تحقيق: نانسي عمر
في زمنٍ تفرّقت فيه القلوب قبل الساحات، واحتدمت فيه الأهواء على حساب الحقّ، برز صوتٌ لا تهزّه العواصف ولا تُرهبه التهديدات. هو الشهيد الأمميّ السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ذاك الرجل الذي لم يكن زعيم طائفة، بل قائد ضميرٍ حيّ، حمل وجع الأمّة في قلبه، وارتدى عباءة المقاومة قبل أن يرتدي أيّ لقبٍ أو عنوان.
أحبّه الناس من كلّ مذهب ودين، لا لأنّه وعدهم بالنصر فقط، بل لأنّه كان صادقاً حين كذب الكبار، وثابتاً حين تراجع الكثيرون، وكان صوته في كلّ خطاب يتلوه دفئاً للفقراء، وملجأً للمظلومين، وسيفاً مرفوعاً في وجه الاحتلال والطغيان.
يبرز هنا سؤال مهمّ يتجاوز حدود الانتماءات الطائفيّة والمذهبيّة: كيف انعكست مكانة سماحة السيّد وقيادته على قلوب من ليسوا من شيعته ومواقفهم؟
* الإعلاميّة رولا نصر: قائد وطنيّ
"أسطورة كانت تعيش بيننا"، هكذا تجيب الإعلاميّة رولا نصر عن سؤالنا: "ماذا يعني لك السيّد؟"، وهي التي كانت ولا تزال تراه رمز الثورة والمقاومة، وقائد الأحرار الذي عرّف العالم إلى قضيّة فلسطين.
تقول نصر: "كنّا نراه قائداً وطنيّاً لأنّه لم يتكلّم يوماً كقائد مسلم، ولم يتحدّث عن قضايا تُعنى بطائفة محدّدة من دون سواها، بل كان رمزاً للمقاومة في العالم كلّه وليس فقط لطوائف أو مذاهب معيّنة. فقضيّة غزّة مثلاً، لا تخصّ المسلمين وحدهم، بل هي قضيّة كلّ إنسان حرّ شريف في هذا العالم، وكان السيّد الشهيد أوّل من تحدّث ودافع عنها".
وتضيف: "كان خبر شهادة السيّد من أصعب الأخبار المفجعة التي سمعتها في حياتي، لدرجة أنّني لم أصدق أن يكون حقيقة، وبقيت فترة طويلة على أمل أن يكون السيّد لا يزال حيّاً، إلى أن أتى يوم تشييعه الذي شعرنا فيه أنّنا بفاجعة وطنيّة كبرى. خسارته جعلتنا أيتاماً، وحفرت في قلوبنا جرحاً كبيراً، حتّى أنّ لبنان كلّه اختلف بعد شهادته، وكأنّ الجبل الذي كان يسنده ويسندنا قد انهار".
وفي ذكرى شهادته المباركة، لا تجد نصر عبارة أفضل من شعار تشييع السيّد الشهيد "إنّا على العهد"، لتؤكّد من خلالها أنّنا سنكمل مسيرته، مستشهدة بعبارته الشهيرة: "هذا الطريق سنكمله ولو قُتلنا جميعاً"، وما ذلك إلّا وفاء لدمائه وتضحياته في سبيل الوطن، وتقول: "هذا القائد الذي عاش حياة بسيطة، وكان محروماً حتّى من أبسط حقوقه في رؤية عائلته بحريّة كبقيّة الناس، وقدّم ابنه فداء للوطن، فإنّ أقلّ ما نقدّمه هو أن نقول له كلمة شكراً، وأن نكون أوفياء لمسيرته، ونكملها بالروح التي زرعها في داخلنا".
* الإعلاميّة مايا الخوري: ضمير الأمّة
اسم لمع في سجلّ المدافعين عن المقاومة، وهي المسيحيّة التي لم تخجل يوماً بأن تؤيّد قائداً مسلماً حاربه العالم كلّه لأجل وقوفه في وجه الظالمين والطغاة. "كثيرون يتفاجأون حين أقول إنّني أحبّ السيّد حسن نصر الله، فكيف لمسيحيّة أن تؤيّد شيعيّاً بهذا الوضوح؟ وكأن الحبّ مشروط بالمذهب"، تقول الخوري، وتتابع: "بالنسبة إليّ، المواقف أسمى من الطوائف، والحقّ لا يُحاصر بالمذهبيّة. فحين يكون الحبّ نابعاً من البصيرة لا من الطائفة، ومن الموقف لا من المذهب، يصبح السؤال نفسه دليلاً على عمى بعض القلوب لا على غرابة المشاعر". وتضيف: "صحيح أنّني مسيحيّة، لكنّ الإيمان لا يمنعني من الوقوف إلى جانب من يدافع عن أرضي، بل إنّ مسيحيّتي تفرض عليّ أن لا أتعامى عن الحقّ. وأنا أؤمن بأنّ المقاومة لا مذهب لها، وأنّ الكرامة لا تُقاس بسبحة أو صليب، وأؤمن أيضاً أنّ ثمّة رجالاً ولدوا ليكونوا ضميراً للأمّة، والسيّد نصر الله أوّلهم".
أمّا عن أسباب حبّها لسماحته فتتعدّد، والحبّ واحد، تقول: "أحبّه لأنّه لم يخذل الناس، ولم يتخلَّ عن فلسطين حين تخلّى عنها كثيرون، ولم يصمت حين كان الصمت أكثر راحة وأقلّ كلفة، ولأنّه حمل قضيّة المقاومة بيد، والكرامة الوطنيّة باليد الأخرى، ومشى بثقة وسط العواصف. أحبّه لأنّه لم يتاجر بدماء الشهداء، بل كان واحداً من الذين حفروا النصر بوجعهم وصبرهم وإيمانهم العميق. فيه صفاء نادر في زمن التشوّه، وصدق مدهش في زمن الأقنعة".
كما غيرها من المسيحيّين الشرفاء، لم تنسَ مايا الخوري كيف أرسل السيّد نصر الله جنوده إلى سوريا للدفاع عن مقدّسات المسيحيّين كما المسلمين، فحموا بدمائهم الكنائس وأعادوا راهبات معلولا، ورفعوا الصليب على الكنيسة عندما أنزله التكفيريّون.
لا يمكن أن تنسى أيضاً أنّه وقف في وجه جيش كان يقال عنه إنّه لا يُقهر، ليقول للناس إنّه أوهن من بيت العنكبوت. ولا يغيب عن بالها عبارة "انظروا إليها تحترق" في حرب تمّوز 2006م، حين رأيناها حقّاً تحترق. لكنّ المشهد الأصعب بحسب الخوري، كان يوم أذيع نبأ استشهاد السيّد، تقول: "حين سمعت بخبر استشهاده، شعرت أنّ شيئاً كبيراً سقط في روحي، وكأنّ جبلاً انكسر، أو سقف بيتي تهدّم. بكيتُه كإنسانة تدرك ماذا يعني أن تفقد قائداً صلباً، بكيتُه كلبنانيّة عرفت أنّ هذا الرجل لم يخن الأرض ولا الدم ولا العهد. بكيته كوطن، وشعرت بالخوف الحقيقيّ على نفسي وأولادي ووطني ومستقبلي، فالسيّد كان صمّام أماننا وعمود بيوتنا ودرّة لبنان الساطعة... السيّد نصر الله رجل لا يُعوَّض".
* ليندا مخلوف: نعمة إلهيّة
لشدّة حبّها للسيّد الشهيد ونهجه، اختار الله تعالى أن يكرّمها بأن يكون شقيقها -أحد حواريّي السيّد كما تصفه- شهيداً في سبيل الحقّ والإنسانيّة في الحرب الأخيرة. ليندا مخلوف شقيقة الشهيد عارف الرزّ التي ذابت في حبّ السيّد لأخلاقه وتواضعه ودفاعه عن المظلومين في العالم، لم تجد كلاماً يليق بوصف سماحته.
تقول مخلوف: "مهما قلنا لا يمكننا أن نفيه حقّه، ولكنّني أؤكّد بأنّ نظرتي إلى سماحته وكأنّه سفر من الإنجيل وآية من آيات الله الجليّة، وهو نعمة إلهيّة غاية في الوضوح، توجب علينا شكر الله عليها".
وتضيف: "كنت وما زلت أرى فيه مرجعيّتي السياسيّة والأخلاقيّة. بنظري، كان سماحته وريث أعظم من أرسلهم الله إلى هذه الدنيا ليخرجونا من الظلمات وليدلّونا عليه سبحانه، وقد تجلّى فيه جمال الخالق بما حمله من جمال خَلقاً وخُلقاً".
كثيرة هي عبارات الشهيد الأقدس التي رسخت في ذهن مخلوف، ولكنّ أبرزها كانت حين تكلّم عن السيّد المسيح عليه السلام في أحد خطاباته قائلاً: "المسيح الذي نقرأ عنه في الإنجيل والقرآن، وفي سيرته وأخلاقه وقِيَمهِ، نصيرُ مَن سيكون؟ هل سيكون نصير العُتاة والجبابرة والفراعنة؟ هل سيكون نصير القتلة والمجرمين وعونهم؟ أم أنّ المسيح الذي نعرفه هو نصير الحُفاة والفقراء والجائعين؟".
أمّا إن سألتها عن حبّها للسيّد، فتجيب بكلّ ثقة: "كيف يمكن لإنسان محيط بتعاليم المسيح أن لا يذوب في سماحته؟ إنّه تجسيد للسالك الحقيقيّ في طريق المسيح عليه السلام عبر تجلّي تعاليمه فيه. إن أخذنا ما يعرف بوصايا المسيح وقارنّا بينها وبين تطبيق سماحة السيّد لها، فوالله، إنّه أكثر من عاشها وطبّقها".
وتشبّه مخلوف السيّد الشهيد بالسيّد المسيح عليه السلام الذي وقف وحيداً مع ثلّة من حواريّيه في وجه بطش الرومان وبعض قادة اليهود. وعلى الرغم من قلّة العديد والإمكانات الماديّة لم يتراجع، بل بقي يواجه الظلم ويقف في وجه اللصوص ويدلّ على الله. وتضيف: "والله، لو أنّ سماحته كان في زمن المسيح عليه السلام، لكان من أنصاره وحواريّيه، بل وأقربهم إليه، ولجاد بنفسه دونه".
وكغيرها من محبّي السيّد، لم يكن وقع خبر استشهاده سهلاً عليها، وهي التي كانت تتمنّى أن "تفديه بعمرها"، على حدّ قولها، لكنّها لم تكن تتخيّل إلّا أن يرحل شهيداً في سبيل الله ونصرة المستضعفين، وتحديداً فلسطين التي سكنته كما لم تسكن أحدًا. "لم أكن أتخيّل أن لا يجود الله على عبده بعد طول جهاده ليُنيله ما أنال جدّه سيّد الشهداء عليه السلام، وهو الذي سار على نهجه خطوة بخطوة".
وترى مخلوف أنّ قول رجل كسماحة السيّد إنّ "إسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت"، كان كافياً لأن تزلزل العدوّ نفسيّاً وتشكّل له عقدة لم يخرج منها حتّى يومنا هذا. وتقول: "صوت سماحة السيّد ومواقفه وخطاباته كانت تخرق القبّة الحديديّة، ووقعها على العدوّ كان يوازي قوّة الـ F35 وطائرة الـ B2".
ولمن يقول أو يظنّ بأنّ المقاومة هُزمت، تقول مخلوف: "كيف يخسر من ينتصر للإنسانيّة!؟ في ذلك استحالة. انتصاراً كهذا يكون دوماً انتصاراً إلهيّاً، وفيه خير الدارين".