جبل حراء من جبال مكة المشهورة بعد جبل أبي قبيس. وهو كائن إلى الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه، كان النبي صلى الله عليه وآله كثيراً ما ينتابه ويتعبد فيه، اهتز تحته يوماً فقال صلى الله عليه وآله: "ولتكن حراء فما عليك إلا نبي.." وهو آخذٌ من الغرب إلى الشمال، ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون(11)، أما ابن جبير فأشار إليه بالقول: وصعدنا إلى الجبل المقدس حِراء، وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي صلى الله عليه وآله يتعبّد فيه، وهو أول موضع نزل فيه الوحي(12)، هذا الموقع المقدّس والمبارك الكائن في الشمال الشرقي من مكة المكرمة على يسار الخارج منها على طريق الشرايع ويشرف على طريق العدل، يدخل اليوم ضمن العتبات المقدّسة التي يفد إليها الحجّاج بعد الانتهاء من فريضة الحج، وذلك للتبرّك من آثار النبي صلى الله عليه وآله أثناء بعثته، حيث يتقاطرون إلى زيارة الغار بالرغم من وعورة الطريق وصعوبة الارتقاء، متجاوزين كل الدعوات التي تعتبر زيارته من البدع، وقد ثُبتت عند أسفل الجبل لوحة كبيرة مترجمة إلى عدة لغات تنبّه الحجيج إلى عدم زيارة الغار.


(1) قرآن كريم آل عمران 191.
(2) ابن هشام "الروض الآنف" ج‏2 ص‏392.
(3) المرجع نفسه ص‏392.
(4) وهنا تبرز أهمية وقداسة بلادنا في التاريخ.
(5) البقاعي "نبذة لطيفة في المزارات الشريفة" ص‏42 مخطوط.
(6) نمر سرحان "المباني الكنعانية" ص‏36.
(7) ابن هشام "الروض الآنف" ج‏2، ص‏398.
(8) حسان الحلاق مكة المكرمة ص‏56.
(9) منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ج‏1 ص‏73.
(10) الهروي "الإشارات إلى معرفة الزيارات" ص‏88.
(11) ابن بطوطة "رحلة ابن بطوطة" ص‏12.
(12) ابن جبير "رحلة ابن جبير" ص‏131.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع