د. نبيه علي أحمد*
يتناول فيلم "سيّد الحرب" قصّة حقيقيّة من كواليس الحرب المفروضة بين إيران والعراق، بحيث يسعى الأعداء بالتعاون مع خصوم إيران إلى شلّ قدرتها الصاروخيّة عبر سرقة أجزاء حيويّة منها. في المقابل، يكلّف فريق إيرانيّ بقيادة إبراهيم شريفي بمهمّة صعبة لإعادة تشغيل الأنظمة على الرغم من نقص المعدّات والعقبات المتتالية، في ملحمة من الإصرار والذكاء. يبرز الفيلم الدور المفصليّ للشهيد حسن طهراني مقدم ورفاقه في تطوير القدرات الدفاعيّة، ويقدّمه المخرج دارابي بأسلوب واقعيّ ومؤثّر، ضمن سرديّة سينمائيّة تعكس براعته. يعدّ هذا العمل إضافة مميّزة إلى السينما الإيرانيّة التي باتت تعبّر عن قضايا المقاومة بلغة عالميّة تصل إلى جماهير واسعة، خصوصاً في ظلّ تصاعد الصراعات الإقليميّة ومحور المقاومة.
* نظرة معمّقة
يعدّ فيلم "سيّد الحرب" للمخرج حسين دارابي من أكثر الأعمال إثارة للجدل في مهرجان الفجر السينمائيّ الثالث والأربعين، وقد جذب الكثير من الاهتمام من مختلف الجوانب. سنحاول الإضاءة على بعض النقاط المتعلّقة بظروف إنتاج الفيلم.
أعلن حسين دارابي، مخرج الفيلم، أنّ سيناريو "سيّد الحرب" كان محظوراً لمدّة خمس سنوات، بسبب حساسيّات موضوعه، ولكنه، نال دعم قوّة الفضاء الجويّة التابعة للحرس الثوريّ المشروع، وقد أشاد به الشهيد اللواء أمير حاجي زاده، بوصفه أحدى السرديّات الخاصّة بالصواريخ البالستيّة التي تعدّ فخر الصناعات الإيرانيّة العسكريّة.
1. شخصيّة الشهيد طهراني.. لم تمثل: على الرغم من أنّ الفيلم يتناول تشكيل وحدة الصواريخ التابعة للحرس الثوريّ الإيرانيّ، ودور الشهيد حسن طهراني مقدم، إلّا أنّه لم يؤدِّ ممثلٌ دور هذا الشهيد. وقد اتّخذ هذا القرار بسبب صعوبة تصوير مثل هذه الشخصيّة والحاجة إلى الحريّة في سرد القصّة.
يركّز الفيلم على الأجواء التاريخيّة والتحدّيات الفنيّة والعسكريّة أكثر من التركيز على الجوانب الشخصيّة لحياة الشهيد طهراني مقدم.
2.تقديم القصّة بتصرّف دراميّ: أكّد مخرج الفيلم وكاتبه أنّه كانت ثمّة تغييرات في أجزاء من القصّة، وأنّ الفيلم عبارة عن تقديم حرّ للأحداث التاريخيّة. فالشخصيّة الرئيسة في القصّة (إبراهيم شريفي) أنشأها الكتّاب وليس لها مثيل حقيقيّ. وبسبب ذلك، عدّ بعض الجماهير الفيلم خياليّاً للغاية.
3. علاقة الفيلم بعمليّة "الوعد الصادق": قال مصمّم المشروع محمّد رضا شفيعي أنّ فيلم "سيّد الحرب" هو ملحق إعلاميّ بعمليّة "الوعد الصادق"، الهجوم الصاروخيّ الإيرانيّ على القواعد الأمريكيّة في العراق. وشدّد على ضرورة تقديم الفيلم للعالم، وأنّه يجب على السلطات عَدُّهُ فيلماً دوليّاً.
4. دعم بعض الشخصيّات السياسيّة وتقديرهم: شاهد وزير الخارجيّة السابق محمّد جواد ظريف الفيلم في قصر المهرجان عندما لفت حضوره انتباه وسائل الإعلام. وبعد المشاهدة، أشاد المتحدّث باسم مجلس صيانة الدستور هادي طحان بأهميّة الفيلم، واصفاً إيّاه بأنّه مظهر لمقاومة الشعب الإيرانيّ ونضاله.
5. عمّار شلق: مشاركة لبنانيّة: ليس جديداً على الممثّل اللبنانيّ عمّار شلق تأدية أدوار صعبة ومركّبة، خاصّة أنّه يقدّم دوره أمام ممثّلين إيرانيّين لا يعرف لغتهم، ولكنّه استطاع الاندماج وتقديم شخصيّة الجنرال الليبيّ بشكل محترف، وهو الذي أدّى أدواراً كثيرة في مسلسلات لبنانيّة تتحدّث حول المقاومة.
* آراء فنيّة- سينمائيّة
غنيّ عن القول إنّ "سيّد الحرب" كان يتمتّع بجودة إنتاج مقبولة نسبيّاً بين أفلام الحرب، حيث يحاول أن يكون لديه نهجاً أكثر عقلانيّة، وفي الوقت نفسه أكثر وطنيّة لقضايا الثورة. فلا يوجد فيه الكثير من الأخبار عن الدبّابات وساحات القتال والجنود العراقيّين وما إلى ذلك. بل موضوعه الرئيس هو الصواريخ والتكنولوجيا اللازمة لصنعها، وهدفه إظهار شعار "نستطيع".
يذكّر "سيّد الحرب" الجمهور بـOppenheimer(1)، وبدلاً من إظهار الحرب، يتعامل مع القضايا والمصائب الكامنة وراءها، ويهتمّ بأهميّة العلم.
في غضون ذلك، يشير الفيلم إلى القصّة التاريخيّة لتبرّع ليبيا بالصواريخ لإيران (التي كانت قصّة مهملة في الأفلام الإيرانيّة)، ويبحث في أفكار هذا العمل ودوافعه. يعدّ "سيّد الحرب" عملاً مقبولاً أكثر مقارنة بالأفلام العضويّة الأخرى لهذا المهرجان، والتي أُنتجت بأموال حكوميّة. وعلى الرغم من المشاكل في الفيلم، إلّا أنّه كان عملاً أفضل في مسيرة حسين دارابي (الذي لديه أفلام أيديولوجيّة).
* قضيّة الصواريخ
إنّ تقديم فيلم حول صناعة الصواريخ البالستيّة في الوقت الذي تخوض فيه الجمهوريّة الإسلاميّة حرباً وجوديّة مع الكيان الغاصب، واستخدام بعض أدوات القوّة لديها وعلى رأسها الصواريخ البالستيّة والفرط صوتيّة في حربها الأخيرة، دلّت أنّ إيران جاهزة لتطوير قدراتها الجويّة للدفاع عن مواطنيها وقضيّتهم المحقّة. وإنّ امتلاك الدول الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركيّة، لأدوات القتل، دليل على أنّ هذه الدول تسعى إلى تركيع الشعوب المستضعفة وفرض إملاءاتها عليها.
من خلال هذا الفيلم، أثبتت الجمهوريّة الإسلاميّة أنّها تستخدم كلّ الوسائل للدفاع عن قضيّتها، فلا تزيّفها ولا تقدّم سرديّة مختلفة عمّا هي في الواقع. وما شاهدناه في مجرياته، يدلّ على أنّ الشعب الإيرانيّ المحارب والمحاصر منذ سنوات عديدة قادر على صناعة معادلات كبيرة تهزّ عروش الطغاة، فالصواريخ صُنعت بسبب الحاجة إلى الدفاع عن المواطنين العزّل. وعندما استخدمت في الحرب الأخيرة، كانت بسبب هجوم العدوّ الصهيونيّ على العاصمة الإيرانيّة طهران واستهداف المدنيّين والأبرياء.
المعادلة واحدة؛ إنّ نصرة المظلوم لا تختلف بين السينما والواقع. أمّا في هولييود، فنرى المظلوم ظالماً والعكس، بسبب عدم أحقّيّة هذه السرديّات في تقديمها للجمهور، فتلجأ شركات الإنتاج إلى استخدام أهمّ الوسائل البصريّة والفنيّة لتزييف الحقائق وإضاعة الحقّ.
يبقى أن نشير إلى أنّ هذه الأفلام تلاقي استحساناً في الدول العربيّة التي تُعرض فيها ومنها لبنان. وأنّ الإيمان بالقضيّة الحقّة للشعوب المستضعفة يجعل من المشاهد منحازاً إلى هذه القضيّة؛ فالهجوم الإسرائيليّ على إيران كان ظلماً واعتداءً، والكلّ يجمع على ذلك. كما أنَّ الحرب على فلسطين ولبنان هي حرب إبادة ومحاولة تركيع لشعب رفض على مرّ التاريخ الظلم والذلّ، ولا يتوانى أبداً عن المقاومة والدفاع عن حقوقه مهما غلت الأثمان وعظمت.
(*) باحث وأكاديميّ في مجال السينما والأدب.
(1) يروي الفيلم قصّة ج. روبرت أوبنهايمر، العالم الفيزيائيّ الأمريكيّ الذي يعرف بلقب “أبو القنبلة الذريّة”، ودوره المحوريّ في مشروع مانهاتن الذي طوّر أوّل سلاح نوويّ خلال الحرب العالميّة الثانية. كما يتناول الفيلم الصراع الأخلاقيّ والنفسيّ الذي واجهه أوبنهايمر بعد استخدام القنبلة النوويّة ضد اليابان، وما تلا ذلك من استجوابات سياسيّة وتشويه لصورته خلال فترة الحرب الباردة.